ماذا على الحامل والمرضع إذا أفطرتا في رمضان؟

 

إباحة الشارع الحكيم للحامل والمرضع الفطر في رمضان من باب رفع الحرج الذي خص الله به هذه الأمة، وميزها به على سائر الأمم، حيث رخص للحامل والمرضع ولو كانت أجيرة بالفطر في رمضان، في الحالات الآتية:

أولاً: إذا خافتا على أنفسهما.

ثانياً: إذا خافتا على الجنين أوالولد.

ثالثاً: إذا تضرر الرضيع بالصوم، وإن كانت المرضع مستأجرة.

ثم اختلفوا بعد ذلك فيما يجب عليهما على أقوال، هي:

الأول: إذا خافتا على ولديهما فعليهما القضاء والفدية عن كل يوم مسكيناً، وهذا مذهب الجمهور.

الثاني: إذا خافتا على أنفسهما فعليهما القضاء فقط، لأن حكمهما في هذه الحال حكم المريض – الجمهور.

الثالث: وإن خافتا على أنفسهما وولديهما قضتا كذلك ولا فدية عليهما.

الرابع: تقضيان ولا فدية، سواء خافتا على أنفسهما أوولديهما، وذهب إلى ذلك عطاء، والحسن، والزهري، وأبو حنيفة.

الخامس: الحامل تقضي ولا فدية عليها، والمرضع تقضي وتفدي، وهذا قول مالك.

السادس: الحامـل والمرضع يطعمان ولا قضـاء عليهما، وبهـذا قـال ابن عمر، وابن عبـاس، وسعيد بن جبير.

ومنهم من قصر ذلك على من توالي عليها الحمل والرضاع، ولم تتمكن من القضاء.

استدل الموجبون للفدية مع القضاء وهم الجمهور بقوله تعالى: "وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ"1.

وبما رواه أبو داود2 عن ابن عباس: (كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة، وهما يطيقان الصيام، أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكيناً، والحبلى والمرضع إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وأطعمتا).

وبأن هذا مذهب ابن عمر، وابن عباس، ولا مخالف لهما من الصحابة.

واستدل القائلون بأن لا قضاء عليهما وإنما الفدية، بأن الآية تناولتهما وليس فيها إلا الإطعام، وبما روي عنه صلى الله عليه وسلم: "إن الله وضع عن الحامل والمرضع الصوم".3

أقوال العلماء في ذلك

قال الترمذي رحمه الله معلقاً على حديث "إن الله وضع عن الحامل والمرضع الصوم": (والعمل على هذا عند بعض أهل العلم.

وقال بعض أهل العلم: الحامل والمرضع يفطران ويقضيان ويطعمان، وبه يقول سفيان، ومالك، والشافعي، وأحمد.

وقال بعضهم: يفطران ويطعمان ولا قضاء عليهما، وإن شاءتا قضتا، ولا إطعام عليهما، وبه يقول إسحاق).4

قال الإمام النووي عن مذاهب العلماء في المرضع والحامل إذا خافتا فأفطرتا: (قد ذكرنا أن مذهبنا5 أنهما إن خافتا على أنفسهما لا غيره أوعلى أنفسهما وولدهما أفطرتا وقضتا، ولا فدية عليهما بلا خلاف، وإن أفطرتا للخوف على الولد أفطرتا وقضتا، والصحيح وجوب الفدية، قال ابن المنذر: وللعلماء في ذلك أربعة مذاهب:

1.  قال ابن عمر، وابن عباس، وسعيد بن جبير: يفطران ويطعمان ولا قضاء عليهما.

2. وقال عطـاء بن أبي ربـاح، والحسن، والضحـاك، والنخعي، والزهري، وربيعة، والأوزاعي، والثوري، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأصحاب الرأي6: يفطران ويقضيان ولا فدية، كالمريض.

3.  وقال الشافعي وأحمد: يفطران ويقضيان ويفديان، وروي ذلك عن مجاهد.

