كم يعطى مستحق الزكاة منها؟

 

مذاهب أهل العلم في القدر الذي يعطى لمستحق الزكاة

أخذ مستحق الزكاة بأكثر من سبب

أقوال العلماء

الخلاصة

 

الزكاة الواجبة لها مصارف ثمانية معلومة محددة بيَّـنها ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم قائلاً: "إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ"1 فلا يجوز أن يصرف منها شيء في غير هذه الأوجه والأصناف الثمانية، لا في بناء مسجد، ولا تجهيز موتى، ولا في أي خدمات أخرى مهما كانت أهميتها وحاجة الناس إليها، قال ابن عبد البر: (وتحصيل المذهب ـ المالكي ـ أن لا يعطى منها مكاتب شيئاً، ولا يعطى منها كافر فقير، ولا في دين ميت فقير، ولا في شراء مصحف، ولا في حج ولا عمرة، ولا في بنيان مسجد، ولا في كفن ميت، ولا في فك أسير)2.

ذهب بعض أهل العلم إلى وجوب تقسيمها على هذه الأصناف الثمانية وهذا ما ذهب إليه الشافعي ومن وافقه، وذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنه يجوز أن تصرف الزكاة كلها في صنف أو صنفين أو أكثر حسب ما تقتضيه الحاجة والاختيار في ذلك إلى من يتولى قسمتها وهذا هو القول الراجح والله أعلم.

قال القرطبي رحمه الله في شرح قوله "إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ..." الآية: (تبيين لمصارف الصدقات والمحل، حتى تخرج عنهم. ثم الاختيار إلى من يقسم، هذا قول مالك، وأبي حنيفة وأصحابهما. كما يقال السرج للدابة، والباب للدار. وقال الشافعي: اللام لام التمليك، كقولك: المال لزيد وعمرو وبكر، فلا بد من التسوية بين المذكورين. قال الشافعي وأصحابه: هذا كمن أوصى لأصناف معينين، أو لقوم معينين.

إلى أن قال:

وتمسك علماؤنا بقوله تعالى: "إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ"3 والصدقة متى أطلقت في القرآن، فهي صدقة الفرض. وقال صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها إلى فقرائكم"4. وهذا نص في ذكر أحد الأصناف الثمانية قرآناً وسنة، وهو قول عمر بن الخطاب، وعلي، وابن عباس، وحذيفة ـ رضي الله عنهم ـ وقال به من التابعين جماعة قالوا: جائز أن يدفعوها إلى الأصناف الثمانية، وإلى أي صنف منها دفعت جاز)5.

وذهب أهل العلم كذلك مذاهب في القدر الذي يعطاه مستحق الزكاة منها.

أما بعد...

فهذا بحث عن مذاهب وأقوال أهل العلم في المقدار الذي يعطاه الرجل من الزكاة، وإن اجتمع في الشخص الواحد سببان فأكثر فهل يجوز له أن يعطى بهذه الأسباب المختلفة أم يأخذ بسبب واحد فقط؟ وأيجوز أن يعطى الشخص النصاب أم لا؟ وذكر أدلتهم وترجيحاتهم ونحو ذلك.

 ã 

مذاهب أهل العلم في القدر الذي يعطى لمستحق الزكاة

ذهب أهل العلم المقتدى بهم في ذلك مذاهب هي:

1.   يعطى ما يكفيه هو وعياله لمدة عام إن قل الفقراء وكثرت الزكاة.

2.  يعطى دون النصاب، ونصاب العُمَل ما يعادل قيمة 85 جراماً من الذهب أو 600 جراماً من الفضة، يؤخذ بأحظاهما للفقير ويبلغ ذلك الآن حوالي 5000 جنيه سوداني (خمسة ملايين) وهذا ما ذهب إليه أبو حنيفة رحمه الله.

3.  لا يعطى أكثر من 50 درهماً وهي ربع النصاب أي ما يعادل 1500 جنيه وإلى هذا ذهب الثوري، والإمام أحمد رحمهما الله.

4.  يعطى قدر حاجته من غير تحديد وهذا ما ذهب إليه الشافعي وبعض المالكية.

5.  يعطى النصاب وهذا ما ذهب إليه ابن العربي المالكي.

