الاعتكاف وأحكامه

"كان صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله" حديث شريف

"عجباً للمسلمين، تركوا الاعتكاف والنبي صلى الله عليه وسلم لم يتركه منذ دخل المدينة حتى قبضه الله" ابن شهاب الزهري

 

تعريف الاعتكاف

مشروعية الاعتكاف

وقته

حكم الاعتكاف

الاعتكاف ليس من خصائصه صلى الله عليه وسلم

أركان الاعتكاف

مبطلات الاعتكاف

ما يكره للمعتكف فعله اتفاقاً

ما اختلف في كراهيته للمعتكف

ما يباح للمعتكف

ما يستحب للمعتكف

أقل الاعتكاف وأكثره

متى يدخل من نوى اعتكاف العشر الأواخر من رمضان؟ ومتى يخرج؟

 

إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

وبعد..

فإن مواسم الخير، وفرص الفلاح، وطرق النجاح لهذه الأمة كثيرة جداً لمن كانت له همة وعنده عزيمة، فما من شهر من الشهور، بله ولا يوم من الأيام يخلو من تلك الفرص، أويعدم تلك المواسم، سيما شهر الصبر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، وتفتح فيه الجنان، وتغلق فيه النيران، وتوصد فيه المردة اللئام، وتعتق فيه الأبدان من النيران.

من تلكم المواسم العظيمة، والفرص النادرة، الاعتكاف، خاصة في العشر الأواخر من رمضان، الذي كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يحافظ عليه، ولم يدعه حتى ارتحل إلى الرفيق الأعلى، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: "إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى، ثم اعتكف أزواجه من بعده".1

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوماً".2

هذه السنة المؤكدة هجرها كثير من المسلمين، وضيعها جل المصلين، ولله در محمد بن شهاب الزهري حيث قال: "عجباً للمسلمين، تركوا الاعتكاف، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يتركه منذ دخل المدينة حتى قبضه الله"3، مع حاجتهم الماسة إليها، وتيسر الأسباب لدى كثير منهم عليها، لأنها هي الخلوة الشرعية، والرياضة الروحية لهذه الأمة المرحومة.

قال عطاء رحمه الله: "مثل المعتكف كرجل له حاجة إلى عظيم، فجلس على بابه، ويقول لا أبرح حتى تقضى حاجتي، وكذلك المعتكف يجلس في بيت الله ويقول: لا أبرح حتى يغفر لي".

فهلم أمة الإسلام، وإخوة الإيمان، إلى سنة نبيكم التي فيها رضوان ربكم، وإياكم إياكم أن تضيعوها، أوتفرطوا فيها، أوتسوفوا في المبادرة إليها، خاصة وأنتم على أعتاب رمضان، وفي أعتاب عشرته الكرام، هلمُّوا إلى سوق من أسواق الآخرة، وإياكم أن تستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، إياكم أن تستعيضوا عنها بأسواق الدنيا، أوبغرض من أغراضها الفانية، أوبحاجة من حاجاتكم الآنية، هلمَّ إلى موائد الكريم المنان، ودعك من موائد الطعام.

ماذا تأمل في هذه الدنيا؟ وقد أمسك صاحبا4 الصور بقرنيهما ينتظران الأمر من الله كما أخبر نبيك محمد صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى منذ أمد بعيد، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن صاحبي الصور بأيديهما ـ أوفي أيديهما ـ قرنان يلاحظان النظر متى يؤمران"5، بل ماذا تنتظر؟ "إلا فقراً منسياً، أوغنى مطغياً، أومرضاً مفسداً، أوهرماً مفنداً6، أوموتاً مجهزاً7، أوالدجال فشر غائب ينتظر، أوالساعة فالساعة أدهى وأمر".8

أنسيتَ الموت أخي المسلم، وأنت ونحن من أبناء الموتى، وقد نعاك الله عز وجل، ومن أصدق من الله قيلاً؟ ومن أصدق من الله حديثاً؟ "إنك ميت وإنهم ميتون" الآية.

تذكر أخي الحبيب دائماً وأبداً هادم اللذات، ومفرق الجماعات، وميتم البنين والبنات، تذكر من حضر معك رمضان الماضي من الأحبة والأصدقاء أين هم الآن؟ احمد الله الذي أعطاك هذه الفرصة وقد حرمها الكثيرون، ومن أدراك فلعلها تكون آخر الفرص؟

أقول كل هذا ولا أعلم والله أحداً عنده ما عندي من الغفلة، والتسويف، والذنوب، والآثام، ولا أعلم أحداً أشد حاجة إلى الموعظة والذكرى مني، ونعوذ بالله أن نكون ممن وصفهم الله عز وجل بقوله: "أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون" الآية.

وبعد..

فهذه مذكرة تحوي أهم أحكام الاعتكاف، كتبتها تبصرة لغافل مثلي، وتذكرة لمن يطلع عليها من إخواني المؤمنين الموفقين، عسى أن يشفيَ الله بها من الغفلة، وينفع بها من الجهالة، ويمنح بها من الدعوات الصالحات، والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.

 ã

تعريف الاعتكاف

الاعتكاف لغة: هو لزوم الشيء والمكث فيه، قال تعالى: "ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون"9، حسناً كان أم قبيحاً.

والاعتكاف شرعاً: لزوم المسجد والمكث فيه بنية التقرب إلى الله عز وجل، سواء صُحب بصوم أم لا، قال تعالى: "ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد".10

 ã

مشروعية الاعتكاف

الاعتكاف مشروع ودليل مشروعيته الكتاب والسنة.

قال تعالى: "ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد" الآية.

وقال: "أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود".11

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده" الحديث، كما أخرجه البخاري في صحيحه.

 ã

وقته

يصلح الاعتكاف في طول أيام السنة من غير استثناء، ويستحب في رمضان وفي العشر الأواخر منه.

 ã

حكم الاعتكاف

الاعتكاف إما أن يكون نذراً أوتطوعاً.

أ‌. فالنذر حكمه الوجوب، لما روى نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: "أن عمر سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام؛ قال: أوف بنذرك"12، ولحديث عائشة في البخاري: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصيه".

ب‌. أما التطوع فقد ذهب فيه أهل العلم ثلاثة مذاهب بعد اتفاقهم على مشروعيته، هي:

1. سنة مؤكدة، وهذا مذهب ابن شهاب، وأبي حنيفة، وأحمد، وابن بطال وابن العربي المالكيين.

2. مستحب، وهذا مذهب العامة من أهل العلم.

3. جائز، وهذا مذهب طائفة من المالكية.

والراجح أنه سنة مؤكدة، لما روته عائشة رضي الله عنها: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى، ثم اعتكف أزواجه من بعده".13

ولما صح عن ابن عمر كذلك: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان".14

ولما رواه ابن المنذر عن ابن شهاب: "عجباً للمسلمين، تركوا الاعتكاف والنبي صلى الله عليه وسلم لم يتركه منذ دخل المدينة حتى قبضه الله".15

وقال أبوداود عن أحمد: (لا أعلم عن أحد من العلماء خلافاً أنه مسنون).16

قال ابن بطال رحمه الله: (مواظبته صلى الله عليه وسلم على الاعتكاف تدل على أنه من السنن المؤكدة).17

وقال مالك رحمه الله: (ولم يبلغني أن أبا بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا أحداً من سلف هذه الأمة، ولا ابن المسيِّب، ولا أحداً من التابعين، ولا أحداً ممن أدركت من اقتدي به اعتكف، ولقد كان ابن عمر من المجتهدين، وأقام زماناً طويلاً فلم يبلغني أنه اعتكف، إلا أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام18، ولست أرى الاعتكاف حراماً؛ فقيل: لم تراهم تركوه؟ فقال: أراه لشدة الاعتكاف عليهم، لأن ليله ونهاره سواء، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال19، فقالوا له: إنك تواصل؟ فقال: إني لست كهيئتكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني؛ وقد قالت عائشة حين ذكرت القُبلة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صائم، فقالت: وأيكم أملك لإربه من رسول الله؟ وأنهم لم يكونوا يقوون من ذلك على ما كان يقوى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم).20

ما قاله الإمام مالك فيه نظر، فقد ثبت أن عدداً من الصحابة والتابعين والسلف الصالحين ليس بالقليل قد اعتكفوا وداوموا على هذه السنة، سيما في العشر الأواخر من رمضان، ويدل على ذلك تعجب الإمام التابعي الجليل محمد بن شهاب الزهري وهو مدني، حيث قال: "عجباً للمسلمين تركوا الاعتكاف والنبي صلى الله عليه وسلم لم يتركه منذ دخل المدينة حتى قبضه الله"، والنبي صلى الله عليه وسلم هو القدوة والأسوة بأبي هو وأمي، فكل يؤخذ من قوله ويترك إلا الرسول صلى الله عليه وسلم كما قال مالك وغيره رحمهم الله تعالى.

