شق
جماعة المصلين بدعة نكراء، وجهالة جهلاء
"رمتني بدائها وانسلت"
الشاقون لجماعة
الصلاة في المسجد الواحد دركات
الأدلة على وجوب أداء الصلوات المكتوبة في المساجد خلف كل إمام، إلاَّ أنْ
يكون كافراً، أو مبتدعاً، أو فاسقاً
من البدع المنكرة، والأعمال القبيحة المحرمة، ما عمت به البلوى في هذه
الأيام، شق جماعة المصلين في المسجد الواحد، وتأبى البعض الصلاة خلف بعض
الأئمة، بحجج واهية، ودعاوى باطلة نحو:
1. قصر ثوب الإمام.
2. أو إعفاؤه للحيته.
3. أو إنكاره لبعض الممارسات الشركية، نحو الاستغاثة بذوات وجاه الأحياء
والأموات.
4. أو إنكاره لبعض البدع، ومنعه أن تُؤدى داخل المسسجد.
5. أو – بثالثة الأثافي - بحجة أنَّ هذا الإمام وهابي.
6. أو أنَّ هذا الإمام لا يقنت.
7. أو أنَّ الإمام يقبض ويروح.
8. أو أنَّه نهى عن بدعة الدعاء الجماعي دبر الصلوات المكتوبة.
9. أو أنَّه نهى عن التبليغ أو التسميع من غير حاجة، وقد عده بعض علماء
المالكية من مبطلات الصلاة.
ونحو ذلك من الأباطيل والجهالات.
لو كان الامتناع مثلاً عن الصلاة في المسجد أو خلف الإمام لهذه الأسباب:
1. المسجد الذي دفن فيه ميت، سيما لوكان يعتقد فيه، سواءً كان لجهة القبلة
أوغيرها، محاط بجدران أم غير محاط.
2. أو أنَّ الإمام من أصحاب البدع الكفرية، وكان مجاهراً بها داعياً إليها.
3. أو أنَّه معلق تمائم –حجبات-، لقوله صلى الله عليه وسلم: "من علَّق
تميمة فلا أتم الله له"1،
الحديث.
4. أو لأنَّه لا يطمئن في ركوعه وسجوده، لأنَّ الاطمئنان في الصلاة واجب،
وتبطل الصلاة بتركه، والدليل حديث المسيء صلاته، حيث أمره رسول الله صلى
الله عليه وسلم أنْ يعيد الصلاة ثلاث مرات، وكان في كل مرة يقول له: "صل
فإنك لم تصل"2.
5. أو ممن يرقص ويتواجد عند السماع الصوفي.
6. أو كان يلحن لحناً جلياً في الفاتحة ونحو ذلك.
أو دون ذلك نحو:
1. أنْ يكون الإمام مسبلاً.
2. أو أنْ يكون الإمام حليقاً.
3. أو أنْ يكون الإمام مدخناً.
4. أو التشكيك في عقيدة الإمام.
لكان الأمر واضحاً، والحجة مقبولة، والمستنكف عن الصلاة خلف من هذه حاله
معذوراً، وله سلف وخلف في ذلك.
أمَّا في الأسباب التي دون الأسباب الأولى نحو الإسبال، وحلق اللحية،
والتدخين فلا يحل لأحد أنْ يمتنع عن الصلاة خلف أحد بسبب ذلك أبداً، فإنْ
فعل فقد خالف السنة، وسلك سبيل المبتدعة.
ومن العجيب الغريب أنَّ الشاقين لجماعة المسلمين في الصلاة جلَّهم أو كلهم
من الصوفية الطرقية الجهلاء، ومن أصحاب الأهواء.
منهم من هو ممارس لكثير من الشركيات: نحو الاستغاثة بذات وجاه الأحياء
والأموات من الأنبياء وغيرهم، فهم يدعونهم في الشدة والرخاء، ويطلبون منهم
الرزق، والولد، والشفاء.
ولا أخال أحداً منهم دون ذلك والله أعلم.
