من كتب الشيخ

❱❱ ذهاب إلى المكتبة

الدعوة إلى التقارب مع الشيعة خيانة عظمى، وجريمة كبرى، وغفلة شنعاء 2012-05-12

الدعوة إلى التقارب مع الشيعة خيانة عظمى، وجريمة كبرى، وغفلة شنعاء
 
تقديم
أولاً: الأسباب والدوافع

    دوافع الرافضي الخبيث
    دوافع السني الملبس عليه، وهم ثلة من المشايخ والدعاة

ثانياً: الزعم بأن المدى بين الشيعة والسنة كالمدى بين المذاهب السنية تكذبه العقائد الرافضية

    1.  طعنهم في القرآن الكريم
    2.  إنكارهم لحجية السنة الصحيحة وللإجماع
    3. ادعاؤهم العصمة لأئمتهم وغلوهم فيهم
    4.  تكفيرهم، وتضليلهم، وتفسيقهم، وسبهم، وانتقاصهم لكبار الصحابة
    5. عقيدتهم في أهل السنة

ثالثاً: خطورة هذه الدعوة على أهل السنة وعلى الرافضة في آن واحد

    على الشيعة الرافضة
    على أهل السنة

رابعاً: عدم جدوى وفائدة هذه الدعوة

    1. الإمام أبو يَعْلى الحنبلي رحمه الله
    2. علامة الشام بهجت البيطار رحمه الله
    3. العلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله

خامساً: رجوع بعض المشايخ والدعاة عن فكرة التقارب هذه

    1. الشيخ الدكتور عبد الله النَّفيسي وفقه الله
    2. الشيخ سعيد حَوَّى رحمه الله
    3. الشيخ يوسف القرضاوي

سادساً: هذه الدعوة قديمة جديدة
مراجع البحث

 
تقديم

الحمد لله الذي هدانا للإسلام وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وشرفنا بالانتساب إلى ملة خير الأنام محمد بن عبد الله، سيد العرب والعجم والجان، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه الكرام من المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان إلى يوم يقوم الأشهاد، إذ هذه الطوائف الثلاثة هم المسلمون المهتدون الأخيار.

قال تعالى مبيناً من له حق في فيء1 المسلمين: " مَّا أَفَاء اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ. لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ. وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا2 الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ3 وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ"4.

ولهذا قال مالك رحمه الله: "من أصبح وفي قلبه غل على أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس له حق في فيء المسلمين"، ثم تلا هذه الآيات: "مَّا أَفَاء اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى.."، لأنها جمعت أوصاف المسلمين إلى يوم القيامة.

وبعد..

فإن بعض الناس يرفعون في هذا العصر من حين لآخر دعوى التقارب بين السنة والشيعة، بغرض تجميع المسلمين وتوحيد صفوفهم ضد قوى الشر والطغيان، وقد كان لبعض علماء الأزهر دور كبير في رفع هذا الشعار والترويج له، إلى درجة أن فتح لذلك دار5 في مصر تعنى بمسألة التقريب هذه.

وما من عاقل يرفض من حيث المبدأ فكرة تجميع كل أهل القبلة ولمِّ شتاتهم، لأن الاختلاف شر، والفتنة مهلكة، ولكن اقتضت حكمته جل جلاله: "وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ. إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ"6، ولن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً.

ومثل هذه الدعاوى تخالف سنة من سنن الله الكونية "وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ"7، فهذا مطلب عزيز، وليس كل ما يتمنى المرء يدركه.

وبادئ ذي بدء لابد لنا من التنبيه على أننا لا نشك في حسن نوايا غالبية من يدعون إلى ذلك، وأن هدفهم من تلك الدعوة نبيل، وغرضهم ومقصدهم كريم إن شاء الله، كيف لا وقد رفع هذا الشعار بعض الأخيار من الدعاة وانخدعوا به.

وذلك لعدة أسباب، منها:

1. اعتقادهم أن الخلاف بين السنة والشيعة مجرد خلاف فقهي في الفروع، وأن المدى بين السنة والشيعة كالمدى بين المذهب الحنفي والشافعي مثلاً، فطالما أننا ندعو إلى الجمع والتوفيق والتفاهم بين أتباع المذاهب الأربعة، فما الذي يمنعنا ويصدنا من الدعوة إلى التقارب مع أتباع المذهب الجعفري؟! وهم الشيعة الإمامية الإثنا عشرية، فلابد من توحيد الصفوف ولم الشمل.

يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: (إن المدى بين الشيعة والسنة كالمدى الذي بين المذهب الفقهي لأبي حنيفة والمذهب الفقهي لمالك والشافعي).8

وقال الشيخ عمر التلمساني رحمه الله موضحاً العلة لدعوة التقريب بين السنة والشيعة التي يقوم بها بعض قادة الحركات الإسلامية: (إننا لم نفعل ذلك لحملهم على ترك مذهبهم، ولكن للتقريب بين المذاهب الإسلامية إلى أقرب حد).9

قلت: لو كان الهدف حملهم على ترك مذهبهم لكان الأفضل.

وجاء في بيان أصدره الإخوان المسلمون بالأردن: (لقد  كان من أولويات طموحات إمامنا الشهيد حسن البنا أن يتجاوز المسلمون عن خلافاتهم الفقهية والمذهبية، ولقد بذل رحمه الله جهوداً دؤوبة في التقريب بين السنة والشيعة، تمهيداً لإلغاء جميع مظاهر الخلاف بينهما).10

2. اعتقاد البعض أن الخلافات العقدية في الأصول بين السنة والشيعة – الرافضة – خلافات تاريخية عفا عليها الدهر، وأن الشيعة المعاصرين لا يؤمنون بها ولا يعتقدونها، فمالنا نحاسب هؤلاء بعقائد فاسدة كان عليها أسلافهم لا ذنب لهم فيها؟! "وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى"11.

3. اعتقادهم أن الثورة التي قام بها الخميني ثورة إسلامية، وأن الشعارات التي رفعوها شعارات إسلامية، مما يحتم على جميع المسلمين مساندتها، والوقوف من خلفها، وحمايتها.

