الخلاف الذي يوجب العداء وما لا يوجبه عند أهل السنة

 

الخلاف مذموم

أقسام الاختلاف وأنواعه

الخلاف والبدعة اللذان يوجبان العداء والهجر

الهجر وأنواعه

أول من ابتدع هذا الخلاف

نماذج وأمثلة لهجر وقطيعة أئمة أهل السنة لأهل الأهواء والبدع الفاحشة

المبتدع لا تقبل له توبة حتى يتوب عما كان يقول أو يفعل إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا:

نماذج وأمثلة لتعامل أهل السنة مع من خالفهم في أمر يسوغ فيه الاجتهاد

نماذج لتعصب أهل المذاهب

 

الخلاف معروف وهو ضد الاتفاق، وهو أن يذهب أحدهما إلى ما يخالف الآخر، ولا فرق بين الاختلاف والخلاف ، لا في اللغة ولا في الاصطلاح.

الخلاف مذموم

قال تعالى: "واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا".

وقال: "إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون".

وقال: "ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم".

وقال: "ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم".

وقال صلى الله عليه وسلم :" إياكم وذات البين فإنها الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين".

الاختلاف كائن في هذه الأمة كما كان فيما قبلها

قال تعالى: "ولا يزالون مختلفين إلا ما شاء ربك ولذلك خلقهم".

عند الاختلاف علينا الرد إلى الله والرسول

"فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله  والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر"، "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم".

أقسام الاختلاف وأنواعه

 أولاً : اختلاف تضاد

وهو المذموم وهو المحذر منه، وأنواعه:

  أ. اختلاف في القرآن ـ كقولهم القرآن مخلوق.

  ب. اختلاف بسبب نفي أو تأويل بعض آي القرآن.

والتأويل:

  • محمود وصاحبه مأجور، وهو بمعنى التفسير والبيان.

  • مذموم وصاحبه آثم: "من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ".

وقد قسمه بعض العلماء إلى ثلاثة أنواع:

  • تأويل صادر عن اجتهاد وحسن نية، وإذا تبين لصاحبه الحق رجع.

  • تأويل صادر عن هوى وتعصب، وله وجه في اللغة، فصاحبه فاسق أومخطئ.

  • تأويل صادر عن هوى وتعصب، وليس له وجه في اللغة، وصاحبه كافر.

ويدخل في النوع الثاني تأويل بعض السلف لصفات الله، كابن حجر، والنووي، وابن العربي.

  ج. اختلاف بسبب رد السنن بالأهواء، سيما أحاديث الآحاد، وأول من ابتدع ذلك الخوارج، حيث اعترض شقيهم على قسمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمعتزلة، والعلمانيين.

  د. اختلاف بسبب العمل بالأحاديث الموضوعة، والهواتف، والذوق، والمحدثات.

ثانياً : اختلاف التنوع

نحو صيغ الأذان والإقامة، وأوجه الإحرام، أن تكون كل الأقوال مشروعة وإن كان بعضها أرجح من بعض.

أن يختلف القولان لفظاً ويتحدا معنى، نحو الحدود والتعريفات.

ثالثاً : اختلاف اجتهاد

1.  اختلاف بسبب تعدد الأدلة، مثال:

  • رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم لربه.

  • تعذيب الميت ببكاء أهله عليه.

  • تكفير تارك الصلاة.

  • الترويح في الصلاة.

  • قراءة المأموم للفاتحة في الصلاة الجهرية.

2.   اختلاف بسبب تأويل وفهم نص ـ لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة.

3.   اختلاف بسبب ترجيح السنة العملية على القولية ـ مالك عمل أهل المدينة.

4.   اختلاف بسبب عدم بلوغ الخبر.

5.   اختلاف بسبب بلوغه بطريق ضعيف.

6.   اختلاف بسبب وجود دليل أقوى.

7.   اختلاف بسبب اعتقاد أن هذا الخبر منسوخ.

8.   اختلاف بسبب نفي القياس ـ الظاهرية.

9.   اختلاف بسبب شبهة عرضت لبعض أهل السنة، وهي أن الحاكم لا يكفر إلا إذا اعتقد ذلك بقلبه إذا حكم بغير شرع الله.

