|
|
||||||||||||||||||||||||
السودان فتح عنوة
|
||||||||||||||||||||||||
|
البنود |
الكمية والأعداد |
|
الكنائس الثابتة |
200 |
|
الكنائس العشوائية |
506 |
|
المبشرين الأجانب |
458 |
|
العربات |
568 |
|
المنازل |
422 |
|
المدارس والمعاهد |
244 |
|
مراكز صحية ومستوصفات |
113 |
|
مقر المنظمات الطوعية + تبشيرية |
42 |
|
مراكز خدمات اجتماعية |
124 |
|
مزارع |
8 |
يقول الدكتور إبراهيم الجاك إبراهيم: (لقد ذكرت المراجع التاريخة أن النصرانية دخلت بلاد السودان منذ عهد الإمبراطور جستنيان (517 – 565 م) وزوجته ثيودورا، وكانت بلاد النوبة جسراً عاماً لمرور الديانة النصرانية إلى وسط السودان، مما أدى إلى قيام ممالك مسيحية في شمال ووسط السودان، مثل مملكة "المقرة" في الشمال، ومملكة "علوة" في وسط السودان، لكن هاتين المملكتين لم تصمدا أمام الزحف العربي الإسلامي من مصر نحو بلاد السودان، فقد سقطت مملكة النوبة المسيحية "المقرة" في أيدي العرب المسلمين في أوائل القرن الرابع عشر الميلادي، كما سقطت مملكة "علوة" أمام التحالف الإسلامي "الفونجي العبدلابي" 1504ﻫ، وانمحت بعد ذلك الديانة النصرانية تماماً من بلاد السودان لمدة تزيد عن ثلاثة قرون بقليل، ثم عادت النصرانية تطل برأسها من جديد في العهد التركي المصري في السودان، ولا سيما في عهد والي مصر عباس باشا (1264 – 1270ﻫ = 1848 – 1854م) الذي شجع الأجانب للعمل في السودان، وقد تمتع النصارى واليهود من الأوروبيين والأقباط والأحباش في العهد التركي المصري بتسامح11 ديني كبير، إذ لم تكن الإدارة التركية المصرية تتدخل في شؤونهم الدينية، أوتحد من نشاطهم التبشيري المسيحي، بل سمحت لهم ببناء كنائسهم، حتى أصبح في كل مدينة من مدن السودان الكبرى كنيسة بجوار المسجد، ونشطت حركة التبشير12 بصفة خاصة في جبال النوبة وجنوب السودان، وعندما ذهب صموئيل بيكر إلى أعالي النيل وجد كنيسة للمبشرين النمساويين تقوم بتعليم أبناء جنوب السودان الدين المسيحي.
وفي عهد الخديوي إسماعيل (1863-1879م) سعت بريطانيا لتعيين عدد من البريطانيين والأوربيين في مناصب إدارية وعسكرية عليا في السودان، وعلى رأسهم غردون الذي عُين حكمداراً للسودان عام 1877م، ومُنح سلطات مدنية وعسكرية وقضائية واسعة.
إلى أن قال:
وفي عام 1290ﻫ/ 1872م وصلت إلى السودان دفعة جديدة من المبشرين برئاسة المطران دانيال كمبوني.. هذه الحركة التبشيرية الواسعة التي كانت تتم بموافقة حكام مصر جلبت الكراهية والبغضاء من قبل السودانيين لحكام القاهرة).13
نتج عن فتح المجال من قبل الحكومة الخديوية للكفار من يهود ونصارى للعمل في السودان أن ازداد عدد المنصرين في السودان، وأسست كنائس كثيرة، وكذلك مدارس كنسية ولاهوتية، ونصِّر عدد من سكان جبال النوبة والمديريات الجنوبية، يتمثل ذلك في الآتي14:
1. أصبح في كل مدينة من مدن السودان الكبرى كنيسة بجوار المسجد.
2. كانت أصوات أجراس الكنائس تعلو على أصوات الأذان بمسجد الخرطوم وغيره من المساجد.
3. فُتِح العديد من المدارس الكنسية واللاهوتية، وانتشرت مدارس المطران دانيال كمبوني في كل مدن السودان الكبرى.