قال الشيخ أبو الأعلى المودودي رحمه الله حاضاً المسلمين على تأييد ثورة الرافضة: (وثورة الخميني ثورة إسلامية، والقائمون عليها هم جماعة إسلامية، وشباب تلقوا التربية في الحركات الإسلامية، وعلى جميع المسلمين عامة، والحركات الإسلامية خاصة، أن تؤيد هذه الثورة، وتتعاون معها في جميع المجالات).12

وقال أبو النصر مرشد الإخوان المسلمين الأسبق: (بالنسبة لإيران الصحوة التي قاموا بها كلنا معجبون بها، خصوصاً بعد الظلم الذي كان قائماً في مدة الشاة، فحسبنا أنه شعب عاوز ينطلق، وعاوز يعيد للإسلام كيانه، نحن متعاطفين معه من الناحية دي مش عاوزة كلام، ثم أيضاً لا نثير حكاية سنة وشيعة، نكره هذا ونبغضه تماماً، والإمام البنا كان عمل لجنة للتقريب بين المذاهب تحث على هذا المبدأ، لأن الكل يؤمن بإله واحد، وكتاب واحد، ونبي واحد).13

وجاء في مقال نشر في جريدة "الصباح الجديد" التي يصدرها الاتجاه الإسلامي بجامعة الخرطوم بتاريخ 27/2/1982م مستنكراً أن بعض المشايخ لم يستبشروا خيراً بقيام الثورة الإيرانية: (.. مع تباشير النصر مشايخ الخليج يصدرون الفتاوى ضد الخميني، ضد إسلام القيم، أن يقف الإعلام الغربي ضد الحكومة الإسلامية في إيران فهذا شيء مألوف، وأن يعارضها الشيوعيون فهذا شيء طبيعي، ولكن لماذا يعاديها شيوخ الخليج، وتحت مظلة الدين؟

أوبعبارة أخرى الإسلام ضد الإسلام، ولكنه إسلام الركون ضد إسلام الجهاد، وإسلام أعوان الظلمة ضد إسلام جند الله المجاهدين، على أنهم يتمنون من أعماق قلوبهم أن تكون هذه الثورة باطلاً).

4.  حرص بعض الأخيار على تجميع المسلمين.

5. تكتل كل قوى الشر على الإسلام والمسلمين، سيما في هذا العصر، دفع كثيراً من المتحمسين لرفع هذه الدعوة.

ومن العجيب الغريب أن دعوة التقريب هذه قامت من جانب واحد وهم أهل السنة، أما الشيعة فهم غير مقتنعين بها، ولذلك لم يبدوا أدنى مجهود لا في الماضي ولا بعد قيام ثورة الخميني للتقريب في ديارهم، ولا للتنازل والتنصل عن معتقداتهم الباطلة.

ففي آخر اجتماع للمؤتمر الشعبي العربي الإسلامي في الخرطوم دعا مندوب من اليمن وحث على عملية التقريب هذه، ولكن سرعان ما استدرك عليه المندوب الشيعي بأن التعاون يكون فقط في المجال السياسي، أما المجال الديني فليس له من سبيل.

وصدق القائل: "من يهن يسهل الهوان عليه".

وليس أدل على ذلك من سوء المعاملة والاضطهاد اللذين يعاني منهما أكثر من عشرة ملايين سني في إيران، يقول مؤلف كتاب "أحوال أهل السنة في إيران"14: (لقد عرفنا سابقاً أنه يعيش في إيران نحو عشرة ملايين نسمة من أهل السنة، ولا توجد لهم المعاهد الشرعية، ولا الجامعات والكليات، اللهم إلا بعض مدارس دينية أهلية في بعض المناطق).

ويقول الشيخ محب الدين الخطيب: (ومما لا ريب فيه أن الشيعة الإمامية هي التي لا ترضى بالتقريب، ولذلك ضحت وبذلت لنشر دعوة التقريب15 في ديارنا، وأبت وامتنعت أن يرتفع له صوت أوتخطى في سبيله أي خطوة في البلاد الشيعية).16

هذه أهم الأسباب التي جعلت كثيراً من الطيبين يرفعون هذا الشعار، ويرحبون به، ويدعون له، ويعقدون المؤتمرات والاجتماعات من أجله.

وبعد..

فهل حقاً أن المدى بين السنة والشيعة كالمدى ما بين المذاهب السنية المتبعة: الحنفي، والمالكي، والشافعي، والحنبلي؟ وأن الخلاف بين السنة والشيعة خلاف في الفروع كما زعم دعاة التقارب؟ وهل يمكن الجمع بين المتضادين؟ بين الفرقة الناجية المنصورة وبين فرقة نارية جهنمية بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة"، قيل: ما الواحدة؟ قال: "ما أنا وأصحابي عليه اليوم"17، وما خطورة هذه الدعوة وآثارها السلبية؟

هذا وغيره ما نود الإشارة إليه بإذن الله في إيجاز، فنقول وبالله التوفيق:

أولاً: الأسباب والدوافع

لا شك أن أسباب ودوافع هذه الدعوة متباينة أشد التباين، ومختلفة اختلافاً كبيراً، لتباين واختلاف الداعين لها، المبشرين بها، ودعاتها أحد رجلين لا ثالث لهما:

    أحدهما: رافضي خبيث.

    والآخر: سني ملبوس عليه.

ولكل منهما دوافعه وأسبابه.

دوافع الرافضي الخبيث

 يمكن تلخيصها في الآتي:

1. إزالة الحاجز النفسي بين مكفري ومضللي وسابي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين مبجلي ومعظمي المقتدين بهم من أهل السنة.

2. السعي لنشر المذهب الشيعي الرافضي والتبشير به بين أهل السنة، كما حدث في العراق، فقد تحولت الأقلية الرافضية إلى أغلبية بسبب هذه الدعوة التخريبية في القرن والنصف الماضيين، فشجعهم ذلك على التلبيس على أهل السنة الطيبين أن يسلكوا هذا المسلك مع غيرهم.

يقول المهتدي حسين الموسوي في خاتمة كتابه القيم "لله ثم للتاريخ"18: (أخذت أبحث عن سبب كوني ولدت شيعياً، وعن سبب تشيع أهلي وأقاربي، فعرفت أن عشيرتي كانت على مذهب أهل السنة، ولكن قبل حوالي مائة وخمسين سنة جاء من إيران بعض دعاة التشيع إلى جنوب العراق، فاتصلوا ببعض رؤساء العشائر، واستغلوا طيب قلوبهم، وقلة علمهم، فخدعوهم بزخرف القول، وكان ذلك سبب دخولهم في المنهج الشيعي.