رابعاً : اختلاف بسبب التقليد والتعصب للأئمة والفرق والجماعات ومشايخ الطرق .

خامساً : اختلاف بسبب الحسد والبغضاء والتنافس والمعاصرة ، مثل ما حدث لابن تيمية .

سادساً : اختلاف في أولويات العمل الدعوي ووسائله .

الخلاف والبدعة اللذان يوجبان العداء والهجر

أولاً: اختلاف التضاد بأنواعه الأربعة.

ثانياً: البدعة الفاحشة الكفرية ـ البدع درجات: كفرية، محرمة، ومكروهة.

أنواع البدعة

البدعة الكفرية.

البدعة الشرعية: فعلية، تركية.

البدعة الإضافية ـ الذكر الجماعي.

البدع المكفرة: بدعة القدرية ـ نفاة القدر ـ نفاة علم الله خاصة، بدعة الخوارج.

الفرق التي نتجت عن ذلك

 الخوارج، القدرية، الجهمية، الرافضية، المرجئة، المعتزلة.

الهجر وأنواعه 

أولاً : الهجر الجائز

1. هجر لحق الصحبة والعشرة ـ لا يزيد على ثلاثة أيام.

2. هجر تأديب للزوجة، والأبناء، والأقارب: "واهجروهن"، كهجره صلى الله عليه وسلم لزينب بنت جحش ثلاثة أشهر لا يزيد على أربعة أشهر، وهجر عبد الله بن عمر لولده بلال، وهجر ابن مسعود لمن رآه يضحك وهو مشيع جنازة، وهجر عبد الله بن المغفل.

وفي كل ذلك تراعى المصلحة وقاعدة أخف الضررين.

3. هجر أهل البدع الكفرية والأهواء الداعين لها والمجاهرين بها غير مستوري الحال، قال أحمد: (إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع، ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك ، ولكن انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة).

ثانياً : الهجر المحرم المذموم

1. الهجر في حق الصحبة والعشرة أكثر من ثلاثة أيام ـ البعض يفتخر أنه لم يسلم على أخيه منذ أكثر من سنوات، "لا يحل لأحد أن يهجر أخاه.." الحديث .

2. هجر من يخالف في مسائل الفروع والاجتهاد السائغ، أوفي أمور اختلف فيها السلف : ككفر تارك الصلاة.

أول من ابتدع هذا الخلاف

الخوارج، الرافضة.

قال شيخ الإسلام:( وأما اختلاف الأحكام فأكثر من أن ينضبط، ولو كان كل ما اختلف مسلمان في شيء تهاجرا لم يبق بين المسلمين عصمة ولا أخوة، ولقد كان أبو بكر وعمر سيدا المسلمين يتنازعان في أشياء لا يقصدان إلا الخير).

نماذج وأمثلة لهجر وقطيعة أئمة أهل السنة لأهل الأهواء والبدع الفاحشة

1.  هجر رسول الله لكعب ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية ـ لمخالفتهم أمر الرسول ومخالفة أمر الرسول كفر ونفاق ـ للتثبت من نفاقهم أو عدمه.

ملحوظة : يستدل البعض بهذه القصة لمقاطعة من خرج من جماعة إلى جماعة ، وهذا باطل ، قول ابن عمر :" ما تقول في فتية شببة ظراف نظاف .." .

2.   هجره صلى الله عليه وسلم لزينب ثلاثة أشهر .

3.   هجره صلى الله عليه وسلم لعائشة عندما رميت بالإفك للتثبت من ذلك.

4.   هجر عمر لصبيع بن عِسْل التميمي لسؤاله عن المتشابهات: "الذاريات ذرواً" ونحو ذلك.

5.   زجر وحبس عمر للخطيئة لهجائه الزِّبرقان بقوله:

             دع المكارم لا ترحل لبغيتها           واقعد فإنك انت الطاعم الكاسي

قال حسان: لم يهجه ولكن سَلَح عليه ـ سلح الطائر تغوط.

6.   عمر وحذيفة ما كانا يصليان على المنافقين نفاق الاعتقاد.

7.   حرق عمر وعلي لبيوت تصنع وتباع فيها الخمر ـ بيت رويشد ـ ومن قبلُ حرق الرسول صلى الله عليه وسلم لمسجد الضرار.