الشاقون لجماعة
الصلاة في المسجد الواحد دركات
بعضها أسوأ وأخس من بعض:
لا شك أنَّ هؤلاء صلاتهم باطلة، مردودة عليهم بحكم رسول الله صلى الله عليه
وسلم: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"، الحديث3،
إذ ليس هناك حَدث أكبر من ذلك سوى الإشراك بالله عز وجل.
وإذا كان مالك الإمام رحمه الله منع ونهى أنْ تقام جماعتان –من غير إِحن-
في المسجد الواحد ولو في الحرمين الشريفين، إلاَّ مساجد الأسواق والطرق
السريعة، فكيف يكون حكمه فيمن ابتدع هذه البدعة المنكرة، وسلك هذا السلوك
المشين؟!.
لقد نهى العلماء عن إعادة الصلاة –ولو لم يخرج وقتها- إذا تبين للمصلي
أنَّه صلاها خلف مبتدع أو فاسق معلناً مجاهراً، كما أيَّد ذلك ونصره شيخ
الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فكيف بالامتناع من الصلاة خلف إمام مسلم،
عدل، مستور الحال، بل ليس في الممتنعين من يدانيه في بعض الأحوال؟، أو كيف
بمن يعيدها؟!، لا شك أنَّ هذا هو الباطل البيِّن.
الأدلة على وجوب أداء الصلوات المكتوبة في المساجد خلف كل إمام، إلاَّ أنْ
يكون كافراً، أو مشركاً، أو مبتدعاً، أو فاسقاً، داعياً مجاهراً
الإمامة مسؤولية عظيمة ومرتبة عالية، وهي وظيفة دينية فإذا أحسن الإمام
فله وللمصلين، وإنْ أساء أو قصَّر فعليه، ولا ينال المصلين من تقصيره
شيئاً.
وإليك الأدلة:
1. عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول: "من أمَّ الناس فأصاب الوقت فله ولهم، ومن انتقص من ذلك شيئاً فعليه
ولا عليهم"4.
2. خرَّج البخاري في صحيحه5بسنده
إلى عبيد الله بن عدي بن خيار: "أنَّه دخل على عثمان بن عفان رضي الله عنه
وهو محصور6،
فقال: إنك إمام عامة، ونزل بك ما ترى، ويصلي لنا إمام فتنة ونتحرج، فقال:
(الصلاة أحسن ما يعمل الناس، إذا أحسن الناس فأحسن معهم، وإذا إساءوا
فاجتنب إساءتهم)".
3. وقال الحسن البصري رحمه الله عن المبتدع7:
(صَلِ وعليه بدعته)8.
4. قال الحافظ: وصله سعيد بن منصور: سئل الحسن عن الصلاة خلف صاحب البدعة،
فقال الحسن: (صلِ خلفه وعليه بدعته)9،
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله معلقاً على أثر عثمان السابق: (وفي هذا الأثر
الحض على شهود الجماعة، ولا سيما زمن الفتنة، لئلا يزداد تفرق الكلمة، وفيه
أنَّ الصلاة خلف من تكره الصلاة خلفه، أولى من تعطيل الجماعة)10.
5. صلَّى ابن عمر رضي الله عنهما خلف الحجاج بن يوسف عندما كان محاصراً
لابن الزبير بمكة كما هو في صحيح البخاري، وعندما قيل له في ذلك، قال: (من
دعانا إلى حيَّ على الصلاة اجبناه، ومن دعانا إلى حيَّ على قتل أخيك المسلم
لم نجبه).
6. وصلَّى أنس بن مالك خلف الحجاج.
7. وصلَّى عبد الله بن مسعود خلف الوليد بن عقبة بن أبي مُعيط.
قال الإمام النووي رحمه: (وأمَّا صلاة ابن عمر خلف الحجاج بن يوسف فثابتة
في صحيح البخاري وغيره، وفي الصحيح أحاديث كثيرة تدل على صحة الصلاة وراء
الفاسق، والأئمة الجائرين، قال أصحابنا11:
الصلاة وراء الفاسق صحيحة، ليست محرمة لكنها مكروهة، وكذا تكره وراء
المبتدع الذي لا يكفر ببدعة، فقد قدمنا لا تصلح الصلاة وراءه كصلاة الكفار.