فهناك الكثير من العشائر والبطون تشيعت بهذه الطريقة بعد أن كانت على مذهب أهل السنة.

ثم بدأ يعددهم: فمنهم بنو ربيعة، بنو تميم، الخزاعل، الزبيدات.. إلخ).

3. استخدام عقيدة التقية.

4.  إظهار أن الخلاف بينهم وبين أهل السنة خلاف في الفروع فقط.

5. إظهار أنهم محبون لأهل البيت، ذابون مدافعون عنهم.

دوافع السني الملبس عليه، وهم ثلة من المشايخ والدعاة

فدوافعه نجملها في الآتي:

1.  العمل على تجميع أهل القبلة ضد تكالب قوى الشر من الكفار.

2.  حسن الظن المفرط في الرافضة جعلهم ينخدعون بهذه الدعوة.

3.  اعتقادهم أن رافضة اليوم يختلفون عن رافضة الأمس، فلماذا تحاسبونهم بأخطاء الآخرين "وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى"؟.

4. الانخداع بالثورة الخمينية، واعتبارها ثورة إسلامية، ولهذا أرسل التنظيم الدولي للإخوان المسلمين في العالم وفداً19 (توجه إلى طهران على طائرة خاصة، وقابل الخميني لتأكيد تضامن الحركات الإسلامية)، ودعا للتضامن مع الثورة الإيرانية.

5. الانخداع بأن المدى بين السنة والشيعة لا يعدو أن يكون مثل المدى بين المذاهب السنية، ولهذا فمنهم من غالى في ذلك وشذ، وعدَّ "الشيعة الإمامية مذهب فقهي خامس" يمكن الانتقال إليه!!

كما جاء في الزلة العظيمة والخطيئة الجسيمة التي أصدرها بعض مشايخ الأزهر عام 1368هـ، التي طنطنت ودندنت حولها جماعات التقريب، وإن شئت قلت "التخريب"، ودقوا حولها الطبول، وقلدهم فيها غيرهم، فباءوا بوزرها ووزر من انخدع بها إلى يوم القيامة، التي جاء فيها20:

    (أن مذهب الجعفرية المعروف بمذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية مذهب يجوز التعبد به شرعاً كسائر مذاهب أهل السنة).

    (فالكل مجتهدون مقبولون عند الله تعالى، يجوز لمن ليس أهلاً للنظر والاجتهاد تقليدهم والعمل بما يقررونه في فقههم، ولا فرق في ذلك بين العبادات والمعاملات).

    وقد تضمنت تلقائياً جواز انتقال المسلم السني المقلد إلى مذهب الشيعة الإثني عشرية.

ومما يحمد له أن بعض مشايخ الأزهر الفضلاء أنكروا هذه الزلة، وأدانوا تلك السقطة، منهم على سبيل المثال لا الحصر مفتي مصر الأسبق الشيخ حسنين مخلوف رحمه الله، مما يؤكد أن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة قط.

هذه الزلة فتحت الباب على مصراعيه، وجرَّأت الكثيرين على أن يحذوا حذوها، يقول الشيخ محمد الغزالي21 سامحه الله:

    "إن المدى بين الشيعة والسنة كالمدى بين المذهب الفقهي لأبي حنيفة والمذهب الفقهي لمالك والشافعي".

    "إن الفريقين يقيمان صلتهما بالإسلام على الإيمان بكتاب الله وسنة رسوله (!!!) فإن اشتجرت الآراء بعد ذلك في الفروع الفقهية والتشريعية فإن مذاهب المسلمين كلها سواء (!!!) في أن للمجتهد أجره أخطأ أم أصاب".

    "نحن نرى الجميع سواء في نشدان الحقيقة وإن اختلفت الأساليب".

    "ولم تنج العقائد في عقبى الاضطراب الذي أصاب سياسة الحكم، وذلك أن شهوات الاستعلاء والاستئثار أقحمت فيها ما ليس منها، فإذا المسلمون قسمان كبيران "شيعة وسنة"، مع أن الفريقين يؤمنان بالله وحده، وبرسالة محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يزيد أحدهما على الآخر في استجماع عناصر الاعتقاد التي يصلح بها الدين وتلتمس النجاة (!!!)".

    "وكان خاتمة المطاف أن جعل الشقاق بين الشيعة والسنة متصلاً بأصول العقيدة، ليتمزق الدين الواحد مزقتين، وتتشعب الأمة الواحدة إلى شعبتين، كلاهما يتربص بالآخر الدوائر، بل يتربص به ريب المنون، إن كل امرئ يعين على الفرقة بكلمة فهو ممن تتناولهم الآية: "إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ"22".

قلت: مما يدهش المرء ويجعله في حيرة من أمره هل هذه الأقوال ناتجة حقيقة عن جهل بعقيدة الشيعة، وتصورهم، وسلوكهم، وتاريخهم المخزي المشين؟ أم هي عن علم بذلك؟

فإن كانت صادرة عن جهل فتلك مصيبة أن يحكم المرء على قوم وهو يجهل عقائدهم، وتاريخهم، وسلوكهم، وإن كانت ناتجة عن علم فالمصيبة أعظم والداهية أجسم.

وإن تعجب أخي المسلم فاعجب من تلك الجرأة في اتهام المخالفين لهذه الدعوة الخبيثة، والحاكمين على الرافضة بالضلال، وجعلهم من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً، وفي مقدمتهم أئمة السلف.

منهم على سبيل المثال لا الحصر: الإمام الشعبي، ومالك، وابن حزم، وابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير، والذهبي، ومن المحدثين المشـايخ محمد رشيد رضا، ومحمد الأمين الشنقيطي، والشيخ ابن باز، وغيرهم.

ليس لهذه الزلات والسقطات من مبرر سوى الغفلة، والجهل بعقائد القوم، وبالتاريخ القريب والبعيد.

6. الشعارات الكاذبة والدعايات الفارغة التي يرسلها الرافضة من حين لآخر ضد قوى الكفر والطغيان، نحو الموت لأمريكا، ووصفها تدليساً بالشيطان الأكبر.