8.   هجر ابن عمر لصديق له بالشام.

9.  عمر بن عبد العزيز يتهدد غيلان القدري، وقتله هشام.

10. تضليل وطرد مالك لأحد تلاميذ عمرو بن عبيد المعتزلي.

11. الشافعي يلعن ويكفر حفص الفرد، وكان يلقبه بحفص المنفرد.

مرض الشافعي بمصر مرضة ثقل فيها، فدخل عليه قوم منهم حفص، فكل منهم يقول له: من أنا؟ حتى قال له حفص: من أنا يا أبا عبد الله؟ فقال: أنت حفص الفرد لا حفظك الله ولا رعاك حتى تتوب مما أنت فيه.

12. هجر يونس بن عبيد لولده وقد رآه خارجاً من عند عمر بن عبيد: "لئن أراك خرجت من بيت هيتي أحب إلي من أن أراك خرجت من بيت فلان".

13. هجر أحمد للكرابيسي ويحيى بن معين وعلي، لعدم تصريحهم في فتنة خلق القرآن.

14. وقال له رجل هنا رجل يفضل عمر بن عبد العزيز على معاوية: فقال أحمد: لا تجالسه، ولا تواكله، ولا تشاربه، وإذا مرض فلا تعده.

المبتدع لا تقبل له توبة حتى يتوب عما كان يقول أو يفعل "إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا":

وممن تاب وأعلن توبته:    

  • أبو الحسن الأشعري.

  • ابن عقيل الحنبلي، استتيب لمجالسته بعض المعتزلة.

  • عون بن عبد الله بن عقبة بن مسعود، كان يقول بالإرجاء.

  • عبيد الله بن الحسن العنبري، قال: كل مجتهد في الأديان مصيب.

  • يزيد بن صهيب الطويل، كان يرى رأي الخوارج.

نماذج وأمثلة لتعامل أهل السنة مع من خالفهم في أمر يسوغ فيه الاجتهاد

  • علي بن أبي طالب وقوله فيمن تأخر عن بيعته: (أولئك قوم قعدوا عن الحق ولم يقوموا مع الباطل).

  •  ثناؤه على الذين اعتزلوا الفتنة: (لله در مقام قامه سعد بن مالك وعبد الله بن عمر ، إن كان براً إن أجره لعظيم، وإن كان إثماً إن خطأه ليسير).

  • إنصافه لعثمان: (اتقوا الله أيها الناس وإياكم في الغلو في عثمان، وقولكم حراق المصاحف، فوالله ما حرقها إلا على ملأ منا أصحاب محمد)، وكان قد خالفه بالتمتع بالعمرة في الحج وعندما أتم عثمان بمنى قصر علي؛ وقال علي: لبيك بعمرة؛ وقال: ليعلم الناس أنها سنة.

  • إكرام علي لعائشة وردها في نسوة معززة مكرمة.

  • حزنه على قتل طلحة والزبير: (بشر قاتل ابن صفية بالنار)، وقال عندما رأى طلحة مقتولاً: (عزيز عليّ يا أبا محمد أن أراك مجندلاً في الأودية وتحت نجوم السماء إلى الله أشكو عُجري وبُجري ـ أي سرائري وأحزاني).

  • وقال : ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة .

  • ما قاله عمار لمن سمعه يسب عائشة: (اسكت مقبوحاً منبوحاً، والله إنها لزوجة رسولكم في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم بها ليعلم أتطيعوه أم لا  ـ عائشة خرجت للصلح ولم تخرج لقتال ولا لنيل رئاسة.

  • ثناء عمر على أبي بكر: ليتني كنت شعرة، ليتني كنت يوماً من أيام أبي بكر.

  • تبادل الثناء بين عمر وابن مسعود، وقد اختلفا في مائة مسألة ؛ قال ابن مسعود: "عمر كان للإسلام حصناً"، وقال عمر عنه: "كنيف ملئ فقهاً".