وتعليل مالك رحمه الله لعدم اعتكاف أولئك النفر من الصحابة فيه نظر هو الآخر، إذ كان هؤلاء من أصحاب العزائم النادرة، والقوة الفائقة، والصبر على الطاعات، وربما كانت لهم موانع سوى ذلك من مهام دينية، أودنيوية أخرى، من مرض ونحوه، كما كان لمالك عذر منعه من شهود الجماعة وهو سلس البول، ولم يبح به إلا في آخر أيامه رحمه الله.

يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله راداً ودافعاً لما قاله مالك رحمه الله: (وأما قول ابن نافع عن مالك: "فكرت في الاعتكاف وترك الصحابة له مع شدة اتباعهم للأثر فوقع في نفسي أنه كالوصال، وأراهم تركوه لشدته"، وكأنه أراد صفة مخصوصة، وإلا فقد حكيناه عن غير واحد من الصحابة، ومن كلام مالك أخذ بعض أصحابه أن الاعتكاف جائز، وأنكر ذلك عليهم ابن العربي، وقال: إنه سنة مؤكدة؛ وكذا قال ابن بطال: في مواظبة النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على تأكيده؛ وقال أبو داود عن أحمد: لا أعلم عن العلماء خلافاً أنه مسنون).21

وقال الماوردي رحمه الله: (فالاعتكاف سنة حسنة وقربة مأمور بها غير واجبة، ولا لازمة).22

 ã

الاعتكاف ليس من خصائصه صلى الله عليه وسلم

الاعتكاف عبادة من العبادات لم يتركها رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أن هاجر إلى المدينة حتى توفاه الله، وهذا يدل على عدم نسخه، ويدل على عدم تخصيصه برسول الله صلى الله عليه وسلم اعتكاف أزواجه بعده كما صح عن عائشة رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى، ثم اعتكف أزواجه بعده" الحديث.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله معلقاً على حديث عائشة هذا: (ومن الثاني23 أنه لم ينسخ وليس من الخصائص).24

 ã

شروط صحة الاعتكاف

ما من عبادة إلا ولها شروط صحة، وشروط وجوب، وما من عبادة إلا ولها تحليل وتحريم.

فشروط صحة الاعتكاف هي:

 1. الإسلام.

 2. العقل.

 3. النية.

 4. المسجد.

 5. الصوم.

 6. إذن الرجل لزوجه ومملوكه.

 1.  الإسلام

شرط لصحة جميع العبادات، لقوله عز وجل: "وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة"25، وعندما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن قال له: "إنك قادم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوك في ذلك فأعلمهم أن الله كتب عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة.." الحديث، فرتب العبادات على الإيمان.

فالكافر مطالب أولاً بتوحيد الله عز وجل، ثم بعد ذلك بأداء العبادات.

قال الإمام الشيرازي: (لا يصح من الكافر كالصوم).26

 2. العقل

لقد رفع الله القلم عن المجنون حتى يفيق، فالمجنون والمغمى عليه لا يستطيعان التمييز بين ما تحله العبادة وما تحرمه.

وقال الشيرازي رحمه الله: (وأما من زال عقله كالمجنون والمبرسم فلا يصح منه لأنه ليس من أهل العبادات، فلا يصح منه الاعتكاف كالصوم).27

 3. النية

شرط في صحة جميع العبادات، لقوله عز وجل: "وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين" الآية، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات" الحديث.28

 4. المسجد

أ‌. للرجل

هو شرط لصحة اعتكاف الرجل إجماعاً، إذ لا يصح اعتكاف رجل إلا في مسجد، سواء كان جامعاً أم ليس بجامع، لقوله عز وجل: "أن طهِّرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود"29، ولقوله تعالى: "ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد".30

ولقول عائشة رضي الله عنها: "أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يعتكف، فلما انصرف إلى المكان الذي أراد أن يعتكف فيه إذا أخبية، خباء عائشة، وخباء حفصة، وخباء زينب، فقال: آلبِرَّ تقولون بهن؟ ثم انصرف فلم يعتكف حتى اعتكف عشراً من شوال"31، وفي رواية: "آلبر تردن؟".

ولما صحَّ32 عن علي بن الحسين رضي الله عنهما: "أن صفية زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان، فتحدثت عنده ساعة، ثم قامت تنقلب، فقام النبي صلى الله عليه وسلم معها يقلبها، حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة مر رجلان من الأنصار، فسلما على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم: على رسلكما، إنما هي صفية بنت حُيَيّ؛ فقالا: سبحان الله يا رسول الله؛ وكبُر عليهما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الشيطان يبلغ من ابن آدم مبلغ الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئاً".

وبعد إجماعهم على اشتراط المسجد لاعتكاف الرجل اختلفوا في نوعيته إلى مذاهب، هي:

1. في كل مسجد، وهذا مذهب الجمهور أبي حنيفة وأحمد.

2. في المسجد الجامع، وهذا مذهب مالك والشافعي.

3. المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، وهذا مذهب حذيفة بن اليمان.

4. المسجد الحرام والمسجد النبوي فقط، وهذا مذهب عطاء.

5. المسجد النبوي، وهذا مذهب ابن المسيب.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله معلقاً على ترجمة البخاري "باب الاعتكاف في العشر الأواخر، والاعتكاف في المساجد كلها": (أي مشروطية المسجد له من غير تخصيص بمسجد دون مسجد، لقوله تعالى: "ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد" الآية، ووجه الدلالة من الآية أنه لو صح في غير المسجد لم يختص تحريم المباشرة به، لأن الجماع منافٍ للاعتكاف بالإجماع، فعلم من ذكر المساجد أن المراد أن الاعتكاف لا يكون إلا فيها.. واتفق العلماء على مشروطية المسجد للاعتكاف، إلا محمد بن عمر بن لبابة المالكي فأجازه في كل مكان.33

إلى أن قال: وذهب أبو حنيفة وأحمد إلى المساجد التي تقام فيها الصلوات، وخصه أبو يوسف بالواجب منه، أما النفل ففي كل مسجد، وقال الجمهور بعمومه من كل مسجد إلا لمن تلزمه الجمعة، فاستحب له الشافعي في الجامع، وشرطه مالك، لأن الاعتكاف عندهما ينقطع بالجمعة، ويجب بالشروع عند مالك، وخصه طائفة من السلف كالزهري مطلقاً، وأومأ إليه الشافعي في القديم، وخصه حذيفة بن اليمان بالمساجد الثلاثة، وعطاء بمسجد مكة والمدينة، وابن المسيب بمسجد المدينة).34

وقال مالك: (والأمر الذي لا اختلاف فيه أنه لا ينكر الاعتكاف في كل مسجد تجمَّع فيه هذه الجمعة.. فإن مسجداً لا تجمع فيه الجمعة ولا يجب على صاحبه إتيان الجمعة في مسجد سواء، فإني لا أرى بأساً في الاعتكاف فيه لأن الله تبارك وتعالى قال في كتابه: "وأنتم عاكفون في المساجد"، فعم الله المساجد كلها ولم يخص منها شيئاً).35

وقال الماوردي: (أما الاعتكاف فلا يصح إلا في مسجد سابل من جامع أوغيره، وحكي عن حذيفة بن اليمان وابن المسيب أن الاعتكاف لا يصح إلا في ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم، ومسجد إبراهيم عليه السلام، وهو بيت المقدس، وحكي عن الزهري، وحماد، والحكم: أنه لا يصح إلا في مسجد تقام فيه الجمعة، ودليلهم قوله: "ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد"، فعم بالذكر جميع المساجد).36

والخلاصة أن الاعتكاف للرجل يجوز في كل مسجد تقام فيه الصلوات المكتوبة إذا لم تعترض اعتكافه جمعة، فإن اعترضته جمعة فلابد من مسجد جامع إلا لضرورة، ومن نذر أن يعتكف في مسجد معين اعتكف في أي مسجد عدا المسجد الحرام، فمن نذر الاعتكاف فيه لم يف بنذره إلا إذا اعتكف فيه.

ب‌. للمرأة

ذهب أهل العلم في اشتراط المسجد لاعتكاف المرأة مذاهب:

1. المسجد شرط لصحة اعتكاف المرأة، وهذا ما ذهب إليه المالكية، والجديد من قولي الشافعي.

2. المسجد ليس شرطاً لاعتكافها، بل لها أن تعتكف في مسجد بيتها، وهذا مذهب أبي حنيفة، والقديم من قولي الشافعي.37

3. لها أن تعتكف في المسجد مع زوجها، وهذا قول لأحمد ورواية للأحناف.