7. تقاعس كثير من حكام أهل السنة عن القيام بواجبهم نحو إخوانهم المستضعفين في فلسطين، والعراق، وأفغانستان، وغيرها.

8. الجهل بالجرائم الرافضية، والجنايات الشيعية في الماضي والحاضر، المتمثلة في:

    تآمرهم مع التتار في خراب بغداد الأول على يد الوزيرين الخبيثين الطوسي وابن العلقمي، الذي نتج عنه قتل الخليفة العباسي المستعصم ومعه مائتين وألف من كبار الشخصيات، من العلماء، والقضاة، والوجهاء في ساعة واحدة، وما تلى ذلك من المذابح التي استمرت بضعاً وثلاثين يوماً، التي راح ضحيتها قرابة المليون مسلم ومسلمة.

    حسرهم للمد العثماني في أوروبا23 بطعن الخليفة بزحف الصَّفَويين على عاصمة الخلافة بينما كان يريد فتح النمسا، حيث كان على أبواب فينا فقفل راجعاً لدحرهم.

    تحالفهم مع ملك المجر النصراني ضد الدولة العثمانية.

    ما يعانيه أكثر من عشرة ملايين نسمة من السنة في إيران.

    تمكينهم للغزاة الجدد الأمريكان وحلفائهم في غزو العراق، والحكم نيابة عنهم، وقتل أهل السنة، والعمل على إبادتهم وتهجيرهم من بغداد وغيرها قسراً.

هذا قليل من كثير، وغيض من فيض من مخازي الرافضة.

ثانياً: الزعم بأن المدى بين الشيعة والسنة كالمدى بين المذاهب السنية تكذبه العقائد الكفرية والضلالات الرافضية المتمثلة في الآتي:
1.  طعنهم في القرآن الكريم

وزعمهم أنه حُرِّف وبُدِّل، وأن لهم قرآناً يُعرف بقرآن فاطمة الزهراء، يساوي ثلاثة أضعاف قرآننا كما جاء في "فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب" للنوري الطبرسي الهالك 1320هـ، حيث استشهد على تحريفه بحذف "سورة الولاية" كما جاء في صفحة 180 من الكتاب، مذكور فيها ولاية علي: "يا أيها الذين آمنوا بالنبي والولي اللذين بعثناهما يهديانكم إلى الصراط المستقيم.. إلخ"، التي ليس لها مثيل  إلا سجع مسيلمة الكذاب.

قال الشيخ محب الدين الخطيب رحمه الله: (وقد اطلع الثقة المأمون محمد علي سعودي الذي كان كبير خبراء وزارة العدل بمصر، ومن خواص الشيخ محمد عبده على مصحف إيراني مخطوط عند المستشرق "براين"، فنقل منه هذه السورة "بالتلغراف"، وفوق سطورها العربية ترجمتها باللغة الإيرانية.

وكما أثبتها الطبرسي في كتابه "فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب"، فإنها ثابتة أيضاً في كتابهم "دبستان مذاهب" باللغة الإيرانية لمؤلفه محسن فاني الكشميري، وهو مطبوع في إيران طبعات متعددة، ونقل عنه هذه السورة المكذوبة على الله المستشرق "نولدكه" في كتاب "تاريخ المصحاف" ج1/ 102، ونشرتها الجريدة الآسيوية الفرنسية 1842م، ص 431-439).24

جاء في مناظرة للإمام ابن حزم25 رحمه الله مع بعض القسس في الأندلس، وكان القساوسة يحتجون عليه بأن الشيعة قرروا أن القرآن المجيد أيضاً محرف، فأجابهم ابن حزم بأن دعوى الشيعة ليست حجة على القرآن ولا على المسلمين لأن الشيعة غير مسلمين.

2.  إنكارهم لحجية السنة الصحيحة وللإجماع

بحجة أن الأمة يمكن أن تجتمع على ضلال، وأنها معصومة بقول الإمام.

3. ادعاؤهم العصمة لأئمتهم وغلوهم فيهم

من مخالفات الشيعة الإمامية العقدية الواضحة ادعاؤهم العصمة لأئمتهم، وغلوهم فيهم، ويدل على ذلك تلك العناوين التي وردت في "الكافي"26 الذي يعتبرونه بمثابة صحيح البخاري عند أهل الإسلام:

    "باب أن الأئمة يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الأنبياء والملائكة والرسل".

    "باب أن الأئمة يعلمون متى يموتون، وأنهم لا يموتون إلا باختيارهم".

    "باب أن الأئمة يعلمون علم ما كان وما يكون وأنه لا يخفى عليهم شيء".

    "باب أن الأئمة عندهم جميع الكتب يعرفونها على اختلاف ألسنتهم".

    "باب أنه لا يجمع القرآن27 كله إلا الأئمة، وأنهم يعلمون علمه كله".

    "باب ما عند الأئمة من آيات الأنبياء".

    "باب أن الأئمة إذا ظهر أمرهم حكموا بحكم داود وآل داود ولا يسألون البينة".

    "باب أنه ليس شيء من الحق في أيدي الناس إلا ما خرج من عند الأئمة، وأن كل شيء لم يخرج من عندهم فهو باطل".

    "باب أن الأرض كلها للإمام".
    ↑

4.  تكفيرهم، وتضليلهم، وتفسيقهم، وسبهم، وانتقاصهم لكبار الصحابة

حب الصحابة، وإجلالهم، والتأسي بهم من الإيمان، وبغضهم كفر ونفاق، لأن الله جعلهم غيظاً للكفار، فمن غاظه الصحابة فقد أصابته الآية: "لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ"28، كما قال ذلك مالك رحمه الله ووافقه عليه عدد من أهل العلم.

بينما نجد أن الشيعة الإمامية ليس لهم غرض إلا تكفير، وتضليل، وتفسيق، وانتقاص جلة القوم، الخلفـاء الراشدين الثلاثة أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعـائشة، وحفصة، دعك عمن هم دونهم، كعمرو بن العاص، ومعاوية، ونحوهما.