6.  إن كان غريماً يعطى ما يسد غرمه، استدل هؤلاء بما خرجه البخاري في صحيحه عن سهل ابن أبي حثمة رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم وداه بمائة من إبل الصدقة"6.

7.  يعطى من زكاة الحرث ما يكفيه إلى أن يأتي وقت زكاة الماشية.

8.  ليس لذلك حد.

 ã 

أخذ مستحق الزكاة بأكثر من سبب

كذلك اختلفوا في جواز أخذ مستحق الزكاة بأكثر من سبب، فأجاز ذلك فريق، ومنع منه فريق، والذي يترجح لذي جواز ذلك إلا إذا ضاقت الصدقة بأهلها فيعطى بأحظ سبب له والله أعلم، لأن المرء قد يكون من أهل الصدقة بأكثر من طريق.

 ã 

أقوال العلماء

قال القرطبي رحمه الله: (واختلفوا أيضاً في قدر المُعْطى، فالغارم يعطى قدر دينه، والفقير والمسكين يعطيان كفايتهما وكفاية عيالهما. وفي جواز إعطاء النصاب أو أقل منه خلاف ينبني على الخلاف المتقدم في حد الفقر الذي يجوز معه الأخذ. وروى عليُّ بن زياد وابن نافع: ليس في ذلك حد، وإنما هو على اجتهاد الوالي. وقد تقل المساكين وتكثر الصدقة فيعطى الفقير قوت سنة. وروى المغيرة: يعطى دون النصاب ولا يبلغه. وقال بعض المتأخرين: إن كان في البلد زكاتان أو أكثر. فإن الغرض إغناء الفقير حتى يصير غنياً، فإذا أخذ ذلك فإن حضرت الزكاة الأخرى وكان عنده ما يكفيه أخذها غيره.

قلت: هذا مذهب أصحاب الرأي في إعطاء النصاب. وقد كره ذلك أبو حنيفة مع الجواز، وأجازه أبو يوسف، قال: لأن بعضه لحاجته مشغول الحال، فكان الفاضل عن حاجته للمال دون المائتين. وإذا أعطاه أكثر من مائتي درهم جملة كان الفاضل عن حاجته للمال قدر المائتين فلا يجوز. ومن متأخري الحنفية من قال: هذا إن لم يكن له عيال، ولم يكن عليه دين، فإن كان عليه دين فلا بأس أن يعطيه مائتي درهم أو أكثر، مقدار ما لو قضى دينه بقي له دون المائتين. وإن كان معيلاً لا بأس أن يعطيه مقدار ما لو وزع على عياله أصاب كل واحد منهم دون المائتين، لأن التصدق عليه في المعنى تصدق عليه وعلى عياله، وهذا قول حسن)7.

وقال الشيرازي الشافعي رحمه الله: (وإن اجتمع في شخص سببان ففيه ثلاثة طرق (مِنْ) أصحابنا من قال: لا يعطى بالسببين، بل يقال له: اختر أيهما شئت فنعطيك به (ومِنْهم) من قال: إن كانا سببين متجانسين، مثل أن يستحق كل واحد منهما لحاجته إلينا كالفقير الغارم لمصلحة نفسه، أو يستحق بكل واحد منهما لحاجتنا إليه كالغازي الغارم لصلاح ذات البين، لم يعط إلا بسبب واحد. وإن كانا سببين مختلفين؛ وهو أن يكون بأحدهما يستحق لحاجتنا إليه، وبالآخر يستحق لحاجته إلينا أعطي بالسببين، كما قلنا في الميراث إذا اجتمع في شخص واحد جهتا فرض لم يعط بهما، وإن اجتمع فيه جهة فرض وجهة تعصيب أعطي بهما.

(ومِنْهم) من قال: فيه قولان:

أحدهما: يعطى بالسببين لأن الله تعالى جعل للفقير سهماً وللغارم سهماً، وهذا فقير وغارم.

والثاني: يعطى بسبب واحد لأنه شخص واحد، فلا يأخذ بسهمين كما لو تفرد بمعنى واحد)8.