4. نُصِّر عدد كبير من أبناء جبال النوبة والمديريات الجنوبية.
5. جُلبت منهم أعداد كبيرة للدراسة بالخرطوم، بلغ عددهم ألف دارس.
6. قُدِّر عدد اليهود والنصارى الأوروبيين والأقباط في العهد التركي المصري في السودان قبيل إعلان الثورة المهدية بـ1500 نسمة، منتشرين في مدن السودان المختلفة.
7. أشهر جنسيات المنصِّرين: إغريق، وشوام، وأقباط، ونمساويون، وروس، وألمان، وإيطاليون.
لكن سرعان ما قُضِيَ على ذلك بقيام دولة المهدية، وذلك بالآتي:
1. خيِّر كل الكفار بين الإسلام والهجرة عن السودان، فمنهم من أسلم ومنهم تظاهر بالإسلام وأبطن الكفر "كسلاطين"، حيث لم يكن في عهد المهدية أهل ذمة.
2. هُدِّمت كل الكنائس.
3. هُدِّمت كل المدارس الملحقة بتلك الكنائس وفي مقدمتها الكنيسة الكاثوليكية التي أسسها الأب "أيناسوكنونجُيز" الألماني، وموقعها حالياً مبنى ولاية الخرطوم.
4. توقف النشاط الكنسي تماماً.
لقد طُهرت أرض السودان من النصرانية التي جلبها ومكن لها الخديوية بعد أن تخلص السودان منها في عهد الفونج.
وقد تولى كبر إعادة النصرانية في السودان بعد أن كفاه الله شرها، وبذر هذه البذرة الخبيثة فيه، وتسبب في كل الكوارث والمآسي التي عانى منها السودان منذ عهد الاستقلال وحتى الآن، وكان مسؤولاً عن كل الدماء الطاهرة التي أريقت فيه، الحكم الخديوي المصري، سيما الخديوي عباس والخديوي إسماعيل عليهما من الله ما يستحقانه، يضاف ذلك كله إلى الجرم الكبير والإثم الخطير الذي اقترفه محمد علي وأسرته على الأمة العربية والإسلامية، مما جعله يستحق بجدارة لقب أبي العلمانية في العالم العربي، ويتمثل ذلك بجانب ما جنته هذه الأسرة المشبوهة على المسلمين في السودان في الآتي:
1. خروجه على الخلافة العثمانية.
2. استقلاله بمصر والسودان، مما أدى إلى إضعاف الدولة العثمانية، وتسبب في سقوطها.
3. فتح المجال للكفار وموالاتهم.
4. نقل سلبيات الحضارة الغربية من غير تحفظ، مما أدى إلى فساد الأخلاق.
5. حَكَم مصر بدستور علماني مستمد من الدستور الفرنسي.
6. محاولته القضاء على دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله.
هذا قليل من كثير، فنسأل الله أن ينتقم منه ومن أحفاده من بعده، ومن شاكلهم بقدر ما أساءوا إلى الإسلام والمسلمين.
ذهب أهل العلم في الكنائس التي وجدت في البلاد التي فتحت عُنْوَة ولم ينقض أهلها العهد مذهبين:
1. يجب إزالتها ويحرم تبقيتها لأن البلاد صارت مِلْكاً للمسلمين، كالبلاد التي مصَّرها المسلمون تماماً، واستدلوا على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تصلح قِبلتان ببلد".
وهو وجه للشافعية وقول لأحمد.
2. يجوز الإبقاء عليها.
واستدل هذا الفريق بأن الرسول صلى الله عليه وسلم فتح خيبر عُنْوَة وأقرَّهم على معابدهم فيها ولم يهدمها، ولأن الصحابة رضوان الله عليهم فتحوا كثيراً من البلاد عُنْوَة فلم يهدموا شيئاً من الكنائس التي بها، وبقول ابن عباس رضي الله عنهما: "أيُّما مِصْر مصرته العجم ففتحه الله على العرب فنزلوه فإن للعجم ما في عهدهم"، وبما كتبه عمر بن عبد العزيز رحمه الله إلى عماله أن: "لا تهدموا كنيسة، ولا بَيْعة، ولا بيت نار".