بل حكموا بردة الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلا ثلاثة، كما روى الكليني عن أبي جعفر، حيث قال: (كان الناس أهل ردة بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ثلاثة: المقداد بن الأسود، وسلمان الفارسي، وأبو ذر الغفاري).29

وروى الكليني كذلك عن أبي جعفر قائلاً: (إن الشيخين – أبا بكر وعمر – فارقا الدنيا ولم يتوبا، ولم يذكرا ما صنعا بأمير المؤمنين رضي الله عنه، فعليهما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين).30

وجاء في كتابهم "مفتاح الجنان"31، وهو بمثابة "دلائل الخيرات" عند المتصوفة، هذا الورد المذموم: "اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، والعن صنمي قريش، وجبتيهما، وطاغوتيهما، وابنتيهما"، ويعنون بذلك أبابكر، وعمر، وعائشة، وحفصة رضي الله عنهم.

هذا الورد كما قال السيد حسن الموسوي32: (كان الخميني يقوله بعد صلاة صبح كل يوم).

وقال نعمة الله الجزائري عن أمير المؤمنين عمر: (إن عمر كان مصاباً بداء في دبره لا يهدأ إلا بماء الرجال).33

وقال علي بن يونس البياضي عن عثمان رضي الله عنه: (إن عثمان ممن يُلعَب به، وكان مخنثاً).34

وقال ابن رجب البرسي عن عائشة أم المؤمنين وزوج سيد المرسلين: (إن عائشة جمعت أربعين ديناراً من خيانة).35

لقد بلغ الحقد بالشيعة أنهم يسمون كلابهم بأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وأنهم الآن في العراق يقتلون على الهوية، كل من اسمه أبوبكر، أوعمر، أوعثمان فمصيره القتل.

تبجيلهم لأبي لؤلؤة المجوسي قاتل عمر، وتلقيبهم إياه "بأبي شجاع"، ويحتفلون باليوم الذي استشهد فيه عمر، قال القمي: (إن يوم قتل عمر بن الخطاب هو يوم العيد الأكبر، ويوم المفاخرة، ويوم التبجيل، ويوم الزكاة العظمى، ويوم البركة، ويوم التسلية).

ويقول علي جعفري واصفاً بعض الصحابة الكرام: (عبد الرحمن بن عوف عابد مال، وعثمان الارستقراطي، وخالد بن الوليد عديم المبالاة، وسعد بن أبي وقاص عديم التقوى).36

5. عقيدتهم في أهل السنة

الشيعة الإمامية يلقبون أهل السنة بالنواصب، ويكفرونهم، ويستبيحون دماءهم وأموالهم، والواقع الحاضر في العراق يشهد على ذلك، وإليك طرفاً من أقوال أئمتهم ومن مصادرهم لتستبين سبيل المجرمين:

    يقول السيد نعمة الله الجزائري في حكم "النواصب" أهل السنة: (إنهم كفار، وإنهم شر من اليهود والنصارى، وإن من علامات الناصبي تقديم غير علي عليه في الإمامة).37

    روى الكليني: (إن الناس كلهم أولاد زنا، أوقال: بغايا ما خلا شيعتنا).38

    وقال داود بن فرقد: قلت لأبي عبد الله: ما تقول في قتل الناصب؟ فقال: (حلال الدم، ولكني أتقي عليك، فإن استطعت أن تقلب عليه حائطاً، أوتغرقه في الماء لكيلا يشهد عليك فافعل).39

    علق الخميني على ذلك بقوله: (فإن استطعت أن تأخذ ماله فخذه وابعث إلينا بالخمس).40

    وقال نعمة الله الجزائري: (إنا لا نجتمع معهم – يعني أهل السنة – على إله، ولا على نبي، ولا على إمام، وذلك أنهم يقولون إن ربهم هو الذي نبيه محمد وخليفته من بعده أبوبكر).

    ومما يدل على حقدهم على أهل السنة عامة وعلى العرب خاصة ما رواه المجلسي: (إن المنتظر يسير في العرب بما في الجفر الأحمر)41، وهو قتلهم.

    وقال أيضاً: (ما بيننا وبين العرب إلا الذبح).42

    بل لم يقف حقدهم عند قتل العرب وذبحهم، ولكن تعداه إلى الحرمين الشريفين، حيث أن المجلسي روى: (أن القائم يهدم المسجد الحرام حتى يرده إلى أساسه، والمسجد النبوي إلى أساسه).43

    بل تعدى حقد الرافضة الساسانيين الأحياء إلى الأموات، حيث قال المجلسي: (إن أول ما يبدأ به القائم يخرج هذين – يعني أبابكر وعمر – طريين غضين44، ويذريهما في الريح، ويكسر المسجد).45

    حتى لا يظن غافل أن الخمينيين لا يعتقدون هذه العقائد ننقل لهم ما رآه رئيس مجلس علماء باكستان الشيخ محمد عبد القادر آزار في زيارته لإيران في عيد ثورتهم الثالث في فبراير 1980 م ، يقول: (رأينا على جدران فندق "هلتون" في طهران ثوباً أبيض كتب عليه العبارة التالية: "سنحرر الكعبة، والقدس، وفلسطين من أيدي الكفار").46

وبعد..

فهذا قليل من كثير، وغيض من فيض من عقائد الشيعة الكفرية التي يخالفون فيها أهل الإسلام، فهل من مدكر؟!!

وهل تركوا شعرة من أمل لأحد أن يدعو للتقارب معهم أوالتناظر مع ثباتهم وإصرارهم على تلك العقائد الكفرية؟

لو كان التقارب مع هؤلاء القوم ممكناً لسبق إليه السلف الصالح من العلماء الكبار، والأئمة الأطهار، أمثـال الشعبي، ومالك، وابن حـزم، وابن تيمية، وغيرهم، وما توانـوا في ذلك حتى يأتي بعض الدعاة الطيبين في هذا العصر ليرفعوا هذه الراية، وينالوا ممن لم يوافقهم على ذلك، فقد كانوا أحرص على الخير منا، وعلى لمِّ الصف وجمع الكلمة من هؤلاء الدعاة، فالعاقل من اتعظ بغيره.

الغثائية والتجميع العاطفي لم يجد ولم يثمر مع المنتسبين إلى السنة حكماً من أهل القبلة من غير جدية في الالتزام بمنهج أهل السنة في العقيدة، والتصور، والمنهج، والسلوك، فمن المستحيل أن يجدي مع الرافضة، وما جنته تلك الغثائية على الحركة الإسلامية في مدى سبعين سنة ليس منا ببعيد، من التفرق، والتشرذم، والتسيب العقدي والفكري.