4. يكره لها أن تعتكف في المسجد الذي تصلى به جماعة، وهو قول الشافعي.

قال سُحنون: (قلت لابن القاسم: ما قول مالك في المرأة تعتكف في مسجد الجماعة؟ فقال: نعم؛ قال: تعتكف في قول مالك في مسجد بيتها؟ فقال: لا يعجبني ذلك، وإنما الاعتكاف في المساجد التي توضع لله).38

وقال المــاوردي: (ولا فرق بين الرجل والمرأة، أي في أن اعتكـافهمـا لا يصح إلا في مسجد).39

وقال ابن مودود الحنفي رحمه الله: (والمرأة تعتكف في مسجد بيتها، وهو الموضع الذي أعدته للصلاة، ويشترط في حقها ما يشترط في حق الرجل في المسجد، لأن الرجل لما كان اعتكافه في موضع صلاته، وكانت صلاتها في بيتها أفضل، كان اعتكافها فيه أفضل، قال صلى الله عليه وسلم: "صلاة المرأة في مخدعها أفضل من صلاتها في مسجد بيتها، وصلاتها في مسجد بيتها أفضل من صلاتها في صحن دارها، وصلاتها في صحن دارها أفضل من صلاتها في مسجد حيها، وبيوتهن خير لهن لو كن يعلمن".

ولو اعتكفت في المسجد جاز لوجود شرائطه، ويكره لما رويناه).40

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله معلقاً على تبويب البخاري "باب اعتكاف النساء": (أي ما حكمه؟ وقد أطلق الشافعي كراهته لهن في المسجد الذي تصلى فيه الجماعة، واحتج بحديث الباب41، فإنه دال على كراهة الاعتكاف للمرأة، إلا أن ابن عيينة زاد في الحديث –أي حديث الباب- أنهن استأذن42 النبي صلى الله عليه وسلم في الاعتكاف، لقطعتُ بأن اعتكاف المرأة في مسجد الجماعة43 غير جائز، انتهى؛ وشرط الحنفية لصحة اعتكاف المرأة أن تكون في مسجد بيتها، وفي رواية لهم أن لها الاعتكاف في المسجد مع زوجها، وبه قال أحمد).44

الذي يترجح لدي والله أعلم أن المرأة عليها أن تعتكف في مسجد بيتها، أي في عقر دارها، وذلك للآتي:

أولاً: لحديث عائشة رضي الله عنها، الذي جاء فيه: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فكنت أضرب له خباء فيصلي الصبح ثم يدخله، فاستأذنت حفصةً عائشةَ أن تضرب خباء، فأذنت لها فضربت خباء، فلما رأته زينب بنت جحش ضربت خباء آخر، فلما اصبح النبي صلى الله عليه وسلم رأى الأخبية، فقال: ما هذا؟ فأخبر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: آلبرَّ ترون بهن؟ فترك الاعتكاف ذلك الشهر، ثم اعتكف عشراً من شوال".45

وذلك لعدم إقراره صلى الله عليه وسلم لهن ولتركه الاعتكاف في ذلك الشهر.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله معلقاً عليه: (فإنه دال على كراهة الاعتكاف للمرأة إلا في مسجد بيتها لأنها تتعرض لكثرة من يراها).46

ثانياً: قياساً واستحساناً على الصلاة المكتوبة، فإن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في مسجد الحي، وصلاتها في مسجد الحي أفضل من صلاتها في مسجد الجماعة، وهكذا، سيما أن الاعتكاف يوجب ملازمة المسجد والمكوث فيه لفترة طويلة، والصلاة الواحدة لا تزيد على ربع ساعة.

ثالثاً: ما أحدثه كثير من النساء في هذا العصر من مزاحمة الرجال ومن عدم التحشم والتستر.

رابعاً: إن اضطرت المرأة للاعتكاف في المسجد سيما في العشر الأواخر من رمضان عليها ألا تعتكف إلا مع زوجها وفي خباء ساتر.

قال ابن قدامة: (وإذا اعتكفت المرأة في المسجد، استحب لها أن تستتر بشيء لأن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لما أردن الاعتكاف أمرن بأبنيتهن فضربت في المسجد، ولأن المسجد يحضره الرجال، وخير لهم وللنساء ألا يرونهن ولا يرينهم).47

تنبيه: يجوز للعبد، والمرأة، والمسافر، والصبي المميز أن يعتكفوا حيث شاءوا من المساجد لعدم وجوب الجمعة عليهم.

 5. الصوم

ذهب أهل العلم في اشتراط الصوم للمعتكف مذاهب:

 1. الصوم ليس شرطاً لصحة الاعتكاف، وهو رواية عن أحمد، ومن الصحابة علي وابن مسعود رضي الله عنهما، واستدلوا بما صح عن ابن عمر رضي الله عنهما: "أن عمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام؛ قال: أوف بنذرك".48

 2. الصوم شرط لصحة الاعتكاف، وهذا مذهب أبي حنيفة، والأوزاعي، ورواية عن أحمد، ومالك من الأئمة، ومن الصحابة عائشة، وابن عمر، وابن عباس رضي الله عنهم، واستدلوا بما روته عائشة رضي الله عنها ترفعه: "لا اعتكاف إلا بصوم".49

 3. يستحب الصوم وليس شرطاً، وهذا مذهب الشافعي ورواية عن أحمد.

قال النووي: (قال الشافعي والأصحاب الأفضل أن يعتكف صائماً، ويجوز بغير صوم، وبالليل، وفي الأيام التي لا تقبل الصوم، وهي العيد وأيام التشريق، هذا هو المذهب وبه قطع الجماهير في جميع الطرق).50

وقال مجد الدين أبو البركات ابن تيمية رحمه الله: (ويصح بلا صوم، إلا أن يشترطه بنذره، وعنه لا يصح بدونه).51

سئل ابن القاسم: (أيكون الاعتكاف بغير صوم في قول مالك؟ فقال: لا يكون إلا بصوم؛ وقال ذلك القاسم بن محمد، ونافع، لقول الله تعالى: "وأتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد"52، فقيل لابن القاسم: ما قول مالك في المعتكف إن أفطر متعمداً، أينتقض اعتكافه؟ فقال: نعم).53

وقال الماوردي رحمه الله: (فأما الصوم فغير واجب فيه، بل إن اعتكف مفطراً جاز، وكذلك لو اعتكف في العيدين وأيام التشريق، أواعتكف ليلاً جاز، وهو قول علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، والحسن البصري، وأبي ثور، والمزني، وقال مالك، وأبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي، وهو في الصحابة قول ابن عمر، وابن عباس، وعائشة رضي الله عنهم، أن الاعتكاف لا يصح بغير صوم، ولا في الأيام التي لا يجوز صيامها، تعلقاً بما رواه الزهري عن عروة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا اعتكاف إلا بصوم"، وبما روي عن عبد الله بن عمر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "يا رسول الله إني نذرت اعتكاف يوم في الجاهلية، فقال: اعتكف وصم".)54

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في شرح حديث ابن عمر السابق: (قوله: "أن اعتكف ليلة"، استدل به على جواز الاعتكاف بغير صوم لأن الليل ليس ظرفاً للصوم، فلو كان شرطاً لأمره النبي صلى الله عليه وسلم به، وجمع ابن حبَّان بين الروايتين بأنه نذر اعتكاف يوم وليلة، فمن أطلق ليلة أراد بيومها، ومن أطلق يوماً أراد بليلته، وقد ورد الأمر بالصوم في رواية عمرو بن دينار عن ابن عمر صريحاً لكن إسنادها ضعيف، وقد زاد فيها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "اعتكف وصم"، أخرجه أبو داود والنسائي من طريق عبد الله بن بديل وهو ضعيف، وذكر ابن عدي والدارقطني أنه تفرد بذلك عن عمرو بن دينار، ورواية من روى يوماً شاذة، وقد وقع في رواية سليمان بن بلال الآتية بعد أبواب "فاعتكف ليلة"، فدل على أنه لم يزد على نذره شيئاً، وأن الاعتكاف لا صوم فيه، وأنه لا يشترط له حد معين.. وقد ترجم البخاري لهذا الحديث بعد أبواب "من لم ير عليه إذا اعتكف صوماً"، وترجمة هذا الباب مستلزمة للثانية لأن الاعتكاف إذا ساغ ليلاً بغير نهار استلزم صحته بغير صيام من غير عكس، وباشتراط الصيام قال ابن عمر، وابن عباس، أخرجه عبد الرزاق عنهما بإسناد صحيح، وعن عائشة نحوه، وبه قال مالك، والأوزاعي، والحنفية، واختلف عن أحمد وإسحاق، واحتج عياض بأنه صلى الله عليه وسلم لم يعتكف إلا بصوم، وفيه نظر، لما في الباب بعده أنه اعتكف في شوال لما سنذكره، واحتج بعض المالكية بأن الله تعالى ذكر الاعتكاف إثر الصوم فقال: "ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد"، وتعقب بأنه ليس فيها ما يدل على تلازمهما، وإلا لكان لا صوم إلا باعتكاف، ولا قائل به).55

الراجح من قولي العلماء أن الصوم ليس شرطاً في صحة الاعتكاف لحديث عمر الصحيح الصريح، فقد أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعتكف ليلة مكان الليلة التي نذرها في الجاهلية ولم يصح أنه أمره بصيام، ولكن يستحب لمن أراد الاعتكاف يوماً فأكثر أن يصوم، والله أعمل.

