أخطر وأشهر بدع ومحدثات شهر رجب

 

أولاً: الدعاء عند دخول رجب

ثانياً: صلاة الرغائب

ثالثاً: صيام رجب كله

آثار في النهي عن صيام رجب كله

رابعاً: صلاة ليلة النصف من رجب

خامساً: الاحتفال بالإسراء والمعراج، ليلة سبع وعشرين من رجب

سادساً: العتيرة

 

ما أطيب أثر العلماء الربانيين الأخيارعلى الأمة، وما أخبث أثر المنافقين وعلماء السَّوء الأشرار، والمبتدعة الجهلة من العُبَّاد، ومن قلدهم من السُذَّجْ والمغفلين.

الابتداع في دين الله ما لم ينزل به سلطاناً خطره عظيم، وضرره وخيم جسيم، ومنزلة مخترعيه والمقلدين لهم سواء الجحيم، لأنَّ المبتدع مبدِّل ومحرف للدين، ومستدرك على سيد المرسلين، فما من بدعة إلاَّ وتقوم على أنقاض سنة.

من هذه النماذج الطيبة لعلماء الإسلام، وسرج الظلام، الحافظ أحمد بن علي بن حجر رحمه الله، فهو من العلماء الذابِّين عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، المبينين لصحيحها من سقيمها، يظهر ذلك من مؤلفاته النافعة، وتصانيفه المفيدة التي في مقدمتها السفر العظيم (فتح الباري)، الذي شرح فيه صحيح الإمام البخاري رحمه الله.

من هذه الآثار الطيبة والصدقة الجارية التي خلَّفها هذا الإمام رسالة صغيرة1أفردهافي تخريج كل الأحاديث التي وردت في فضل رجب، في صيامه، وقيامه، وتعظيمه، واجلاله، واكرامه حيث أبان جملة أنَّ كل ما ورد في فضل رجب، وفي صيامه، وقيامه ليس له أساس من الصحة، فقال: (لم يرد في فضل شهر رجب، ولافي صيامه ولافي صيام شيء منه معيَّن، ولافي قيام ليلة مخصوصة فيه، حديث صحيح يصلح للحجة، وقد سبقني إلى الجزم بذلك أبو إسماعيل الهروي، المتوفى 401هـ)2.

ثم فصَّل بعد ذلك معدداً البدع، والمخالفات التي أحدثها الناس بعد القرون الفاضلة، وبيَّن أنَّ جُلَّ ما استدلوا به موضوع مختلق، أوضعيف ضعفاً شديداً.

لقد حوى الكتاب على ثمان وثلاثين حديثاً لم يخلو حديث منها من عدد من المجاهيل والمجروحين، إلاَّ الحديث الأول منها، وقال هو أمثلها.

أمَّا بعد..

فإنَّ البدع التي أسْتُحدِثت واخترعت في شهر رجب كثيرة، وسنشير إلى أكثرها شيوعاً وظهوراً، ليُقاس عليها غيرها نحو:

1. الدعاء عند دخول رجب.

2. صلاة الرغائب.

3. صيام رجب كله.

4. صلاة ليلة النصف من رجب.

5. الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج.

6. العتيرة.

أولاً: الدعاء عند دخول رجب

الزعم بأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل رجب، قال: "اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان"3.

ثانياً: صلاة الرغائب

  • قال أبو محمد المقدسي: (لم تكن عندنا ببيت المقدس قط صلاة الرغائب هذه التي تصلى في رجب وشعبان4، وأول ما حدثت عندنا في ثمان وأربعين وأربعمائة، قَدِم علينا في بيت المقدس رجل من أهل نابلس يُعرف بابن أبي الحمراء، وكان حسن التلاوة، فقام فصلى في المسجد الأقصى ليلة النصف من شعبان، فأحرم خلفه رجل، ثم انضاف إليهما ثالث ورابع، وما ختمها إلاَّ وهم في جماعة كثيرة.

ثم جاء في العام المقبل فصلى معه خَلْق كثير، وشاعت في المسجد، وانتشرت الصلاة في المسجد الأقصى، وبيوت الناس ومنازلهم ثم استقرت كأنَّها سنة إلى يومنا هذا.

إلى أنْ قال: وأمَّا صلاة رجب فلم تحدث عندنا في بيت المقدس إلاَّ بعد سنة ثمانين وأربعمائة، وما كنَّا رأيناها أوسمعنا بها قبل ذلك)5.