حيث أفرزت شرذمة من العلمانيين المتزيين بالإسلام، ممن هم أخطر من الكفار والمنافقين ذوي النكهات الشيوعية، والاشتراكية، والقومية، لأن أولئك من بني جلدتنا، وينتسبون إلى جماعتنا، ويرفعون شعاراتنا، ويخدعون شعوبنا، وهم في الحقيقة عملوا ويعملون على تقويض ديننا، ونقض عرى إسلامنا عروة عروة، وكانوا عوناً للكفار وردئاً لهم في تنفيذ مخططاتهم وتمرير سياساتهم، وما أحدثوه من تخريب للعقائد، وإفساد للمناهج، وتضليل للعامة، لم يتأت للكفار وإخوانهم المنافقين الآخرين أن يعملوه في أضعاف هذه المدة.

لقد آن الأوان لآخر هذه الأمة أن تدرك أنها لا صلاح لها إلا بما صلح به أولها، وما لم يكن في ذاك اليوم ديناً فلن يكون اليوم ديناً، وأن أسلوب التنازلات ورفع الشعارات الخادعة، نحو شعار الوسطية المزعومة وما شاكلها لم تعد تروج على أحد.

ومن العجيب الغريب أن يدرك الكفار والمنافقون عدوهم الحقيقي متمثلاً في "الوهابية" و"السلفية"، ويهتدوا لطرق محاربته وتجفيف منابعه بشتى الطرق، ويغفل بعض دعاة الإسلام عن منهجهم الحق ووسائل تحقيقه، ويتخبطون ويتبنون العقائد المناوئة لعقيدة أهل السنة والجماعة، ويعملون على بعث الفكر الإرجائي، شعروا بذلك أم لم يشعروا، ويروج عندهم أسلوب التنازلات، ويحرصون على منافقة المجتمع، وعلى الغثائية، مع حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدم جدواها، حيث قال: "..ولكنكم غثاء كغثاء السيل"، الحديث.

ثالثاً: خطورة هذه الدعوة على أهل السنة وعلى الرافضة في آن واحد
على الشيعة الرافضة

هذه الدعوة الخبيثة لها مخاطر عدة، ليس على أهل السنة فحسب، بل على الشيعة الرافضة أنفسهم، إذ فيها فتنة لهم، وإقرار لهم على باطلهم، إذ رأوا بعض كبار رموز الحركة الإسلامية ينادون بالتقارب معهم، ويصفون المدى بينهم وبين أهل السنة بأنه لا يعدو أن يكون مثل المدى بين أهل المذاهب السنية المتبوعة.

وفي ذلك تغرير، وتلبيس، وغش، وخيانة لهم، بينما كان الواجب أن نحرص على دعوتهم للتخلي عن عقائدهم الكفرية، وعن شذوذاتهم الفقهية، لا أن نصرح أن غرضنا من هذه الدعوة ليس هو حمل الشيعة على ترك عقائدهم.

على أهل السنة

أما مخاطر هذه الدعوة ومفاسدها على أهل السنة فإنها لا تحصى كثرة، ولكن سنشير إلى أخطرها وأعظمها مفسدة وضرراً، فنقول:

1. إنها دعوة للتنازل عن الثوابت والمسلمات من جانب واحد، وهم أهل السنة، أما الشيعة فلم يتنازلوا ولن يتنازلوا عن باطلهم.

فلم يسمح الساسانيون الجدد في طهران ببناء مسجد واحد لأهل السنة، ويزيد عددهم في إيران عن العشرة ملايين نسمة، علماً أنها تضم اليوم عشر كنائس، وأربعة معابد يهودية، وعدداً من معابد المجوس عبدة النار، بل عندما أقيمت دار بالقاهرة منذ 1368هـ للتقريب، رفض الجانب الآخر بناء سقيفة لهذا الغرض في دارهم.

2. ومن مخاطرها إزالة الحاجز النفسي بين محبي الصحابة ومبجليهم، وبين مكفِّريهم ومضلليهم وسابيهم.

3. تخدير أهل السنة ودغدغة مشاعرهم بأن الشيعة محبون لآل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، بينما هم من ألد أعدائهم، بل كيف يجتمع حب الرسول صلى الله عليه وسلم وآله وبغض صحابته الذي يزداد مع الأيام والسنين؟

لله در الإمام القحطاني المالكي، حين قال مبيناً عقيدة أهل السنة في الرافضة، وواصفاً لهم وصفاً لا ينفك عنهم أبد الآبدين، ومحذراً لإخوانه المسلمين من الانخداع بعقائدهم وضلالاتهم، فقال في نونيته:

           لا تعتقد دين الروافـض47 إنهــم            أهل المحال وشيعة الشيطـان

           إن الروافض شر من وطئ الحصى              من كل إنس ناطق أوجــان

           مدحوا النبي وخونوا أصحـــابه              ورموهم بالظلم  والعــدوان

           حبوا48  قرابته وسبـــوا صحبه             جدلان عند الله منتقضـــان

           فكأنمـــــا آل النبي  وصحبه              روح يضم جميعها جســدان

           فئتان عقدهما شريعة أحمــــدٍ              بأبي وأمي ذانك  الفئتـــان

           فئتان سالكتان في سبـــل الهدى            وهما بدين الله  قائمتــــان

إلى أن قال:

           واحفظ لأهل البيت واجب حقهـم               واعرف علياً أيما عرفـــان

           لا تنتقصه ولا تزد في قـــدره               فعليه تصلى النار  طائفتــان

           إحداهما لا ترتضيه خليفــــة               وتنصه الأخرى إلهاً  ثـــانِ

           والعن زنادقة  الروافض إنهــم              أعناقهم غلت إلى الأذقـــان

           جحدوا الشرائع والنبوة  واقتـدوا             بفساد ملة  صاحب الإيـوان49

           لا تركنن إلى  الروافض إنهــم               شتموا الصحابة دونما برهـان

           لعنوا كما بغضوا صحابة أحمـدٍ               وودادهم فرض على الإنسـان

           حب الصحابة والقرابة سنـــة               ألقى  بها ربي إذا أحيـــاني

4.  ومن مخاطر هذه الدعوة أنها تمكن للرافضة من نشر أباطيلهم وضلالاتهم وسط أهل السنة.