يهدم القديم منها ولا يصان ولا يعاد بناء الآيل إلى السقوط، ولا يُبنى جديد منها، لا بطريق رسمي ولا عشوائي.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله: (أما الكنائس التي بالشام ونحوها من أرض العُنْوَة، فما كان منها مُحْدَثاً وجب هدمه، وإذا اشتبه المُحْدَث بالقديم وجب هدمها جميعاً لأن هدم المحدث واجب، وهدم القديم جائز، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
وما كان منها قديماً فإنه يجوز هدمه ويجوز إقراره بأيديهم.
فينظر الإمام في المصلحة، فإن كانوا قد قلوا والكنائس كثيرة أخذ منهم أكثرها، وكذلك ما كان على المسلمين فيه مضرة فإنه يؤخذ أيضاً، وما احتاج المسلمون إلى أخذه أخذ أيضاً، وأما إذا كانوا كثيرين في قرية ولهم كنيسة قديمة لا حاجة إلى أخذها ولا مصلحة فيه فالذي ينبغي تركها، كما ترك النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه لهم من الكنائس ما كانوا محتاجين إليه، ثم أخذ منهم.
وأما ما كان لهم بصلح قبل الفتح، مثل ما في داخل مدينة دمشق ونحوها، فلا يجوز أخذه ما داموا موفين بالعهد إلا بمعاوضة أوطيب أنفسهم، كما فعل المسلمون بجامع دمشق لما بنوه.
فإذا عرف أن الكنائس ثلاثة أقسام: منها ما لا يجوز هدمه، ومنها ما يجب هدمه، ومنها ما يفعل المسلمون فيه الصلح.
فما كان قديماً على ما بيناه، فالواجب على ولي الأمر فعل ما أمره الله به، وكما هو أصلح للمسلمين من إعزاز دين الله، وقمع أعدائه، وإتمام ما فعله الصحابة من إلزامهم بالشروط عليهم، ومنعهم من الولايات في جميع أرض الإسلام.
إلى أن قال رحمه الله ناصحاً لإخوانه المسلمين ومحذراً لهم من الخذلان والمخذلين:
ولا يلتفت في ذلك إلى مُرْجِف أومخذِّل يقول: إن لنا عندهم مساجد وأسرى نخاف عليهم، فإن الله تعالى يقول: "ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز".
وإذا كان فوروز في مملكة التتار قد هدم عامة الكنائس على رغم أنف أعداء الله، فحزب الله المنصور وجنده الموعود بالنصر إلى قيام الساعة أولى بذلك وأحق، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنهم لا يزالون ظاهرين إلى يوم القيامة، ونحن نرجو أن يحقق الله وعد رسوله صلى الله عليه وسلم، حيث قال: "يبعث الله لهذه الأمة على رأس مائة سنة من يجدد لها دينها"16، ويكون من أجرى الله ذلك على يديه وأعان عليه من أهل القرآن والحديث داخلين في هذا الحديث النبوي، فإن الله بهم يقيم دينه كما قال: "لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز"17).18
وأخيراً أسأل الله أن يبصر المسلمين ويفقهم في الدين، وأن يؤلف بين قلوبهم ويهديهم سبل السلام، ويردهم إلى دينه رداً جميلاً، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وأن يصلح أحوالهم، ويحكم فيهم خيارهم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، محمد بن عبد الله صادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحبه الطاهرين الطيبين.
1. أحكام أهل الذمة للعلامة ابن قيم الجوزية، تحقيق وتعليق طه عبد الرؤوف سعد.
2. البداية والنهاية للحافظ ابن كثير.
3. المسيحية في السودان، تأليف الأستاذة أنجيل إسحاق جرجس.
4. مجلة "دراسات إفريقية" ـ مجلة بحوث نصف شهرية يصدرها مركز البحوث والدراسات الإفريقية بجامعة إفريقيا العالمية ـ العدد الواحد والعشرون، يونيو صفر 1420ﻫ/1999م.