ونص الشافعي في المختصر على كراهة الصلاة خلف الفاسق والمبتدع12فإن
فعلها صحت، وقال مالك: لا تصح وراء فاسق بغير تأويل، كشارب الخمر والزاني،
وذهب جمهور العلماء إلى صحتها)13.
هذه البدعة الخبيثة والفعلة الشنيعة لم تحدث في تاريخ الإسلام أنَّ إماماً
من أهل السنة من ذوي التقى والورع، امتنع أحد من الصلاة خلفه إلاَّ في هذا
العصر الذي قلَّ فيه العلم –السنة- وفشا فيه الجهل –البدعة- وأمسى فيه
المعروف منكراً، والمنكر معروفاً، فإذا كان خيار الصحابة وعلماؤهم أمثال
ابن مسعود، وابن عمر، وأنس صلوا خلف أئمة الجور: الحجاج، والوليد بن عقبة
بن أبي معيط خوفاً من الفتنة وشق الجماعة في الصلاة، وإذا كان عثمان
الخليفة الراشد الثالث رضي الله عنه أَذِنَ ورخَّص في الصلاة خلف إمام
فتنة؟، أفيحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أنْ يسلك هذا المسلك البدعي،
سيما وجل الذين يُعْترَض عليهم من أهل السنة الأخيار، ومن السلفيين
الأبرار، وممن تتوفر فيهم شروط الإمامة أكثر من غيرهم، وإذا تقدم أحد هؤلاء
المبتدعة الشاقين لجماعة المصلين صلى خلفه.
نقول لهؤلاء: هل أنتم احرص على الصلاة من ابن مسعود، وابن عمر، وأنس بن
مالك رضي الله عنهم؟!، أمْ أنكم مقلدة وإمعات تتبعون كل ناعق؟!.
وهل تعلمون أنكم قد أتيتم بدعة ظلماً، أوزعمتم أنكم أعمق وأكثر من أصحاب
محمد صلى الله عليه وسلم، والسلف الصالح، والخلف الفالح من هذه الأمة
علماً؟!.
يصدق على هؤلاء المثل القائل: (رمتني بدائها وانسلت).
فبدلاً من أنْ يتمرد عليكم الأخيار، تتمردون عليهم، إنَّ هذا والله لشيء
عُجاب.
ينبغي لولاة الأمر والمسؤولين أنْ يتقوا الله في المساجد، وفي أئمتها، وأنْ
لا يستجيبوا لهذه الضغوط الجائرة بعزل إمام سني، والمجيء بإمام بدعة طرقي،
فإنَّ في ذلك خيانة لله ولرسوله وللمؤمنين، ولا ينبغي الاستدلال في هذا
الصنيع بقوله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة لا ترفع لهم صلاة"، وذكر منهم:
"من أمَّ قوماً وهم له كارهون"، الحديث، لأنَّ المراد بالكراهة، الكراهية
الدينية لا الكراهية التي أساسها الهوى والتقليد، نحو كراهية المبتدع
والفاسق.
أمَّا كراهية أهل البدع والأهواء لأهل السنة فلا اعتبار لها، ولو كرهه كل
المصلين.
فهذه كلمة حق ترفع ويُراد بها باطل.
وأخيراً أسأل الله أنْ يؤلف بين قلوب المسلمين، وأنْ يجمع كلمتهم على الحق
والدين، ولا خير في اجتماع على الهوى، والتعصب، والتقليد إنَّه ولي ذلك
والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على رسولنا الصادق الأمين، والسيد
الكريم، وعلى آله وصحبه والتابعين.
وكتبه
الأمين الحاج محمد
رئيس الرابطة الشرعية للعلماء والدعاة بالسودان
لأحدى عشر ليلة خلت من رجب 1430 هـ
بداية الصفحة
|