5. فيها فتنة عظيمة لشباب أهل السنة الذين لم يدركوا خطورة عقائد الشيعة، ولا خبث وسائلهم، واتخاذهم التقية – النفاق – عاملاً لإخفاء ما يعتقدون من عقائد كفرية، حتى يتمكنوا من قلوب السذج والمغفلين، الذين لم يتعرفوا على التاريخ القديم، ولم يتعظوا بالواقع الحديث في عراق العروبة والإسلام، لانبهارهم بالشعارات الخداعة، وسلوك وسائل التنصير في استغلال الضعفاء والمحتاجين، عن طريق البعثات ونحوها.

فتباً لتقارب يكون على حساب مسلماتنا وثوابتنا، وعلى أعراض قدوتنا من الصحابة، وأمهاتنا من أزواج نبينا صلى الله عليه وسلم.

6. تهوين ما لا يمكن التهوين من شأنه عن طريق اختزال العقائد الكفرية في بعض الشذوذات الفقهية.

7. إعطاء الرافضة فرصة للتلبيس والتدليس على العامة من أهل السنة، وما أكثرهم.

8. من مخاطرها كذلك أنها دعوة للتآلف والتوادد والتعاون مع فرقة نارية جهنمية، بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفرق، حيث جاء فيه: "كلها في النار إلا واحدة".

وقد أمرنا بهجر أمثال هؤلاء تقرباً وتديناً.

ولله در الإمام أحمد عندما أمر أن يهجر من فضَّل عمر بن عبد العزيز على معاوية، فكيف بمن يكفر، ويضلل، ويفسِّق، ويسب، وينتقص ثلاثة من الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين، ووزيرين من وزرائه المخلصين، وحبه من أزواجه؟!!

قال هارون الحمال: سمعتُ أحمد بن حنبل وأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الله، إن ها هنا رجل يفضل عمر بن عبد العزيز على معاوية بن أبي سفيان؛ فقال أحمد: "لا تجالسه، ولا تؤاكله، وإذا مرض فلا تعده".50

وقريب من هذا ما روي عن يزيد بن الأسود، وهو من كبار التابعين، وقد سمع رجلاً يفضل الخليفة الخامس عمر بن عبد العزيز رحمه الله على معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، فغضب عليه، وقال: "لمداد في ثوب معاوية – لأنه كان من كتاب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم – خير من ملء الأرض من عمر بن عبد العزيز"، أوكما قال.

فأي الفريقين أحق بالاتباع، أئمة السلف من أمثال يزيد بن الأسود، وأحمد بن حنبل، وغيرهم كثير، أم دعاة التقريب من بعض الدعاة المحدثين؟!

9.  هذه الدعوة فيها خيانة لله عز وجل، ولرسوله، ولكتابه، ولسنة نبيه، ولآله، ولصحابته، ولأئمة المسلمين، وعامتهم، والواجب على المسلم كما أمر صاحب الشريعة النصحُ لهم، حيث قال صلى الله عليه وسلم: "الدين النصيحة" ثلاثاً، قلنا: لمن؟ قال: "لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم".51

رابعاً: عدم جدوى وفائدة هذه الدعوة

كما ذكرت، لو كان التقارب بين السنة والشيعة ممكناً لما توانى عنه وتأخر السلف الصالح، ولسبقوا دعاة هذا العصر إليه، ولكنه المستحيل، والحرث في البحر الذي لا يجدي شيئاً، وإنما يزداد الأمر به سوءاً على سوء.

ولا أدلَّ على ذلك من أن أهل العلم في كل وقت وحين يفضحون عقائد الرافضة، ويحذرون من زيفهم وباطلهم.

وقد بين عدم جدوى مجرد مناظرة الرافضة ومكالمتهم عدد من الأئمة، منهم على سبيل المثال لا الحصر من52 يأتي:

1. الإمام أبو يَعْلى الحنبلي رحمه الله

حيث قال: (ولو ذهب ذاهب إلى ترك مناظرة الروافض ومكالمتهم لكان قد ذهب مذهباً ليس ببعيد، وذلك أن المتناظرين إنما يتناظران ويردان إلى أصل قد اتفق عليه، والأصول التي ترجع إليها الأمة فيما اختلفت فيه هي الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة، وحجج العقول، وهذه الأصول الأربعة لا يمكن الرجوع إليها على قول الرافضة).

2. علامة الشام بهجت البيطار رحمه الله

قال مدللاً على عدم جدوى مناظرتهم ومجادلتهم: (هذا القول بأن الخلاف بين السنة والشيعة في آراء لا تمس العقائد – إنما يضر أهل السنة فقط، لأن ذلك معناه أن أهل السنة موافقون للشيعة في شذوذهم الذي يهدم الدين والعقيدة، ولا يعتبرون ذلك الشذوذ ماساً بالعقيدة).


3. العلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي صاحب "أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن" وغيره رحمه الله

وقد أتاه وفد من آيات الرافضة للمناظرة والتقريب، فبدأهم بقوله: (لو كنا نتفق على أصل واحد لناظرناكم، ولكن لنا أصول ولكم أصول، وبصورة أوضح: لنا دين ولكم دين، وفوق هذا كله أنتم أهل كذب ونفاق).

لأن من شروط المناظرة الاتفاق على قواعد وأسس يرجع إليها، والانطلاق من أرض مشتركة يؤمن بها الجميع، ووجود حَكَم عدل من أهل العلم والمعرفة بشرع الله، وكل هذا مفقود في الشيعة، فشيمتهم الكذب والتقية، فهم يكذبون كما يتنفسون كما وصفهم العالم البصير بالفرق والعقائد الفاسدة المنحرفة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

وقد صدق الشيخ محمد الأمين عندما أوصد الباب أمامهم بأن أهل الإسلام لهم أصول وهم لهم أصول تقوم على أنقاض أصول أهل الإسلام، ولهم دين مغاير لما جاء به ولد عدنان، ولهم قرآن مغاير لقرآننا، وهكذا.