4.  وقال مالك: الحامل تفطر وتقضي ولا فدية، والمرضع تفطر وتقضي وتفدي، قال ابن المنذر: وبقول عطاء أقول).7

وقال ابن قدامة: (وجملة ذلك أن الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما فلهما الفطر، وعليهما القضاء فحسب، لا نعلم فيه بين أهل العلم خلافاً، لأنهما بمنزلة المريض، وإن خافتا على ولديهما أفطرتا وعليهما القضاء وإطعام مسكين عن كل يوم، وهذا يروى عن ابن عمر، وهو المشهور من مذهب الشافعي، وقال الليث: الكفارة على المرضع دون الحامل، وهو إحدى الروايتين عن مالك، لأن المرضع يمكنها أن تسترضع لولدها بخلاف الحامل، ولأن الحمل متصل بالحامل، فالخوف عليه كالخوف على بعض أعضائها.

وقال عطاء، والزهري، والحسن، وسعيد بن جبير، والنخعي، وأبو حنيفة: لا كفارة عليهما.

إلى أن قال:

ولنـا قول الله تعالى: "وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ"، وهمـا داخلتان في عمـوم الآية، قال ابن عباس: "كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام، أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكيناً، والحبلى والمرضع إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وأطعمتا" الحديث، وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس، ولا مخالف لهما من الصحابة.

إلى أن قال: وخبرهم8 لم يتعرض للكفارة.

إلى أن قال: وقال ابن عمر وابن عباس: لا قضاء عليهما لأن الآية تناولتهما وليس فيها إلا الإطعام.. والآية أوجبت الإطعام ولم تتعرض للقضاء، فأخذناه من دليل آخر.

وقال أحمد: أذهب إلى حديث9 أبي هريرة؛ يعني ولا أقول بقول ابن عباس وابن عمر في منع القضاء).10

ومن بلاغات مالك في الموطأ11: (أنه بلغه أن عبد الله بن عمر سئل عن المرأة الحامل إذا خافت على ولدها واشتد عليها الصيام، قال: تفطر وتطعم مكان كل يوم مسكيناً مداً من حنطة بمد النبي صلى الله عليه وسلم.

قال مالك: وأهل العلم يرون عليها القضاء كما قال الله تعالى: "فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ"، ويرون ذلك مرضاً من الأمراض مع الخوف على ولدها).

الخلاصة

أولاً: الذي يترجح لدي من أقوال أهل العلم السابقة أن الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما فحسب أوعلى أنفسهما مع أولادهما فعليهما القضاء دون الإطعام، وإذا كان الخوف على الولد فعليهما القضاء والإطعام، لأن الحديث الذي اعتمد عليه من لم يوجب القضاء لم يتعرض لذلك، وإنما رخص في الفطر.

ثانياً: إذا تأخر القضاء من غير عذر شرعي حتى دخل رمضان الآخر يطعمان أيضاً عن كل يوم مسكيناً، ويتكرر ذلك بتكرر سنوات التأخير.

ثالثاً: النقود لا تجزئ في جميع الكفارات، وإنما الطعام، سواء كان حباً أوطعاماً مصنوعاً، لأن الكفارات من جملة العبادات، والعبادات توقيفية.

قال ابن عبد البر: (اختلف عن أنس12 في صفة إطعامه، فروي عنه:

1.  مد لكل مسكين.

2.  وروي عنه نصف صاع – أي مدان.

3.  وروي عنه أنه كان يجمعهم فيطعمهم، فربما جمع ثلاثمائة فأطعمهم وجبة واحدة.

4. وربما أطعم ثلاثين مسكيناً كل ليلة من رمضان يتطوع بذلك، وكان يصنع لهم الجفان من الخبز واللحم).13

 والله الموفق للخيرات، وصلى الله وسلم وبارك على محمد، وآله، وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان.

  بداية الصفحة