 6. إذن الرجل لزوجه ومملوكه

لا يصح اعتكاف امرأة زوجها حاضر شاهد إلا بإذنه، سواء كان الاعتكاف نذراً واجباً أوتطوعاً.

وإذا أذن لها في الاعتكاف فلا يحق له أن يمنعها من مواصلة الواجب منه، أما التطوع فله ذلك، ويستحب ألا يقطعه عليها.

أما إذا اعتكفت بغير إذنه فله إخراجها من معتكفها واجباً كان الاعتكاف أم تطوعاً.

ودليل ذلك حديث عائشة السابق عندما أمر صلى الله عليه وسلم بإزالة أخبية أزواجه ومنعهن من الاعتكاف.

وكذلك العبد والأمة لا يجوز اعتكافهما إلا بعد إذن سيدهما، سواء كان اعتكافهما نذراً أم تطوعاً.

قال الحافظ ابن حجر: (قال ابن المنذر وغيره: في الحديث أن المرأة لا تعتكف حتى تستأذن زوجها، وأنها إذا اعتكفت بغير إذنه كان له أن يخرجها، وإن كان بإذنه فله أن يرجع فيمنعها، وعن أهل الرأي56 إذا أذن لها الزوج ثم منعها أثم بذلك، وامتنعت، وعن مالك ليس له ذلك، وهذا الحديث حجة عليهم).57

وقال الماوردي رحمه الله: (أما المرأة فليس لها أن تعتكف إلا بإذن زوجها لما يملك من الاستمتاع بها، فإن اعتكفت بغير إذنه كان له منعها، ولو أذن لها في الاعتكاف ثم أراد منعها قبل تمام ذلك جاز له، وإن كان الأولى تمكينها من إتمامه، ولم يجــز له ذلك إن كان اعتكـافهـا متتابعاً).58

 ã

أركان الاعتكاف

 1. اللبث في المسجد.

 2. تجنب الجماع ومقدماته.

 3. اجتناب الكبائر.

 4. الإسلام.

 5. العقل.

 6. الطهارة من الحيض.

وعليه فإن الاعتكاف يفسد ويبطل بارتكاب أواختلاف أي واحد منها.

 ã

مبطلات الاعتكاف

هي:

 1. الخروج لغير حاجة الإنسان

لا يجوز لمن شرع في الاعتكاف أن يخرج من معتكفه قبل انقضائه إلا للآتي:

1. قضاء الحاجة، البول والغائط، ولو كثر خروجه لإسهال أوبول لا يضر.

2. لغسل الجنابة ولغسل الجمعة.

3. للأكل والشرب إن لم يقدر على الأكل والشرب في معتكفه.

4 . إذا مرض مرضاً لا يستطيع معه البقاء في المعتكف.

5. إذا تعينت عليه شهادة لا يمكن تأجيلها.

6. إن خاف على نفسه من حريق، أوهدم، أوسرقة، أوحاكم، أونحوه في المسجد.

7. إذا أخرجه الحاكم.

8 . إذا حاضت المرأة.

9. إذا مات زوج المرأة أوطلقت تخرج للعدة في أرجح قولي العلماء، وقيل تجلس حتى تتم اعتكافها.

10. إذا خاف المعتكف فوات الحج خرج وبنى إن كان اعتكافه واجباً، واستأنف إن كان تطوعاً بعد الحج.

11. إن خرج من اعتكافه لأداء عمرة سواء كان في العشر الأواخر وفي غيرها، وسواء كان في الحرم المكي أوفي غيره بطل اعتكافه، لأن الاعتكاف عبادة من لوازمها المكث في المسجد فلا يجوز الخروج منه إلا لحاجة الإنسان.

12 . أن يخرج ناسياً لاعتكافه.

13. إن كان مؤذناً وليس هناك مكبر صوت له أن يخرج من المسجد ويصعد المنارة.

14. إذا اعتكف في مسجد لا تقام فيه الجمعة خرج للجمعة، فإن كان اعتكافه واجباً فقد بطل ويستأنف بعد.

15. إذا جُنَّ المعتكف أوأغمي عليه يُخرَج من المسجد.

قال النووي: (أما إذا جُنَّ فلم يخرجه وليه من المسجد حتى أفاق لم يبطل اعتكافه، قال المتولي: لكن لا يحسب زمان الجنون من اعتكافه).59

وذلك لقول عائشة رضي الله عنها: "كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يخرج إلى البيت إلا لحاجة الإنسان"60، كناية عن البول والغائط.

فإذا صح المريض وطهرت الحائض رجعا إلى معتكفهما وإلا بطل اعتكافهما، وهكذا فكل من خرج لحاجة لابد له من الخروج لها رجع بعد انقضائها مباشرة وإلا بطل اعتكافه.

قال الشافعي رحمه الله61: (ويخرج للغائط والبول إلى منزله62 وإن بَعُد؛ وقال: وإن كانت عليه شهادة فعليه أن يجيب، فإن فعل خرج من اعتكافه؛ وقال أيضاً: وإن مرض، أوأخرجه السلطان واعتكافه واجب فإذا برئ، أوخلي عنه بنى، فإن مكث بعد برئه شيئاً من عذر ابتدأ).

وقال الماوردي في شرح كلام الشافعي السابق: (.. أن يكون مرضه يسيراً يمكنه من المقام معه في المسجدن كالصداع، ووجع الضرس، ونفور العين، فهو ممنوع من الخروج من المسجد، فإن خرج بطل اعتكافه، ولزمه استئنافه لأنه خرج مختاراً لغير حاجة.

والحالة الثانية: أن يكون مرضه زائداً لا يقدر معه على المقام في المسجد، فهذا يجوز الخروج من المسجد إلى منزله، فإذا برئ عاد إلى المسجد وبنى على اعتكافه لأنه خرج غير مختار فصار كالخارج لحاجة الإنسان).63

وقال ابن القاسم: (وسألت مالكاً عن المعتكف أيخرج من المسجد يوم الجمعة للغسل؟ فقال: نعم، لا بأس بذلك؛ قال: وسئل مالك عن المعتكف تصيبه الجنابة، أيغسل ثوبه إذا خرج فاغتسل؟ فقال: لا يعجبني ذلك، ولكن يغتسل ولا ينتظر غسل ثوبه وتجفيفه.

قال: وسألت مالكاً عن المعتكف أيخرج ويشتري لنفسه طعاماً إذا لم يكن له من يكفيه؟ فقال لي مالك مرة: لا بأس بذلك؛ ثم قال بعد ذلك: لا أرى ذلك له؛ قال: وأحب إليَّ إذا أراد أن يدخل اعتكافه أن يفرغ من حوائجه.

وقال سُحنون: قلت لابن القاسم: أرأيت معتكفاً أخرج في حد عليه، أوخرج فطلب حداً، أوخرج يقتضي له ديناً، أوأخرجه غريم له، أيفسد اعتكافه في هذا كله؟ فقال: نعم؛ فقال: أتحفظه عن مالك؟ فقال: لا).64

وعن ابن شهاب وربيعة قالا: (إذا حاضت المعتكفة رجعت إلى بيتها، فإذا طهرت رجعت إلى المسجد حتى تقضي اعتكافها فهي التي جعلته عليها).65

وقال الشافعي رحمه الله: (وإن هلك زوجها خرجت فاعتدت ثم بنت).66

وقال الماوردي: (فإن اعتكفت المرأة ثم وجب عليها العدة بطلاق زوجها أووفاته لزمها الخروج إلى منزلها لتقضي فيه عدتها، وقال مالك: تكمل اعتكافها، ثم تخرج لقضاء عدتها، لأن الحقين إذا وجبا قدِّم أقواهما، والعدة أقوى من الاعتكاف).67

وقال ابن قدامة: (إن المعتكفة إذا توفي زوجها لزمها الخروج لقضاء العدة، وبهذا قال الشافعي، وقال ربيعة، ومالك، وابن المنذر: تمضي في اعتكافها حتى تفرغ منه ثم ترجع إلى بيت زوجها فتعتد فيه، لأن الاعتكاف المنذور واجب، والاعتداد في البيت واجب، فقد تقدم واجبان فيقدم أسبقهما؛ ولنا أن الاعتداد في بيت زوجها واجب، فلزمها الخروج إليه).68