  • وقال عنها النووي في شرح مسلم6: (قاتل الله واضع صلاة الرغائب ومخترعها، فإنَّها بدعة منكرة، من البدع التي هي ضلالة وجهالة، وفيها منكرات ظاهرة، وقد صنَّف جماعة من الأئمة مصنفات نفيسة في تقبيحها، وتضليل مصليها، ومبتدعها، ودلائل قبحها وبطلانها، وتضليل فاعلها أكثر من أنْ تحصر).

  • وقال المباركافورى: (إنَّه لا أصل لها)7.

  • وقال الصنعاني: (حديث صلاة الرغائب تكلم العلماء فيه، وحكموا بأنَّه موضوع)8.

  • وقال الحافظ ابن حجر، عن حديث صلاة الرغائب: (حديث موضوع على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد اتهموا به ابن جهضم9، نسبوه إلى الكذب. وسَمِعتُ شيخنا عبد الوهاب الحافظ يقول: رجاله مجهولون، وقد فتشت عليهم في جميع الكتب فما وجدتهم)10.

 صفة صلاة الرغائب

   جاء في الحديث الموضوع الذي ذكره ابن حجر: (وما من أحد يصوم يوم الخميس، أول خميس من رجب، ثم يصلي فيما بين العشاء والعتمة –يعني ليلة الجمعة-، اثنتي عشرة ركعة، يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب مرة، وإنَّا أنزلناه في ليلة القدر ثلاث مرات، وقل هو الله أحد اثنتي عشرة مرة، يفصل بين كل ركعتين بتسليمة، فإذا فرغ من صلاته صلَّى عليَّ سبعين مرة، يقول: اللهم صلِ على محمد النبي الأمي، وعلى آله، ثم يسجد، فيقول في سجوده: سبوح، قدوس، رب الملائكة والروح سبعين مرة، ثم يرفع رأسه فيقول: اغفر وارحم، وتجاوز عمَّا تعلم إنك أنت العزيز الأعظم سبعين مرة، ثم يسجد الثانية فيقول مثل ما قال في السجدة الأولى، ثم يسأل الله تعالى حاجته، فإنَّها تُقضى).

ثالثاً: صيام رجب كله

   من محدثات شهر رجب وبدعه التي زينها الشيطان لبعض الناس، صيام شهر رجب وشعبان متصلاً برمضان، فالصيام عبادة، لكن فعله بهذه الهيئة بدعة، ورضي الله عن عمر عندما ضرب ابن المنكدر على الصلاة بعد العصر، فقال له: (تضربني على الصلاة؟، فقال: اضربك على مخالفة السنة، أو كما قال).

وكذلك أخرج البيهقي في سننه بسنده إلى سعيد بن المسيب أنه رأى رجلاً يصلي بعد طلوع الفجر11 أكثر من ركعتين، يكثر فيها من الركوع والسجود، فنهاه، فقال: (يا أبا محمد يعذبني الله على الصلاة؟، قال: لا، ولكن يعذبك على خلاف السنة).

لم يثبت في صيام رجب كله حديث قط، وللمرء أنْ يصوم فيه ويفطر.

آثار في النهي عن صيام رجب كله12

1. عن عائشة رضي الله عنها قالت: (ما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يخص شهراً من السنة بصوم)13.

2. روى ابن وَضَّاح14 أنَّ عمر رضي الله عنه كان يضرب الرجبيين الذين يصومون رجباً كله، ويجبرهم على الفطر.

3. وكره ابن عباس رضي الله عنه صيام رجب كله.

4. وكان ابن عمر رضي الله عنهما: إذا رأى الناس، وما يعدون لرجب كرهه، وقال: (صوموا منه وأفطروا، فإنَّما هو شهر كانت تعظمه الجاهلية).

5. وعن أبي بكر رضي الله عنه أنَّه دخل على أهله، وقد أعدوا لرجب، فقال: ما هذا؟، فقالوا: رجب نصومه، فقال: أجعلتم رجباً كرمضان؟!.

رابعاً: صلاة ليلة النصف من رجب

من البدع التي استحدثت في شهر رجب صلاة ليلة النصف منه.

ورد في فضلها حديث موضوع، كما قال الحافظ ابن حجر في تبيين العجب15.