خامساً: رجوع بعض المشايخ والدعاة عن فكرة التقارب هذه

الرجوع إلى الحق فضيلة، والتمادي على الباطل رذيلة لا تدانيها رذيلة، ومن الإنصاف والعدل إذا تبيَّن للمرء الحق سيما العالم أن يرجع إليه ولا يتوانى في ذلك أبداً، وهذه من السمات التي امتاز بها كثير من علماء السلف.

من الذين رجعوا عن هذه الدعوة بعد أن كانوا من الداعين لها، الساعين لتحقيقها، الحريصين عليها، على سبيل المثال لا الحصر من يأتي من المشايخ الفضلاء والدعاة الكرماء:

1. الشيخ الدكتور عبد الله النَّفيسي وفقه الله

كان النفيسي من المتحمسين الداعين للتقارب بين السنة والشيعة، ولكن عندما تبين له إصرار القوم على عقائدهم الباطلة، وظهر له حقدهم ومكرهم الكبَّار بالسنة وأهلها، تبرَّأ من ذلك، بل أصبح من المناهضين لهذه الفكرة، المبينين لخطرها وضررها على الإسلام والمسلمين، المبصِّرين لإخوانهم المسلمين بمخططات القوم، وخبث نواياهم، وتواطئهم مع أعداء الأمة والدين.

فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وحفظه من كيد الرافضة الخبثاء.

2. الشيخ سعيد حَوَّى رحمه الله

من الذين كانوا قد خُدِعوا بأساليب الرافضة والثورة الخمينية، ثم بعد أن ظهر له مكرهم تراجع عن ذلك، وعاد محذراً الأمة وناصحاً لها في رسالته "الخمينية شذوذ في العقائد وشذوذ في المواقف"53، فجزاه الله خيراً وتجاوز عنه.

3. الشيخ يوسف القرضاوي

كذلك من الذين رجعوا عن هذه الدعوة بعد أن كانوا من المتحمسين الداعين لها، وأعلن رجوعه على الملأ، الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي وفقه الله.

ونسأل الله أن يرجع كذلك عن بعض فتاويه الشاذة، نحو إجازته لمن أسلمت قبل زوجهـا أن تجلس معه، وكذلك إباحته لكثير من الملاهي المحرمة، وليته يرجع عن كل ما سطره في كتابه "الحلال والحرام" قبل فوات الأوان، وحتى لا يكون عليه وزر من اتبعه فيه.

نرجو أن يحذو حذوهم الآخرون من الدعاة لهذه الدعوة الخبيثة، والخيانة العظيمة، والطعنة النجلاء في نحر الإسلام والمسلمين، خاصة بعد أن وضحت عقائد هؤلاء القوم لكل ذي عينين، وظهر حقدهم ومكرهم بأهل السنة في العراق، واستأسدت إيران وعملاءها في الآونة الأخيرة، وأظهرت موالاتها وعمالتها لقوى الشر والطغيان – للأمريكان – وبدأت تحرك أذيالها في جميع البلدان، وتسعى لتصدير الفتن، وتستعد للانقضاض على الآمنين، طمعاً في جعل الهلال الشيعي بدراً، خاب فألهم وتبددت آمالهم، وجعل الله كيدهم في نحورهم، وتدميرهم في تدبيرهم: "وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ"54.

أما آن للمارد السني أن يتحرك ويستيقظ من سباته العميق، ويفيق من غفلته، وينتبه لأعدائه الحقيقيين، بدلاً من أن يتشاغل بخلافاته مع إخوانه السنيين؟!

سادساً: هذه الدعوة قديمة جديدة

دعوة الرافضة للتقارب مع السنة على حساب ثوابت أهل السنة قديمة حديثة، إذ ما فتئوا يرفعونها من حين لآخر متى ما سنحت لهم فرصة، ووجدوا عند بعض أهل السنة غفلة، لأنهم وجدوا ثمار هذه الدعوة، وقطفوا من جرائها، وحولوا عن طريقها عدداً من رجال العشائر الطيبين في العراق وغيرهم إلى خلاياهم، وتمكنوا من خلالها أن يحولوا الأقلية الرافضية في العراق إلى قوى لا يستهان بها.

يقول الشيخ محب الدين الخطيب رحمه الله: (وفي عصر الجلال السيوطي55 حضر من إيران إلى مصر داعية من دعاتهم أشار إليه السيوطي في "الحاوي للفتاوى" الطبعة المنيرية ج1/330، وبسبب ذلك الداعيـة الإيراني ألف56 السيوطي رسالة سماها "مفتاح الجنة في الاعتصام بالسنة"57).58

لهذا فإن هذا المكر قديم جديد، وصدق الله العظيم حين قال عن الكفار والمنافقين: "وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ"59.

أسأل اللهَ العظيم رب العرش الكريم أن يحفظ علينا إسلامنا، فيحيينا مسلمين، ويتوفنا مؤمنين، وأن يجزي عنا نبينا وصحبه الكرام خير الجزاء، وأن يوفقنا للاقتداء بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده، ونعوذ به من الحور بعد الكور، ومن الضلال بعد الهدى، ومن البغض والكراهية لسلف هذه الأمة بعد الحب والإجلال والتعظيم لهم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه أجمعين، وعلى من اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

"رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ "60.

مراجع البحث

1.  حقبة من التاريخ، لعثمان محمد الخميس بتقديم الدكتور محمد أحمد المقدم.

2. الخطوط العريضة للأسس التي قام عليها دين الشيعة الإمامية الإثني عشرية، للشيخ محب الدين الخطيب.

3.  الفتنة الخمينية – حقيقة الثورة الإيرانية، للشيخ محمد عبد القادر آزار، رئيس مجلس علماء باكستان.

4.  لله ثم للتاريخ – كشف الأسرار وتبرئة الأئمة الأطهار، بقلم السيد حسين الموسوي.

5.  من عقائد الشيعة الإمامية الإثني عشرية – الرافضة الجعفرية، إعداد الأمين الحاج محمد – مخطوط.

6.  حقيقة الخلاف بين علماء الشيعة وجمهور علماء المسلمين، طبع الندوة العالمية للشباب الإسلامي، إعداد سعيد إسماعيل.

7.  نونية القحطاني لأبي محمد عبد الله بن محمد الأندلسي القحطاني المالكي، تصحيح وتعليق محمد بن أحمد سيد أحمد.

8.  وقفات مع كتاب للدعاة فقط، لمحمد بن سيف العجمي.