وقال ابن قدامة رحمه الله: (وإن اجتمع في واحد أسباب تقتضي الأخذ بها، جاز أن يعطى بها، فالعامل الفقير له أن يأخذ عِمالـَته، فإن لم تغنه فله أن يأخذ ما يتم به غناه، فإن كان غازياً فله أن يأخذ ما يكفيه لغزوه، وإن كان غارماً أخذ ما يقضي به غرمه، لأن كل واحد من هذه الأسباب يثبت حكمه بانفراده، فوجود غيره لاينفي ثبوت حكمه كما لا يمنع وجوده، وقد روي عن أحمد أنه قال: إذا كان له مائتان وعليه مثلها، لا يعطى من الزكاة، لأن الغنى خمسون9 درهما. وهذا يدل على أنه يعتبر في الدفع للغارم أن يكون فقيراً، فإذا أعطي لأجل الغرم وجب صرفه إلى قضاء الدين، وإن أعطي للفقير جاز له أن يقضي به دينه)10.

وقال الخطابي رحمه الله: (وقد اختلف الناس في قدر ما يعطى الفقير من الصدقة، فكره أبو حنيفة وأصحابه أن يبلغ مائتي درهم إذا لم يكن عليه دين أو له عيال. وكان سفيان الثوري يقول: لا يدفع إلى رجل من الزكاة أكثر من خمسين درهماً، وكذلك قال أحمد بن حنبل. وعلى مذهب الشافعي: يجوز أن يعطى على قدر حاجته من غير تحديد فيه، فإن زال اسم الفقر عنه، لم يعط. وقد يحتج بها من يرى جمع الصدقة من صنف واحد من أهل السهام الثمانية)11.

وقال ابن عبد البر المالكي رحمه الله: (وليس لما يعطى منها الواحد حد، ولا أرى أن يعطى منها أحد أكثر من مائتي درهم استحباباً، فأن أعطاه ما تجب فيه الزكاة، أو فوقه جاز عند مالك، وقال عبد الملك: لا يدفع إليه نصاب وينقص منه شيء، وجائز عند مالك دفعها إلى من يملك نصاباً لا كفاية له فيه لكثرة عياله وضعف نصرفه)12.

 ã 

الخلاصة

أولاً:

الذي يترجح لدي من أقوال أهل العلم السابقة: أنه يجوز أن يعطى منها الفقير والمسكين ما يكفيهما وعيالهما، وكذلك الغريم، والغازي، وابن السبيل يعطوا من الزكاة، ما يزيل عن الغريم الغرم، وما يكفي الغازي من سفر وإعاشة واقتناء سلاح، وما يكفي أسرته في أثناء غيابه، وابن السبيل يعطى منها ما يوصله إلى بلده مع ما يحتاجه في الطريق من أكل وشرب ونحوهما.

ثانياً:

يحكم ذلك كله وفرة الزكاة وقلة أصحابها، أما إن كانت الزكاة لا تفي بحاجة جميع مستحقيها فلا بد من مراعاة التسوية بينهم فلا ضرر ولا ضرار ولا محاباة في الزكاة.

فلا يحل لأحد أن يحابي بها قريباً أو موظفاً أو عاملاً عنده، ولا يدفع بها مذمة عنه، ولا يدفعها حماية لماله، وليس له أن يوجه الفقير، أو يحبسها منه ويعطيه منها حسب حاجته، قال تعالى: "وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ"13 فالفقراء شركاء الأغنياء بالزكاة المفروضة.

قال مالك: (لا يُحَابى قريب، ولا تمنع من فقير بعيد، ويكونون في ذلك سواء)14.

ثالثاً:

أهل الزكاة من الفقراء والمساكين قسمان: سُؤَّال، وعفيفون محرومون، فينبغي الانتباه للمحرومين والبحث والتفتيش عنهم وإيصال هذا الحق لهم، ولا ينبغي أن يمكن السؤال من التغول على حق العفيفين المحرومين.

رابعاً:

عليك أخي المسلم، أن تخرج زكاة مالك من أفضل ما تملك، طيبة بها نفسك، واحذر من تأخيرها وكنزها حتى لا تكوى بها جبهتك وظهرك وجنبك.

والحمد لله رب العالمين الذي قرن بين حقه وحق عباده من الفقراء والمساكين فقال: "وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ"15 وصلى الله وسلم على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحابته والتابعين وعنا معهم يا أكرم الأكرمين.

 ã