وقال الحافظ ابن حجر في شرحه لقول عائشة رضي الله عنها: "وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفاً" الحديث: (زاد مسلم إلا لحاجة الإنسان، وفسرها الزهري بالبول والغائط، وقد اتفقوا على استثنائهما، واختلفوا في غيرهما من الحاجات كالأكل والشرب، ولو خرج لها فتوضأ خارج المسجد لم يبطل، ويلتحق بهما القيء والفصد لمن احتاج إليه).69

وقال النووي عن مذاهب العلماء في خروج المعتكف من اعتكاف منذور متتابع كصلاة الجمعة، ذكرنا أن الصحيح من مذهبنا بطلان اعتكافه، وبه قال مالك، وهو رواية عن أبي حنيفة، وقال سعيد بن جبير، والحسن البصري، والنخعي، وأحمد، وعبد الملك من أصحاب أحمد، وابن المنذر، وداود، وأبو حنيفة، في رواية عنه: لا يبطل اعتكافه).70

وقال مالك في المطلقة والمتوفى عنها زوجها وهي معتكفة: (تمضي على اعتكافها حتى تفرغ منه، ثم ترجع إلى بيت زوجها وتعتد فيه ما بقي من عدتها).71

2. الجماع ومقدماته

أ. الجماع

على المعتكف تجنب الجماع فإنه مفسد للاعتكاف إجماعاً، قال تعالى: "ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون".

قال الحافظ ابن حجر: (نقل ابن المنذر الإجماع على أن المراد بالمباشرة في الآية الجماع، وروى الطبري وغيره من طريق قتادة في سبب نزول الآية: كانوا إذا اعتكفوا فخرج الرجل لحاجته فلقي امرأته جامعها إن شاء، فنزلت الآية، إلى أن قال: واتفقوا على فساده بالجماع حتى قال الحسن والزهري: من جامع فيه لزمته الكفارة؛ وعن مجاهد: يتصدق بدينارين72، واختلفوا في غير الجماع، ففي المباشرة أقوال ثالثها: إن أنزل بطل وإلا فلا).73

فرق بعض أهل العلم بين جماع العامد والناسي فأبطلوا اعتكاف العامد للجماع، ولم يبطلوا اعتكاف الناسي له، وسوَّى بينهما فريق آخر.

جاء في المدونة: (قلت: أرأيت إن جامع ليلاً أونهاراً في اعتكافه ناسياً أيفسد اعتكافه؟ قال: نعم، ينتقض ويبتدئ، وهو مثل الظهار إذا وطئ فيه).74

وقال الماوردي: (فإن في الفرج فضربان عامد وناسي، فإن وطئ ناسياً لم يبطل اعتكافه؛ وقال أبو حنيفة: يبطل كالعامد، ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"، ولأن الصوم مع تعليقه بالكفارة لا يبطل بوطء النسيان، فكان الاعتكاف بذلك أولى، فإن وطئ عامداً في قبُل أودبر فقد بطل اعتكافه، أنزل أم لم ينزل، لقوله تعالى: "ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد"، وعليه القضاء إن كان واجباً، ولا كفارة عليه، فإن مات قبل القضاء سقط عنه، وهو قول جماعة الفقهاء، وقال الحسن البصري والزهري: عليه كفارة الوطء في رمضان؛ وهذا خطأ، لأن الاعتكاف عبادة، ويتعلق وجوبها بمال، ولا ينوب عنها المال، فوجب ألا تلزم الكفارة بإفسادها كالصلاة).75

وقال ابن قدامة: (فإن وطئ في الفرْج متعمداً أفسد اعتكافه بإجماع أهل العلم، حكاه ابن المنذر عنهم، ولأن الوطء إذا حُرِّم في العبادة أفسدها، كالحج والصوم، وإن كان ناسياً فكذلك عند إمامنا، وأبي حنيفة، ومالك، وقال الشافعي: لا يفسد اعتكافه لأنها مباشرة لا تفسد الصوم، فلم تفسد الاعتكاف كالمباشرة فيما دون الفرج، ولنا أن ما حُرِّم في الاعتكاف استوى عمده وسهوه في إفساده كالخروج من المسجد).76

وقال ابن مودود الحنفي: (فإن جامع ليلاً أونهاراً عامداً أوناسياً بطل)77 أي اعتكافه.

ب. مقدمات الجماع

مقدمات الجماع كالقبلة ونحوها إما أن تكون بشهوة أوبدون شهوة، فإن كانت بشهوة فقد بطل اعتكافه مع تفصيل لأهل العلم في ذلك، وإن لم تكن بشهوة فهو على اعتكافه.

صح عن عائشة رضي الله عنها قالت: "وإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدخل رأسه وهو في المسجد فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفاً" الحديث.

فدلَّ على أن الملامسة والمباشرة من غير شهوة لا تبطل الاعتكاف.

قال المزني: قال الشافعي: لا يباشر المعتكف، فإن فعل أفسد اعتكافه.

وقال في موضع من مسائل في الاعتكاف: لا يفسد الاعتكاف من الوطء إلا ما يوجب الحد.

قال المزني: هذا أشبه بقوله، لأنه منهي في الاعتكاف، والصوم، والحج عن الجماع، فلما لم يفسد عنده صوم ولا حج بمباشرة دون ما يوجب الحد أوالإنزال في الصوم كانت المباشرة في الاعتكاف كذلك عندي في القياس).78

وقال الماوردي: (وأما المباشرة في غير الفرج فضربان: إحداهما لشهوة، والثاني لغير شهوة؛ فإن كان لغير شهوة كأن مس بدنها لعارض وقبلها عند قدومها من سفر غير قاصد للذة فهذا غير ممنوع).79

وقال ابن قدامة: (فأما المباشرة دون الفرج فإن كانت لغير شهوة فلا بأس بها، مثل أن تغسل رأسه، أوتَفْليه، أوتناوله شيئاً.. وإن كانت عن شهوة فهي محرمة).80

 3. الردة

إذا ارتد المسلم فقد بطل اعتكافه، فإن رجع إلى الإسلام هل يبني على ما مضى أم يستأنف إذا كان اعتكافه واجباً؟ قولان، قـال تعالى: "لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخــاسرين".81

 4. ارتكاب الكبائر

من ارتكب كبيرة وهو معتكف كالزنا والسرقة فقط بطل اعتكافه، لقوله تعالى: "تلك حدود الله فلا تقربوها" الآية.

قال القرطبي: (والمعتكف إذا أتى كبيرة فسد اعتكافه، لأن الكبيرة ضد العبادة، كما أن الحدث ضد الطهارة والصلاة، وترك ما حرم الله تعالى عليه أعلى منازل الاعتكاف في العبادة، قاله ابن خوَيْزمَنْداد عن مالك).82

وقال ابن شهاب الزهري: (وإن أحدث ذنباً مما نهي عنه في اعتكافه فإن ذلك يقطع عنه اعتكافه حتى يستقبله من أوله).83

وقال الشافعي في كتاب الأم: (وإذا شرب المعتكف نبيذاً فسكر بطل اعتكافه).84

وقال النووي: (ببطلان اعتكاف السكران والمرتد جميعاً بطرآن السكر والردة، لأنهما أفحش من الخروج من المسجد).85

 5. الجنون والإغماء

إذا جُنَّ المعتكف أوأغمي عليه فقد بطل اعتكافه، وإذا فاق بنى.

قال الماوردي: (فأما إذا جُنَّ المعتكف ثم أفاق فلا يختلف المذهب أنه يبني على اعتكافه، سواء خرج من المسجد في حال جنونه أم لا، وكذلك لو أغمي عليه، أونام طول يومه كان على اعتكافه، غير أن مدة الإغماء غير معتد بها، ومدة النوم معتد بها لأن النائم كالمستيقظ في جريان الحكم عليه، والله أعلم).86

 6. الحيض

إذا حاضت المرأة فسد اعتكافها، وعليها الخروج من المسجد، فإذا طهرت عادت وبنت، وكذلك لو خرجت لقضاء عدة من طلاق أووفاة عادت بعد انقضاء عدتها وبنت على ما كان من اعتكافها، أما المستحاضة فلا تخرج ولكنها تؤمر بأن تتحفظ.