  • تبادل الثناء بين زيد وابن عباس وقد خالف ابن عباس زيداً في الفرائض وفي مسائل عدة، في ميراث الجد، وقال: (ألا يتقي الله زيد! يجعل ابن الابن يحل محل الابن ولا يجعل الجد يحل محل الأب؟)، وفي العَوَل حتى قال ابن عباس: (لوددت أني وهؤلاء الذين يخالفونني في الفريضة نجتمع فنضع أيدينا على الركن ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين)، مع كل ذلك مسك ابن عباس بركاب دابة زيد فقال له: خل عنك يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ قال ابن عباس: هكذا أمرنا أن نفعل علمائنا. وعندما مات زيد قال ابن عباس: هكذا ذهاب العلم، لقد دفن اليوم علم كبير.

  • ما قاله معاوية لملك الروم عندما طمع في بلاد الشام: (والله لئن لم تنته وترجع إلى بلادك يا لعين لأصطلحن أنا وابن عمي عليك، ولأخرجنك من جميع بلادك، ولأضيقن عليك الأرض بما رحبت).

  • طلب معاوية من ضرار أن يصف علياً، وعندما أثنى عليه ضرار قال معاوية: (رحم الله أبا الحسن كان والله كذلك)، وبكى حتى اخضلت لحيته.

  • مروان يثني على علي: (ما رأيت أحداً أكرم من عليّ ما إن ولينا يوم الجمل إلا نادى مناديه: لا تجهز على جريح).

  • تبادل الشافعي وأحمد الثناء والمدح وقد تناظرا واختلفا في مسألة عقدية هي تكفير تارك الصلاة كسلاً ، قال الشافعي: (ما رأيت أعقل من أحمد)، وقال أحمد: (الشافعي إمام في عشرة أشياء ذكر منها: الفقر والزهد).

  • وقال أحمد: (الشافعي حبيب قلبي)، وكان يدعو له مع أبويه، وقال له ابنه صالح: أي رجل كان الشافعي، فإني أسمعك تكثر الدعاء له؟ فقال: (يا بني كان الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس، فانظر هل لهذين من خلف أو عوض؟).

  • وقال أحمد: (إذا سئلت في مسألة لا أعرف فيها خبراً قلت فيها بقول الشافعي، لأنه إمام عالم من قريش)، وقال صالح: (لقيني يحيى بن معين فقال: أما يستحي أبوك بما يفعل؟ قلت: وما يفعل؟ قال: رأيه مع الشافعي راكباً وهو راجل آخذ بزمام دابته، فقلت لأبي ذلك. فقال: إن لقيته فقل يقول لك أبي: إذا أردت أن تتفقه فتعال فخذ بركابه من الجانب الآخر).

  • وقال الشافعي لأحمد: (أما أنتم فأعلم بالحديث والرجال مني، فإذا كان الحديث صحيحاً فأعلموني، إن يكن كوفياً أو بصرياً أوشامياً أذهب إليه إذا كان صحيحاً).

  • ثناء شعبة على أبي حنيفة، قال شعبة عند موت أبي حنيفة: (لقد ذهب معه فقه الكوفة، تفضل الله عليه وعلينا برحمته).

  • وقال مالك عن أبي حنيفة: (لو جاء إلى أساطينكم هذه فقايسكم على أنها خشب لظننتم أنها خشب).

  • وقال الشافعي: (الناس كلهم عيال على أبي حنيفة في الفقه).

  • سفيان بن عيينة لم يرض أن يقارن بمالك، ومثل:

                وابن اللبون إذا ما لز في قرن            لم يستطع صولة البز القناعيس

  • رجوع أبي يوسف لقول مالك في الأذان وزكاة الخضر والمكاييل.

  • عفو ابن تيمية عمن وشى به وسعى إلى قتله، عندما قال له الناصر بن قولون، وأراد أن ينتقم وينتصر له، قال: أنا أقللت كل من آذاني. وعندما استفتاه في قتل من تسببوا في سجنه وسعوا لقتله، قال: (إذا قتلت هؤلاء لا تجد بعدهم مثلهم)، وقال له: قد آذوك؛ فقال: (من آذاني فهو في حل، ومن آذى الله ورسوله فالله ينتقم منه، وأنا لا أنتصر لنفسي).

  • قال ابن مخلوف قاضي المالكية: (ما رأيت مثل ابن تيمية حرضنا عليه فلم نقدر عليه، وقدر علينا فصفح عنا وحاجّ عنا).

