أخي المسلم الحبيب
هل تعلم أن الشرك محبط لجميع الأعمال، ومخلد لصاحبه في دار البوار، وحارم له من شفاعة سيد الابرار؟

 

أ. الشرك الأكبر

ب. الشرك الأصغر

 

إن كنت تعلم ولا تحذره فتلك مصيبة، وإن كنت لا تعلم فالمصيبة أكبر وأخطر وأعظم.

هل تعلم أن الشرك لغة هو الحظ والنصيب؟

واصطلاحاً وشرعاً ينقسم إلى قسمين كبيرين:

أ. الشرك الأكبر

وأخطر صوره: الدعاء والاستغاثة بغير الله، اتخاذ الوسائط قال تعالى في ذم المشركين الأوائل:"مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى"1.

الإيمان والاشتغال والاعتقاد في السحر المتعلق بالكواكب والشياطين: "وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ"2، الذبح والنذر لغير الله قال تعالى: "قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ*لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ"3، وقال: "فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ"4، التحاكم للقوانين الوضعية ونبذ شرع الله قال تعالى: "فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا"5.

وعندما يطلق الشرك يراد به الأكبر، وهو الذنب الذي لا يغفره الله اذا لم يتب منه قبل الموت: "إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء"6، "وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ"7.

وهو المحبط لجميع الأعمال، والمخلد لصاحبه في النار، والمانع من شفاعة سيد الأبرار محمد صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: " لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ"8.

ومن مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة وإن جاء بقراب9 الأرض من الذنوب والخطايا، فقد صح عن أبي ذر يرفعه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "... ذاك جبريل أتاني فقال: من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق".10

والعكس المشرك، وهو من صرف شيئاً من العبادة لغير الله، دخل النار وإن جاء بقراب الأرض حسنات وقرب، من صلاة، وصوم، وحج، ونحوها.

قال تعالى: "فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ"11، أي المشركون.

ب. الشرك الأصغر

وهو غير مخرج من الملة، وأخطر صوره الرياء، والحلف بغير الله، وقول البعض: "ما شاء الله وشئت"، والصواب أن تقول: "ما شاء الله وحده".

وهل تعلم أن التمييز بين الشرك، والكفر، والنفاق الأكبر، والشرك والكفر والنفاق الأصغر، من الأمور التي يحدث فيها خلط عند كثير من الناس؟

وهل تعلم أن الحذر واجب ومطلوب من الشرك، والكفر، والنفاق، بقسميها الأكبر والأصغر؟

قال العلامة ابن القيم12 رحمه الله:

                 فالشرك فاحذره فشرك  ظاهر      ذا القسم ليس  بقابل  الغفران

                 وهو اتخاذ الند للرحمن أياً كا           ن من حجــر ومن  إنسان

                 يدعوه أويرجوه ثم يخــافه                  ويحبه كمحبـــــة الديان

                 واللهِ ما ســاوَوْهُمُ  بالله في           خلق، ولا رزق،  ولا إحسان

                 فالله عندهم هو الخـلاق والر         زَّاق مولى الفضل والإحسان

                 لكنهم ســـاوَوْهُمُ  بالله في            حب وتعظيم وفي إيــمان13

وهل تعلم أن المشركين الأوائل كانوا أكثر عقلاً من كثير من المنتسبين إلى الإسلام اليوم، حيث كان المشركون الأوائل في الشدة يدعون الله ويلجأون إليه، أما في الرخاء فيشركون معه غيره من الأصنام والأوثان.

قال تعالى: "فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ"14.

أما كثير من قومنا اليوم فيستغيثون بغير الله في الشدة والرخاء، فلا حول ولا قوة إلا بالله.

روى البيهقي في سننه أن الرسول صلى الله عليه وسلم سأل الحصين الخزاعي قبل إسلامه، قال: "يا أبا عمران، كم إلهاً تعبد؟ قال: أعبد سبعة.. ستة في الأرض،وواحد في السماء.

قال: فإذا هلك المال، من تدعو؟ قال: أدعو الذي في السماء.

قال: فإذا انقطع القطر، من تدعو؟ قال: أدعو الذي في السماء.

قال: إذا جاع العيال، من تدعو؟ قال: أدعو الذي في السماء.

قال: فيستجيب لك وحده، أم يستجيبون لك كلهم؟ قال: بل يستجيب وحده.

فقال صلى الله عليه وسلم: يستجيب لك وحده، وينعم عليك وحده، وتشركهم في الشكر؟ أم أنك تخاف أن يغلبوه عليك؟ قال: لا، ما يقدرون.