قال الماوردي: (وإذا حاضت المرأة في اعتكافها خرجت من المسجد، فإذا طهرت عادت إلى اعتكافها، وبنت لأنها مضطرة إلى الخروج ممنوعة المقام، فأما المستحاضة فليس لها الخروج من اعتكافها لأن الاستحاضة لا تمنع من المقام في المسجد وإن خرجت بطل اعتكافها).87

وقال الشافعي رحمه الله: (وإن هلك زوجها خرجت فاعتدت ثم بنت).88

وقال مجد الدين ابن تيمية: (ويسن للمعتكفة إذا حاضت أن تمكث مدة الحيض في خباء تضربه في رحبة المسجد إلا أن تخشى ضرراً، فتمكث في بيتها).89

 ã

ما يكره للمعتكف فعله اتفاقاً

يكره للمعتكف أن يشتغل بغير ذكر الله وما لا بد له منه من حاجات، سيما:

 1. الجدل والمراء.

 2. السباب والفاحش من القول.

 3. اللغو.

 4. الغيبة والنميمة.

 5. النظر إلى المحرمات.

 6. الصمت عن الكلام يوماً إلى الليل تعبداً.

قال ابن قدامة: (ويجتنب ما لا يعنيه من الأقوال والأفعال، ولا يكثر الكلام، لأن من كثر كلامه كثر سقطه، وفي الحديث: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"90، ويجتنب الجدال، والمراء، والسباب، والفحش، فإن ذلك مكروه في غير الاعتكاف، ففيه أولى، ولا يبطل الاعتكاف بشيء من ذلك.

إلى أن قال:

وقال علي: (أيما رجل اعتكف فلا يساب، ولا يرفث في الحديث، ويأمر أهله بالحاجة وهو يمشي، ولا يجلس عندهم، رواه الإمام أحمد).91

 ã

ما اختلف في كراهيته للمعتكف

 1. الاشتغال بالتجارة والاحتراف

اختلف أهل العلم في جواز الاشتغال بالبيع والشراء والاحتراف للمعتكف، فمنهم من أجاز له ذلك ومنهم من كرهه، والراجح كراهة ذلك في المسجد سواء للمعتكف أولغيره، بل المعتكف أولى بالمنع من ذلك من غيره، للحديث عن المساجد: "إنما بنيت المسـاجـد لذكـر الله والصلاة".92

ولقوله صلى الله عليه وسلم: "جنبوا مساجدكم بيعكم وشراءكم".93

قيل لابن القاسم: (ما قول مالك في المعتكف يشتري ويبيع في حال اعتكافه؟ فقال: نعم، إذا كان شيئاً خفيفاً لا يشغله عن عيش نفسه).94

أما ما لابد له منه فله أن يشتري أكله وشرابه، ويخيط ثوبه إذا انفتق، وهكذا.

وقال الشافعي: (ولا بأس أن يشتري، ويبيع، ويخيط، ويجالس العلماء، ويحدث بما أحب ما لم يكن مأثماً، ولا يفسده سباب ولا جدال).95

وقال النووي عن مذاهب العلماء في بيع المعتكف وشرائه: (قد ذكرنا أن الأصح من مذهبنا كراهته إلا لما لابد منه، قال ابن المنذر: وممن كرهه عطاء، ومجاهد، والزهري، ورخص فيه أبو حنيفة، وقال سفيان الثوري وأحمد: يشتري الخبزإذا لم يكن له من يشتري له، وعن مالك رواية كالثوري، ورواية يشتري ويبيع اليسير، قال ابن المنذر: وعندي لا يبيع ولا يشتري إلا ما لابد له منه إذا لم يكن له من يكفيه لقضاء حاجة الإنسان فباع واشترى في مروره لم يكره، والله أعلم).96

وقال الخرقي: (والمعتكف لا يتجر، ولا يكتسب بالصنعة).97

قال ابن قدامة في شرح ما قال الخرقي: (وجملته أن المعتكف لا يجوز له أن يبيع ولا يشتري إلا ما لابد له منه، قال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: المعتكف لا يبيع ولا يشتري إلا ما لابد له منه، طعام ونحو ذلك، التجارة، والأخذ، والعطاء، فلا يجوز شيء من ذلك.

وقال الشافعي: لا بأس أن يبيع، ويشتري، ويخيط، ويتحدث، ما لم يكن مأثماً؛ ولنا ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن البيع والشراء في المسجد، رواه الترمذي، وقال: حديث حسن، ورأى عمران القصير رجلاً يبيع في المسجد، فقال: يا هذا، إن هذا سوق الآخرة، فإن أردت البيع فاخرج إلى سوق الدنيا؛ وإذا منع من البيع والشراء في غير حال الاعتكاف، ففيه أولى.

فأما الصنعة فظاهر كلام الخرقي أنه لا يجوز منها ما يكتسب به، لأنه بمنزلة التجارة بالبيع والشراء، ويجوز ما يعمله لنفسه كخياطة قميصه ونحوه.

وقد روى المروزي قال: سألت أبا عبد الله عن المعتكف، ترى له أن يخيط؟ قال: لا ينبغي له أن يعتكف إذا كان يريد أن يفعل؛ وقال القاضي98: لا تجوز الخياطة في المسجد، سواء كان محتاجاً إليها أولم يكن، قلَّ أوكثر، لأن ذلك معيشة، أوتشغل عن الاعتكاف، فأشبه البيع والشراء فيه.

والأولى أن يباح له ما يحتاج إليه من ذلك إذا كان يسيراً، مثل أن ينشق قميصه فيخيطه، أوينحل شيء يحتاج إلى ربط فيربطه، لأن هذا يسير تدعو الحاجة إليه، فيجري مجرى لبس قميصه وعمامته وخلعهما).99

 ã

 2. زيارة المريض، وشهود الجنائز إذا كانت خارج المسجد وتشييعها

اختلف أهل العلم كذلك في جواز ذلك للمعتكف، فمنهم من منعه عن ذلك وهو الراجح لفعله صلى الله عليه وسلم وفعل أصحابه، ومنهم من أجاز له ذلك.

عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفاً".100

قال الحافظ ابن حجر: (واختلفوا في غيرهما101 من الحاجات كالأكل والشرب، ولو خرج لهما فتوضأ خارج المسجد لم يبطل، ويلتحق بهما القيء والفصد لمن احتاج إليه، ووقع عند أبي داود من طريق عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: "السنة على المعتكف أن لا يعود مريضاً، ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة إلا لما لابد منه"، قال أبو داود: غير عبد الرحمن لا يقول فيه البتة؛ وجزم الدارطني بأن القدر الذي من حديث عائشة قولها: "لا يخرج إلا لحاجة" وما عداه ممن دونها102، وروينا عن النخعي والحسن البصري: إن شهد المعتكف جنازة أوعاد مريضاً أوخرج لجمعة بطل اعتكافه؛ وبه قال الكوفيون، وابن المنذر في الجمعة، وقال الثوري، والشافعي، وغسحاق: إن شرط شيئاً من ذلك في ابتداء اعتكافه لم يبطل اعتكافه بفعله، وهو رواية عن أحمد).103

وقال ابن القاسم: (وسألت مالكاً عن المعتكف أيصلي على الجنائز وهو في المسجد؟ فقال: لا يعجبني أن يصلي على الجنائز وإن كان في المسجد؛ قال ابن نافع: قال مالك: وإن انتهى إليه زحام الناس الذين يصلون على الجنازة وهو في المسجد فإنه لا يصلي عليها، ولا يعود مريضاً معه في المسجد إلا أن يصلي إلى جنبه فيسلم عليه؛ قال: وقال مالك: لا يعود المعتكف مريضاً ممن هو في المسجد معه، ولا يقوم إلى رجل يعزيه بمصيبة، ولا يشهد نكاحاً يعقد في المسجد يقوم إليه في المسجد، ولكن لو غشيه ذلك في مجلسه لم أر بأساً؛ قال: ولا يقوم إلى الناكح فيهنئه، ولا بأس أن ينكح المعتكف، ولا يشغل في مجالس العلم.

قال: فقيل له: أفيكتب العلم في المسجد؟ فكره ذلك؛ قال سُحنون: وقال ابن نافع في الكتاب: إلا أن يكون الشيء الخفيف، والترك أحب إليه، قال ابن وهب عن مالك: وسئل عن المعتكف يجلس في مجلس العلماء ويكتب العلم؟ فقال: لا يفعل ذلك إلا أن يكون الشيء الخفيف والترك أحب إليَّ؛ قال سُحنون عن ابن وهب عن محمد بن عمر، وعن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح أنه قال: لا باس أن تنكح المرأة وهي معتكفة ويقول إنما هو كلام).104

وقال الشافعي: (ولا يعود المريض، ولا يشهد الجنازة إذا كان اعتكافه واجباً).105

قال الماوردي: (أما عيادة المريض في المسجد أوحضور جنازة في المسجد فلا يمنع منه المعتكف، فأما إن خرج من المسجد لعيادة مريض أوحضور جنازة من غير شرط كان في نيته لم يخل حاله من أحد أمرين:

o  إما أن يكون من ذوي رحمه، وليس له من يقوم بمرضه أوبدفنه، فهو مأمور بالخروج لأجله، وإذا خرج عاد وبنى على اعتكافه، كالعدة التي تخرج المرأة لأجلها ثم ترجع فتبني، وفيه وجه آخر106 أنه يستأنف.

o  وإما أن يون بخلاف ذلك، فهو ممنوع من عيادته وحضور جنازته، فإن خرج بطل اعتكافه.107

وقال أبو عيسى الترمذي رحمه الله: (إذا اعتكف الرجل لا يخرج من اعتكافه إلا لحاجة الإنسان، وأجمعوا على هذا، أنه يخرج لقضاء حاجته للغائط والبول، ثم اختلف أهل العلم في عيادة المريض وشهود الجمعة والجنازة للمعتكف، فرأى بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم أن يعود المريض، ويشيع الجنازة، ويشهد الجمعة إذا اشترط ذلك، وهو قول سفيان الثوري وابن المبارك.

