متى يمسك الصائم عن الأكل والشرب وجميع
المفطرات؟
استدلال أصحاب القول الأول وهم العامة من
أهل العلم
واستدلال أصحاب القول الثاني وهم
القائلون أن المراد بالتبين انتشار ضوء الفجر
رد أصحاب القول الأول على هذين الحديثين، وتأويلهما
على افتراض صحتهما
أقوال العلماء
الخلاصة
أجمع أهل العلم على أن الصائم يدخل في صومه ويمسك عن الأكل والشرب
وجميع المفطرات بطلوع الفجر الصادق، وذلك لقوله تعالى: "وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ
حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ
الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ"1
الآية.
ولكن اختلفوا في تأويل "يَتَبَيَّنَ" إلى أقوال هي:
1. المراد بالتبين طلوع الفجر الصادق – وهذا مذهب العامة.
2. المراد بالتبين انتشار ضوء الفجر – وذهب إلى ذلك علي وابن مسعود
رضي الله عنهما، ومن وافقهما، وهذا قول مرجوح.
3. المراد بالتبين إلى ما قبل طلوع الشمس - وهذا قول شاذ مردود.
ã
استدل أصحاب
القول الأول وهم العامة من أهل العلم بالآتي
1. حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: "لما نزلت "حَتَّى
يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ
الْفَجْرِ"، قلت: يا رسول الله: إني جعلت تحت وسادتي عقالين2،
عقالاً أبيض وعقالاً أسود، أعرف الليل من النهار؛ فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: إن وسادك لعريض، إنما هو سواد الليل وبياض النهار".3
2. وحديث سهل بن سعد رضي الله عنهما قال: "أنزلت "وَكُلُواْ
وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ
الأَسْوَدِ"، ولم ينزل "مِنَ الْفَجْرِ"، فكان رجال إذا أرادوا الصيام ربط أحدهم في
رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله
تعالى "مِنَ الْفَجْرِ"، فعلموا أنه يعني به الليل من النهار".4
3. وحديث سمرة بن جندب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يغرنكم أذان بلال5،
ولا هذا العارض لعمود الصبح6
حتى يستطير7".8
4. وحديث ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"لا يمنعن أحدكم – أوأحداً منكم – أذان بلال من سحوره، فإنه يؤذن أوينادي بليل،
ليرجع قائمكم، ولينبه نائمكم، وليس أن يقول: الفجر أوالصبح، وقال بإصبعه ورفعها إلى
فوق وطأطأ إلى أسفل، حتى يقول: هكذا، وقال بسبابتيه إحداهما فوق الأخرى ثم مدهما عن
يمينه وشماله".9
ã
واستدل أصحاب القول الثاني وهم القائلون أن المراد بالتبين انتشار ضوء الفجر بالآتي
1. بما رواه أبوداود في سننه10
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا سمع أحدكم النداء
والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه".
2. وبما رواه النسائي11
والبيهقي في سننه عن زر قال: قلنا لحذيفة: أي ساعة تسحرت مع رسول الله صلى الله
عليه وسلم؟ قال: "هو النهار إلا الشمس لم تطلع".
ã
رد أصحاب القول الأول على هذين الحديثين، وأولوهما على افتراض صحتهما بالآتي
قال ابن القيم في تعليقه على سنن أبي داود عن الحديث الأول: (هذا
الحديث أعله ابن القطان بأنه مشكوك في اتصاله، قال: لأن أبا داود قال: أنبأنا عبد
الأعلى بن حماد – أظنه عن حمـاد – عن محمد بن عمر عن أبي هريرة).12
وقال البيهقي في سننه الكبرى: (قالوا: وأما حديث حذيفة فمعلول،
وعلته الوقف، وإن زراً هو الذي تسحر مع حذيفة، ذكره النسائي).
وقال الخطابي في معالم السنن مؤلاً المراد من الحديث: (هذا على قوله
صلى الله عليه وسلم: "إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم"،
أويكون معناه إن سمع الأذان وهو يشك في الصبح، مثل أن تكون السماء متغيمة، فلا يقع
له العلم بأذانه أن الفجر قد طلع، لعلمه أن دلائل الفجر معدومة، ولو ظهرت للمؤذن
لظهرت له أيضاً، فإذا علم انفجار الصبح فلا حاجة إلى أوان الصباح أذان الصارخ لأنه
مأمور بأن يمسك عن الطعام إذا تبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر.