صفتها

كما جاءت في هذا الحديث المختلق، المكذوب، المنسوب زوراً إلى الرسول صلى الله عليه وسلم: "من صلَّى ليلة النصف من رجب، أربع عشرة ركعة، يقرأ في كل ركعة الحمد مرة، وقل هو الله أحد إحدى عشرة مرة، وقل أعوذ برب الناس ثلاث مرات، فإذا فرغ من صلاته صلَّى عليَّ عشر مرات، ثم يسبح الله ويحمده، ويكبر، ويهلله ثلاثين مرة، بعث الله إليه ألف ملك يكتبون له الحسنات، ويغرسون له الأشجار في الفردوس، ومُحِيَ عنه كل ذنب أصابه إلى تلك الليلة، ولم يكتب عليه إلاَّ مثلها من القابل، ويكتب له بكل حرف قرأ في هذه الصلاة سبعمائة حسنة، وبُنِيَ له بكل ركوع وسجود عشرة قصور في الجنة.....".

خامساً: الاحتفال بالإسراء والمعراج، ليلة سبع وعشرين من رجب

لم يثبت قط أنَّه أسريَ وعرج به صلى الله عليه وسلم في رجب، لا في أوله ولا في آخره.

واختلف16 العلماء في تاريخ الإسراء والمعراج، فنمهم من قال: إنَّه في ليلة السبت لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان قبل الهجرة بثماني سنين.

وقيل: كان الإسراء والمعراج، ليلة سبع عشرة من ربيع الأول.

وقيل: كان بعد البعث بخمس سنين.

قال ابن دحية: وذكر بعد القُصَّاص أنَّ الإسراء كان في رجب، قال: وذلك كذب.

وقال إبراهيم الحربي: كان الإسراء ليلة سبع وعشرين من ربيع الأول.

لو ثبت أنَّ الإسراء كان في هذه الليلة لما جاز قيامها ولا صيام نهارها، ولا تخصيصها بشيء من العبادة، والرقص، والتواجد كما هو حادث الآن.

لو كانت هذه الاحتفالات بهذه المناسبات خيراً ما سبق الخلف السلف في ذلك، ولكن عندما تخلَّى الخلف عن الشرع، تشبثوا ببعض البدع والحوادث ليغطوا بذلك تقصيرهم وتفريطهم في دين الله عز وجل.

سادساً: العتيرة

وهي ذبيحة يذبحونها في العَشْر الأُوَل من رجب كما كان الجاهليون يفعلون، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك قائلاً: "لا فرع ولا عتيرة"17.

لقد نهى الشارع الحكيم عن الابتداع في دين الله عز وجل، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"18.

وفي رواية: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد".

فالمبتدع عمله مردود عليه، لا يُقْبل منه صرف ولاعدل، وهذه البدع تباعد بين العبد وربه، وما من بدعة إلاَّ وتقوم على أنقاض سنة.

فالويل كل الويل للمبتدعة، ولمن قلدهم في ذلك، وليبشروا بما وعدهم الرسول الكريم به: "ومن سنَّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، لاينقص ذلك من أوزارهم شيئاً"19.

أيها العلماء وطلاب العلم اتقوا الله في أنفسكم وفي علمكم، وفي هذا الدين، فقوموا بواجب النصيحة لإخوانكم المسلمين، فالدين قوامه النصيحة لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم كما صح بذلك الخبر.

ورحم الله الإمام أحمد بن حنبل عندما قال: لو سكت العالم تقية، والجاهل لجهله، فمن للحق؟!.

والحذر كل الحذر من منافقة العوام، فمنافقة المجتمع ومجاراته فيما يهواه، لا تقل خطراً وضرراً من منافقة الحكام ومداهنتهم، واعلموا أنَّ قول الحق والصدع به لا يقرب من أجل، ولايباعد من رزق.

وإياكم ثم إياكم الاستهانة بأمر البدع كبيرها وصغيرها، جليلها، وحقيرها، فكل بدعة ضلالة، فلا يغرنكم الشيطان، ولاالزلات والسقطات التي صدرت عن بعض أهل العلم: من أنَّ هناك بِدَعاً حسنة وأخرى سيئة، بل كلها ضلال بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى.

اللهم جنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، واحفظنا من البدع والآثام.

والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد الغر المحجلين، وعلى آله وصحبه والتابعين أجمعين.

اللهم هل بلغت، الله فاشهد.