وقال بعضهم: ليس له أن يفعل شيئاً من هذا، ورأوا للمعتكف إذا كان في مصر يجمَّع فيه أنه لا يعتكف إلا في المسجد الجامع، لأنهم كرهوا له الخروج من معتكفه إلى الجمعة، ولم يروا له أن يترك الجمعة، فقالوا: لا يعتكف إلا في المسجد الجامع، حتى لا يحتاج إلى أن يخرج من معتكفه لغير قضاء حاجة الإنسان، لأن خروجه لغير قضاء حاجة الإنسان قطع عندهم للاعتكاف، وهو قول مالك والشافعي.

وقال أحمد: لا يعود المريض، ولا يتبع الجنازة على حديث عائشة.

وقال إسحاق: إن اشترط ذلك فله أن يتبع الجنازة ويعود المريض).108

وقال ابن قدامة رحمه الله: (في الخروج لعيادة المريض وشهادة الجنازة مع عدم الاشتراط، اختلفت الرواية عن أحمد في ذلك، فروي عنه ليس له فعله، وهو قول عطاء، وعروة، ومجاهد، والزهري، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، وروى عنه الأثرم ومحمد بن الحكم أن له أن يعود المريض، ويشهد الجنازة، ويعود إلى معتكفه، وهو قول علي رضي الله عنه، وبه قال سعيد بن جبير، والنخعي، والحسن، لما روى عاصم بن حمزة عن علي قال: إذا اعتكف الرجل فليشهد الجمعة، وليعد المريض، وليحضر الجنــازة، وليأت أهله، وليأمرهم بالحــاجـة وهو قائم).109

 3. اشتراط المعتكف قطع اعتكافه أوالخروج لما له بد منه

الاشتراط يكون في الخروج منه وفي نذر التطوع في الخروج من المسجد لغير حاجة الإنسان، فهو نوعان:

1. أن يشترط قطع اعتكافه بأن يقول: لله عليَّ اعتكاف عشرة أيام متتاليات إلا أن يعرض لي كذا وكذا فأقطع.

2. أن يشترط الخروج من معتكفه لغير حاجة الإنسان فيقول: لله عليَّ اعتكاف عشرة أيام متتاليات إلا أن يعرض لي كذا وكذا فأخرج ثم أعود.

فمن أهل العلم من أجاز للمعتكف أن يشترط لقطع اعتكافه والخروج من معتكفه لفعل مباح، ومنهم من منع عن ذلك.

قال مالك رحمه الله: (لم أسمع أن أحداً من أهل العلم يذكر أن في الاعتكاف شرطاً لأحد، وإنما الاعتكاف عمل من الأعمال كهيئة الصلاة، والصيام، والحج، فمن دخل في شيء من ذلك فإنما يعمل فيه بما مضى من السنة في ذلك، وليس له أن يحدث في ذلك غير ما مضى عليه الأمر بشرط يشترطه أوبأمر يبتدعه، وإنما الأعمال في هذه الأشياء بما مضى فيها من السنة، وقد اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرف المسلمون سنة الاعتكاف)110، يعني ولم يشترطوا.

وقال الشافعي رحمه الله: (ولا بأس أن يشترط في الاعتكاف الذي أوجبه بأن يقول: إن عرض لي عارض خرجت).111

وقال الماوردي رحمه الله: (وجملة الاعتكاف ضربان: واجب وتطوع، فأما التطوع فلا يفتقر إلى شرط الخيار في المقام على اعتكافه والخروج منه، وأما الواجب فهو النذر وهو على ضربين:

 o  مطلق بغير شرط.

 o  ومقيد بشرط.

فالمطلق بغير شرط فهو ممنوع فيه من الخروج إلا لحاجة الإنسان، فإن خرج  لغيرها بطل اعتكافه، وأما المقيد بشرط فهو على ضربين:

 o  أحدهما أن يشترط قطع اعتكافه.

 o  والثاني أن يشترط الخروج منه.

إلى أن قال: فإذا تقرر جواز اشتراط الخروج من الاعتكاف دون ما سواه من العبادات، لم يخل حال ما اشترطه وخرج له من أحد أمرين: إما أن يكون محظوراً أومباحاً، فإن كان مباحاً كاستقبال قادم، أواقتضاء غريم، ولقاء سلطان، أوكان مستحباً كعيادة مريض، وتشييع جنازة، أوكان واجباً كحضور الجمعة، جاز، ولزمه العود إلى اعتكافه والبناء عليه، وتكون مدة خروجه مستثناة بالشرع، وإن كان محظوراً فعلى ضربين:

 o  أن ينافي الاعتكاف، كالوطء، فإن خرج من اعتكافه ووطئ بطل اعتكافه ولزمه استئنافه.

 o والضرب الثاني: أنه لا ينافي الاعتكاف ولكنه ينقصه كالسرقة وقتل النفس المحرمة، ففي بطلان اعتكافه وجهان: أحدهما قد بطل112، والوجه الثاني: لا يبطل وله البناء عليه).113

وقال ابن قدامة رحمه الله: (إذا اشترط فعل ذلك114 في اعتكافه فله فعله، واجباً كان الاعتكاف أوغير واجب، وكذلك ما كان قربة، كزيارة أهله، أورجل صالح، أوعالم، أوشهود جنازة، وكذلك ما كان مباحاً كالعَشَاء في منزله، والمبيت فيه، فله فعله، قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يُسأل عن المعتكف يشترط أن يأكل في أهله؟ قال: إذا اشترط فنعم؛ قيل له: وتجيز الشرط في الاعتكاف؟ قال: نعم؛ قلت له: فيبيت في أهله؟ قال: إذا كان تطوعاً جاز.

وممن أجاز أن يشترط العشاء في أهله الحسن، والعلاء بن زياد، والنخعي، وقتادة، ومنع منه أبو مِجْلَز، ومالك، والأوزاعي.

قال مالك: لا يكون في الاعتكاف شرط، ولنا أنه يجب بعقده، فكان الشرط كالوقوف، ولأن الاعتكاف لا يختص بقدر، فإذا شرط الخروج فكأنه نذر القدر الذي أقامه، وإن قال: متى مرضت أوعرض لي عارض خرجت جاز شرطه.

وإن شرط الوطء في اعتكافه، أوالفرجة، أوالنزهة، أوالبيع للتجارة، أوالتكسب بالصناعة في المسجد لم يجز.

 ã

ما يباح للمعتكف

يباح للمعتكف ما يأتي:

 1. التنظف وتغيير الثياب ولبس ما شاء منها.

 2. الأكل والشرب في المسجد.

 3. محادثة الإخوان والأنس معهم.

 4. أن يخطب ويتزوج.

 5. أن يصعد إلى سطح المسجد أوينزل في قبوه.

 6. الحلق وتقليم الأظافر.

 7. التطيب.

 ã

ما يستحب للمعتكف

 1. يستحب للمعتكف أن يعتكف في خباء وستر، وإن لم يتمكن من ذلك كما هو الحال في الحرمين الشريفين فعليه أن يلزم مكاناً ساتراً معيناً واحداً لا يتركه إلا لضرورة، وعليه أن يتجنب المداخل، ومناطق الصلاة، والزحام، ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.

 2. المحافظة على الصلوات المكتوبة، والسنن الرواتب، والنوافل.

 3. الإكثار من تلاوة القرآن.

 4. لا يزال لسانه رطباً من ذكر الله.

 5. الصيام في غير رمضان لمن اعتكف نهاراً.

 6. الاجتهاد في الطاعات عموماً والإكثار منها.

 7. لا يشتغل بما لا حاجة له به.