وقال في فتح الودود: قال البيهقي: إذا صح هذا يحمل عند الجمهور على
أنه صلى الله عليه وسلم قال حين كان المنادي ينادي قبل طلوع الفجر بحيث يقع شربه
قبل طلوع الفجر).13
أما القول الثالث فقد انعقد الإجماع على شذوذه كما حكى ذلك ابن عبد
البر وغيره.
ã
أقوال العلماء
قال الإمام النووي عن مذاهب العلماء في الدخول في الصوم: (هذا الذي
ذكرناه من الدخول في الصوم بطلوع الفجر وتحريم الطعام والشراب والجماع به هو مذهبنا
ومذهب أبي حنيفة، ومالك، وأحمـد، وجمـاهير العلماء من الصحـابة والتـابعين ومن
بعدهم؛ قـال ابن المنـذر: وبه قال عمر بن الخطاب، وابن عباس، وعلماء الأمصار، قال:
وبه نقول.
قال: روينا عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال حين صلى
الفجر: الآن حين تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، قال: وروي عن حذيفة أنه لما
طلع الفجر تسحر ثم صلى، وروي معناه عن ابن مسعود، وقال مسروق: لم يكونوا يعدون
الفجر فجركم، إنما كانوا يعدون الفجر الذي يملأ البيوت والطرق.
قال: وكان إسحاق يميل إلى القول الأول من غير أن يطعن على الآخرين،
قال إسحاق: ولا قضاء على من أكل في الوقت الذي قاله هؤلاء؛ هذا كلام ابن المنذر).14
وقال ابن قدامة: (والصوم المشروع هو الإمساك عن المفطرات من طلوع
الفجر الثاني إلى غروب الشمس، روي معنى ذلك عن عمر، وابن عباس، وبه قال عطاء، وعموم
أهل العلم، وروي عن علي رضي الله عنه أنه لما صلى الفجر قال: الآن حين يتبين الخيط
الأبيض من الخيط الأسود، وعن ابن مسعود نحوه، وقال مسروق: لم يكونوا يعدون الفجر
فجركم، إنما كانوا يعدون الفجر الذي يملأ البيوت والطرق، وهذا قول الأعمش، ولنا قول
الله تعالى: "حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ
الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ"15،
يعني بياض النهار من سواد الليل، وهذا يحصل بطلوع الفجر.
قال ابن عبد البر: في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن بلالاً
يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم"، دليل على أن الخيط الأبيض هو
الصباح، وأن السحور لا يكون إلا قبل الفجر، وهذا إجماع لم يخالف فيه إلا الأعمش
وحده، فشذ ولم يعرج أحد على قوله، والنهار الذي يجب صيامه من طلوع الفجر إلى غروب
الشمس، قال: هذا قول جماعة على المسلمين).16
وقال العلامة أبو الطيب العظيم آبادي في عون المعبود17
شرح سنن أبي داود: (قال في البحر الرائق18:
اختلف المشايخ في أن العبرة لأول طلوعه، أولاستطارته، أولانتشاره، والظاهر الأخير
لتعريفهم الصادق به.
وقال علي القاري: قوله صلى الله عليه وسلم: "حتى يقضي حاجته منه"،
هذا إذا علم أوظن عدم الطلوع.
وقال ابن المَلِك: هذا إذا لم يعلم طلوع الصبح، أما إذا علم أنه قد
طلع أوشك فيه فلا).
ã
الخلاصة
أولاً: إذا بزغ الفجر واستطار في الأفق وجب الإمساك عن الأكل،
والشرب، وجميع المفطرات.
ثانياً: إذا علمت أن المؤذن يؤذن قبل طلوع الفجر من باب التحوط فلا
مانع من تناول ما كان أمامك.
ثالثاً: السنة تأخير السحور إلى قبيل طلوع الفجر.
رابعاً: لا ينبغي لأحد أن يلتزم بهذه الإمساكيات، ولا يحل لأحد
طبعها وتوزيعها، لأنها مناهضة لسنة تأخير السحور.
خامساً: لا يحل التسحير بأي صورة من صوره القولية أوالفعلية.
سادساً: ينبغي أن يكون بين الأذان الأول والثاني مقدار خمس دقائق
أوعشر دقائق على الأكثر، سيما في رمضان.
والله ولي التوفيق، وصلى الله وسلم على خير من صلى وصام وتسحر وقام،
وعلى آله، وصحبه، والتابعين لهم بإحسان.
ã
|