  • وقال ابن القيم عنه: (كان يدعوا لأعدائه ولا يدعوا عليهم).

  • وقد نعيت له يوماً أحد معارضيه فزجرني وأعرض عني، وذهب إلى أهله وعزاهم وصبرهم، وقال لهم: اعتبروني خليفة له، ونائباً عنه.

نماذج لتعصب أهل المذاهب

لقد نهى الأئمة الأعلام المقتدى بهم عن تقليدهم وحذروا عن ذلك تحذيراً شديداً.

قال أبو حنيفة: إذا خالف قول الحديث فاضربا بقولي عرض الحائط.

وقال: هذا رأيي فمن جاءني برأي خير منه قبلته.

وقال مالك: كل يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر، وكان يشير إلى قبره صلى الله عليه وسلم.

وقال: إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا رأيي، فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وكل ما لم يوافق ذلك فاتركوه.

وقال: ليس كل ما قال الرجل وإن كان فاضلاً يتبع ويجعل سنة ويذهب به إلى الأمصار.

وقال ابن وهب ومسائل الليث تقرأ عليه فمرت مسألة فاستحسنوها فقال رجل: ما أحسن ما قال الليث، كأنه كان يسمع مالكاً فيجيب؛ قال ابن وهب: بل لعل مالكاً يسمع الليث فيجيب، والله الذي لا إله إلا هو ما رأينا قط أفقه منه.

وقال مال: إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا رأيي، فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا بـه، وكل ما لم يوافق ذلك فاتركوه.

وقال الشافعي: إذا صح الحديث فهو مذهبي، وإذا وجدتم الحديث في قارعة الطريق فخذوا به ودعوا قولي.

وقال أحمد: لا تقلدني ولا تقلد مالكاً، ولا الثوري، ولا الأوزاعي، ولكن خذ من حيث أخذوا.

أما بعض أصحاب المذاهب فقد غالوا في تقليدهم وتعصبهم لأئمتهم

يقول الحصفكي الحنفي: (إذا سئلنا عن مذهبنا ومذهب مخالفتنا قلنا وجوباً: مذهبنا صواب يحتمل الخطأ، ومذهب مخالفنا خطأ يحتمل الصواب).1

وقال:

           لعنة ربنا أعداد رمل           على من رد قول أبي حنيفة

وقال: (والحاصل أن أبا حنيفة النعمان من أعظم معجزات المصطفى بعد القرآن وحسبك من مناقبه اشتهار مذهبه، ما قال قولاً إلا أخذ به إمام من الأئمة الأعلام، وقد جعل الله الحكم لأصحابه وأتباعه من زمنه إلى أن يحكم بمذهبه عيسى عليه السلام).2

وقال الكرخي الحنفي: (كل آية تخالف ما عليه أصحابنا، فهي مؤولة أو منسوخة، وحديث كذلك مؤول أو منسوخ).

و شاع عند المالكية: (لو لم يكن مالك لكان الدين هالك).

وقال منذر بن سعيد البلوطي شاكياً من تعصب قومه لمذهب مالك:

      عذيـري من قـوم يقولون كلمـا          طلبتَ دليلاً هكذا قـال مـالك

      وإن عدت قالوا : هكذا قال أشهب          وقد كان لا تخفى عليه المسالك

      فإن زدت قالوا : فسحنـون  مثله          و من لم يقل ما قال  فهو آفـك

      فإن قلت قال الله ضجوا  وأكثروا          و قالوا جميعاً أنت قرن مماحك

      وإن قلت قد قال الرسول فقالـوا          أتت مالكاً في ترك ذاك المسائل

وقال الجويني الشافعي: (ونحن ندعي أن يجب على كافة العاقلين وعامة المسلمين شرقاً وغرباً، بعداً وقرباً انتحال مذهب الشافعي، ويجب على العامة الطغام والجهال الأنذال أيضاً انتحال مذهبه، بحيث لا يبغون عنه حولاً ولا يريدون به بدلاً).

وقال أبو إسماعيل الأنصاري الحنبلي:

              أنا حنبلي ما حييت وإن أمت           فوصيتي ذاكم إلى الإخوان

              إذ دينه ديني  وديني  دينـه            ما كنت إمعـة له دينـان