 ã

أقل الاعتكاف وأكثره

لا حدَّ لأقل اعتكاف التطوع ولا لأكثره، ولكن السنة لمن اعتكف العشر الأواخر من رمضان ألا يخرج إلا بعد ثبوت هلال شوال، ولأهل العلم في أقل الاعتكاف مذاهب بعد أن أجمعوا ألا حد لأكثره، فمنهم من قال أقله لحظة، ومنهم من قال ساعة، ومنهم من قال يوم وليلة، ومنهم من قال أقله عشرة أيام، وهكذا.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (واتفقوا على أنه لا حد لأكثره، واختلفوا في أقله، فمن شرط فيه الصيام قال: أقله يوم؛ ومنهم من قال: يصح مع شرط الصيام في دون اليوم؛ حكاه ابن قدامة، وعن مالك يشترط عشرة أيام، وعنه يوم أويومان، ومن لم يشترط الصوم قالوا: أقله ما يطلق عليه اسم لبث، ولا يشترط القعود، وقيل يكفي المرور مع النية كوقوف عرفة.

وروى عبد الرزاق عن يَعْلَى بن أمية الصحابي أنه قال: "إني لأمكث في المسجد الساعة، وما أمكث إلا لأعتكف".115

وقال القرطبي رحمه الله: (أقل الاعتكاف عند مالك وأبي حنيفة يوم وليلة، فإن قال: لله عليَّ اعتكاف ليلة، لزمه اعتكاف ليلة ويوم، وكذلك إذا نذر اعتكاف يوم لزمه يوم وليلة، وقال سُحنون: من نذر اعتكاف ليلة فلا شيء عليه، كما قال سُحنون؛ وقال الشافعي: عليه ما نذر، إن نذر ليلة فليلة، وإن نذر يوماً فيوماً؛ قال الشافعي: أقله لحظة ولا حد لأكثره.

وقال بعض أصحاب أبي حنيفة: يصح الاعتكاف ساعة، وعلى هذا القول فليس من شرطه الصـوم، وروي عن أحمد بن حنبل في أحد قوليه، وهو قول داود بن علي وابن علية، واختاره ابن المنذر وابن العربي).116

وقال ابن مودود الحنفي رحمه الله: (ومن أوجب على نفسه اعتكاف أيام لزمته بلياليها متتابعة، ولو نوى النهار خاصة صُدِّق).117

 ã

متى يدخل من نوى اعتكاف العشر الأواخر من رمضان؟ ومتى يخرج؟

أ.  متى يدخل معتكفه؟

ذهب أهل العلم في دخول المعتكف العشر الأواخر من رمضان المسجد مذهبين:

الأول: يدخل بعد صلاة فجر يوم واحد وعشرين من رمضان، وهذا مذهب الأوزاعي، والليث، والثوري، وأحمد، وإسحاق من الأئمة، وحجتهم حديث عائشة: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل في معتكفه".118

وخرَّج البخاري في صحيحه عن عائشة كذلك قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف في كل رمضان، فإذا صلى الغداة دخل مكانه الذي اعتكف فيه"119.

وهذا هو الراجح.

الثاني: يدخل قبيل غروب شمس ليلة إحدى وعشرين من رمضان، وهذا مذهب الأئمة الأربعة وطائفة من أهل العلم، وأولوا حديث عائشة بتأويلات مختلفة، كلها فيها نظر.

قال الحافظ الترمذي معلقاً على حديث عائشة السابق: (والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، يقولون: إذا أراد الرجل أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل في معتكفه، وهوقول أحمد120، وإسحاق بن إبراهيم.

وقال بعضهم: إذا أراد أن يعتكف فلتغب الشمس من الليلة التي يريد أن يعتكف فيها من الغد وقد قعد في معتكفه، وهو قول الثوري ومالك بن أنس).121

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في شرح حديث عائشة السابق: (وفيه أن أول الوقت الذي يدخل فيه المعتكف بعد صلاة الصبح، وهو قول الأوزاعي، والليث، والثوري، وقال الأئمة الأربعة وطائفة: يدخل قبيل غروب الشمس، وأولوا الحديث على أنه دخل من أول الليل، ولكن إنما تخلى بنفسه في المكان الذي أعده لنفسه بعد صلاة الصبح).122

وقال القرطبي رحمه الله: (اختلف العلماء في وقت دخول المعتكف في اعتكافه، فقال الأوزاعي بظاهر هذا الحديث123، وروي عن الثوري والليث بن سعد في أحد قوليه، وبه قال ابن المنذر وطائفة من التابعين، وقال أبو ثور: إنما يفعل هذا من نذر عشرة أيام، فإن زاد عليها فقبل غروب الشمس، وقال مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأصحابهم: إذا أوجب على نفسه اعتكاف شهر دخل المسجد قبل غروب الشمس من ليلة ذلك اليوم؛ وقال مالك: وكذلك كل من أراد أن يعتكف يوماً أوأكثر.

إلى أن قال: وحديث عائشة يرد هذه الأقوال، وهي الحجة عند التنازع، وهو حديث ثابت لا خلاف في صحته).124

وقال مالك: (.. أن يدخل الذي يريد الاعتكاف في العشر الأواخر حين تغرب الشمس من ليلة إحدى وعشرين، ويصلي المغرب فيه).125

وقال الشافعي رحمه الله: (ومن أراد أن يعتكف العشر الأواخر دخل فيه قبل الغروب، فإذا أهل هلال شوال فقد أتم).126

ب.  متى يخرج من معتكفه؟

يخرج المعتكف في العشر الأواخر من رمضان بعد ثبوت هلال شوال، واستحب له طائفة من أهل العلم أن يبقى في معتكفه حتى يصلي العيد.

قـال مـالك رحمـه الله: (ثم يقيم فيخرج حتى يفرغ من العيد إلى أهله، وذلك أحب الأمر إليِّ فيه).127

وقال القرطبي: (استحب مالك لمن اعتكف العشر الأواخر أن يبيت ليلة الفطر في المسجد حتى يغدو منه إلى المصلى، وبه قال أحمد، وقال الشافعي والأوزاعي: يخرج إذا غابت الشمس، ورواه سُحنون عن ابن القاسم، لأن العشر يزلن بزوال الشهر، والشهر ينقضي بغروب الشمس من آخر يوم من شهر رمضان.

وقال سُحنون: إن ذلك على الوجوب، فإن خرج ليلة الفطر بطل128 اعتكافه؛ وقال ابن الماجشون: وهذا يرده ما ذكرناه من انقضاء الشهر، ولو كان المقام ليلة الفطر من شرط صحة الاعتكاف لما صح اعتكاف لا يتصل بليلة الفطر، وفي الإجماع على جواز ذلك دليل على أن مقام ليلة الفطر للمعتكف ليس شرطاً في صحة الاعتكاف).

تنبيه: أما ما سوى العشر الأواخر فعلى المعتكف إتمام ما نوى وحدد من أيام وليالٍ.

 ã

خاتمة

الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى.

وبعد..

إن كان تعجب ابن شهاب رحمه الله من ترك المسلمين للاعتكاف مع مداومته صلى الله عليه وسلم عليه منذ أن هاجر إلى المدينة وإلى أن توفاه الله، فتعجبي اليوم أشد من أولئك النفر من إخواننا المسلمين الذين يحرصون على الاعتمار في ليلة سبع وعشرين من رجب، وإحياء ليلة النصف من شعبان، وصوم نهارها، ونحو ذلك من الأمور المحدثة التي لم يصح فيها دليل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع تركهم وتهاونهم في هذه السنة المؤكدة.

وأعجب من هؤلاء أولئك الذين يكررون العمرة المكية مرات عديدة، وقد تنازع العلماء في صحتها129، ويَدَعُون الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، مع العلم أن رسولنا صلى الله عليه وسلم لم يعتمر قط في رمضان، مع ما ورد عنه من الاعتمار فيه من فضل وثواب، على أنه لم يترك الاعتكاف قط منذ أن شرعه وإلى أن انتقل إلى الرفيق الأعلى.

فليت شعري لِمَ يحرص بعض المسلمين، هدانا الله وإياهم، على المحدثات، ويفرطون ويتهاونون في السنن المؤكدات، هذا على الرغم من التحذير الشديد والوعيد الأكيد في النهي عن الابتداع في الدين، نحو قوله صلى الله عليه وسلم: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" الحديث، وقوله: "وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة" الحديث.

ولله در الإمام مالك، فقد كان كثيراً ما كان ينشد:

           وخير أمور الدين ما كان سنة             وشر الأمور المحدثات البدائع

فاعلم أخي الحبيب أن الخير كل الخير في الاتباع، والشر كل الشر في الاتباع، وأن عملاً قليلاً في سنة خير من عمل كثير في بدعة، وأن ما لم يكن في ذاك اليوم ديناً فلن يكون اليوم ديناً، وأنه لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.

اللهم وفقنا لما تحب وترضى، وجنبنا الزلل، والابتداع، والردى، وصلى الله وسلم وبارك على إمام الرحمة والهدى.

ã