فقال: يا حصين، أسلم، أعلمك كلمات ينفعك الله بهن".15

لقد صور ذلك وقارن بين حال المشركين الأوائل وبعض المنتسبين إلى الإسلام اليوم أبو السمح16 أحسن تصوير قائلاً:

           ولقد أتى في الذكر أن دعـاءهم17             في الكرب كان لربنــا الرحمن

           وإذا دنا فرج وشامـــوا برقه                    عادوا إلى الكفـــران والطغيان

           لكن قومي في الرخــاء وضده                     يدعون غير الله بالإحــــسان

           يدعون أمواتاً غدوا تحت  الثرى             ما إن لهم في ذي الورى من شأن

           والله كاشف كل كرب قـــادر                   وسواه ذو عجـــز فقير  فان18

وهل تعلم أن مجرد النطق بالشهادتين والدخول في الإسلام ليس عاصماً من الخروج منه والارتداد عنه؟

وهل تعلم أن الله أغنى الشركاء، فمن أشرك معه غيره تركه وشركه؟

فقد صح عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: قال الله تعالى: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه".19

وهل تعلم أن كثيراً من القباب، والأضرحة، والمشاهد، والقبور أضحت اليوم أصناماً تعبد من دون الله؟ حيث تقدم لها القرابين والنذور، ويخشع عندها ويطلب من أصحابها ما لا ينبغي أن يطلب إلا من الله عز وجل، كسؤال الولد، والعافية، وسعة الرزق، ونحوها، مصداقاً لنبوة رسولك وحبيبك محمد صلى الله عليه وسلم، حيث قال: "ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان".20

وروى الشيخان عن أبي هريرة يرفعه: "لا تقوم الساعة حتى تضرب أليات نساء دوس على ذي الخَلَصة"، قال: وذو الخلصة طاغية – صنم – دوس التي كانوا يعبدون في الجاهلية.

وروى ابن حبان عن معمر قال: "إن عليه الآن بيتاً مبنياً مغلقاً".

قال ابن القيم رحمه الله في قصة هدم اللات لما أسلمت ثقيف: (فيه أنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإبطالها، يوماً واحداً، وكذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور، والتي اتخذت أوثاناً تعبد من دون الله، والأحجار التي تقصد للتبرك والنذر، لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالتها، وكثير منها بمنزلة اللات، والعزى، ومناة، أوأعظم شركاً عندها وبها، فاتبع هؤلاء سنن من كان قبلهم، وسلكوا سبيلهم حذو القذة بالقذة، وغلب الشرك على أكثر النفوس، لظهور الجهل وخفاء العلم، وصار المعروف منكراً، والمنكر معروفاً، والسنة بدعة، والبدعة سنة، وطمست الأعلام، واشتدت غربة الإسلام، وقل العلماء، وغلب السفهاء، وتفاقم الأمر، واشتد البأس، وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، ولكن لا تزال طائفةمن العصابة المحمدية بالحق قائمين، ولأهل الشرك والبدع مجاهدين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين).21

وهل تعلم أن وداً، وسواعاً، ويغوث، ويعوق، ونسراً، واللات، والعزى، ومناة، وغيرها من أصنام الجاهليين عبارة عن أسماء لرجال صالحين، منهم من كان في قوم نوح، ومنهم من كان بعدهم، عندما ماتوا زين الشيطان لأتباعهم أن يصوروا صورهم ويصنعوا لهم تماثيل ترغبهم في العبادة كما زعموا، لكن بمضي الزمان وموت العلماء وذهاب العلم وغلبة الجهل عبدت من دون الله، كما صح بذلك الخبر عن ابن عباس رضي الله عنهما في البخاري وغيره من الصحاح والسنن؟ فالتاريخ يعيد نفسه.

عن ابن عباس رضي الله عنهما كما في الصحيح في تفسير قوله تعالى: "وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا"22، قال: "هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً، وسموهم بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت".

إذا علمت حقيقة الشرك، وخطورته، وأخطر صوره، فماذا يجب عليك أخي المسلم؟

أولاً يجب عليك أن تقي نفسك ومن يليك هذا الخطر، عملاً بقوله تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ"23.

وذكرهم بقول رسولك الناصح الأمين: "ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه".24

وافعل معهم ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عشيرته عندما نزل عليه قوله تعالى: "وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ"25، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً فاجتمعوا، فعم وخص، وقال: "يا بني عبد شمس، يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئاً، غير أن لكم رحماً سأبلها ببلالها".26

ثانياً: يجب عليك أن تسعى لتقي من يليك من الأهل والجيران من الوقوع في الشرك، وتحذرهم مخاطره ومغبة الموت عليه.

ثالثاً: يجب عليك أن تذكر وتنصح وتأمر وتنهى كل مسلم ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، عملاً بقول رسولك وحبيبك المصطفى: "الدين النصيحة"، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: "لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم".27

وبقوله: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان".28

فإياك إياك أخي المسلم أن تبخل بالنصيحة، أوتجبن عن القيام بالأمر والنهي خشية الناس، فالله أحق أن تخشاه وتسعى لرضاه.

اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم إنا أطعناك في أحب الأشياء إليك، شهادة أن لا إله إلا الله، ولم نعصك في أبغض الأشياء إليك، الشرك، فاغفر لنا ما دون ذلك.

والحمد لله والصلاة على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، ومن والاه.