|
|
||
يُخْرج من الصلاة بتسليمتين أم بتسليمة واحدة؟مذاهب العلماء فيما يخرج به الإمام، والمأموم، والمنفرد من الصلاة أدلة الجمهور للخروج من الصلاة بتسليمتين، وبلفظ السلام عليكم ورحمة الله أدلة من قال يخرج من الصلاة بتسليمة واحدة تلقاء وجهه
صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " مفتاح الصلاة الطُّـهُور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم"1 فلا يشرع مسلم في صلاة إلاَّ وهو طاهر من الحدث والخبث في بدنه وثوبه والموضع الذي يصلي فيه، ولا يكون داخلاً فيها إلاَّ بالتكبير، ولا يخرج منها إلاَّ بالتسليم. روى أبوعيسى الترمذي رحمه الله بسنده إلى وكيع قال: سمعت عبد الرحمن بن المهدي يقول: (لو افتتح الرجل الصلاة بسبعين اسماً من أسماء الله، ولم يكبر لم يجزه، وإنْ أحدث قبل أنْ يسلم أمرته أنْ يتوضأ، ثم يرجع إلى مكانه فيسلم، إنَّما الأمرعلى وجهه)2. مذاهب العلماء فيما يخرج به الإمام، والمأموم، والمنفرد من الصلاة ذهب أهل العلم في ذلك مذاهب هي: 1. يخرج بتسليمتين إحداهما عن يمينه والثانية عن يساره بقول: السلام عليكم ورحمة الله، وزاد بعضهم "وبركاته". وهذا مذهب الجمهور: أحمد بن حنبل، وإسحاق، ورواية عن مالك، وقول للشافعي، والظاهرية. 2. يخرج بتسليمة واحدة عن يمينه، ويدور بها إلى قِبَلِ وجهه بقول: السلام عليكم ورحمة الله، أو بالاختصار على "السلام عليكم" وهذا هو مشهور مذهب مالك. 3. يخرج من الصلاة بكل فعل أو قول ينافيها ولوكان حدثاً، وقد ذهب إلى ذلك أبوحنيفة، والثوري، والأوزاعي بحجة أنَّ السلام ليس من فروض الصلاة، وإنَّما هو سنة، وهذا قول شاذ، ترده الأحاديث الصحيحة التي سنذكرها بعد. 4. يُخيَّر المصلي بين أنْ يخرج منها بالسلام، أو بما ينافيها، وهذا ما ذهب إليه الطبري، وهو في الشذوذ كسابقه. أدلة الجمهور للخروج من الصلاة بتسليمتين، وبلفظ السلام عليكم ورحمة الله 1. عن عامر بن سعد عن أبيه قال: (كنت أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يسلم عن يمينه وعن يساره، حتى أرى بياض خده)3. 2. وعن أبي مَعْمَر أنَّ أميراً كان بمكة يسلم تسليمتين، فقال عبد الله: (أنى عَلِقَها4 إن رسول الله كان يفعله)5. 3. وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كان يسلم عن يمينه وعن شماله حتى يُرَى بياض خده: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله)6. 4. وعن وائل بن حُجْر قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم فكان يسلم عن يمينه: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"، وعن شماله: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"7. 5. وعن جابر بن سَمُرَة رضي الله عنه قال: (كنا إذا صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، وأشار بيده إلى الجانبين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "علام تُؤْمون بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس8، إنَّما يكفي أحدكم أنْ يضع يده على فخذه ثم يسلم على أخيه من على يمينه وشماله")9. أدلة من قال يخرج من الصلاة بتسليمة واحدة تلقاء وجهه استدل القائلون بأنه يخرج من الصلاة بتسليمة واحدة بأحاديث كلها لأهل العلم فيها مقال، وهي: 1. عن عائشة رضي الله عنها أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان :" يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه"10. 2. وعن أنس رضي الله عنه: "أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يسلم تسليمة واحدة"11. 3. وعن سهل بن سعد: "أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يسلم تسليمة واحدة"12. 4. وعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صلى فسلم تسليمة واحدة"13. قال الإمام النووي رحمه الله في تعليقه على أحاديث التسليمة الواحدة: (إنَّها ضعيفة)14. وقال أبو العباس القرطبي: (قال النسائي: وأحاديث التسليمتين أصح، وأحاديث التسليمة الواحدة عمل بها أبو بكر، وعمر)15. وقال الترمذي عن حديث عائشة رضي الله عنها السابق: (وحديث عائشة لا نعرفه مرفوعاً إلاَّ من هذا الوجه، قال محمد بن اسماعيل: زهير بن محمد16، أهل الشام يروون عنه المناكير، إلى أنْ قال: وقال به بعض أهل العلم في التسليم من الصلاة. وأصح الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم تسليمتان، وعليه أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومن بعدهم. ورأى قوم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم تسليمة واحدة في المكتوبة. قال الشافعي: إنْ شاء سلَّم تسليمة واحدة، وإنْ شاء سلَّم تسليمتين)17. أمَّا القولان الأخيران فشاذان، والحمد لله الذي لم يتعبدنا بسقطات، وزلات، واختلافات أهل العلم. قال النوويُّ رحمه الله معلقاٌ على أحاديث التسليمتين: (والجواب من وجوه: (أحدها): أنها ضعيفة. (والثاني): أنها لبيان الجواز، وأحاديث التسليمتين لبيان الأكمل والأفضل، ولهذا واظب عليها صلى الله عليه وسلم فكانت أشهر، ورُواتها أكثر. (الثالث): أن في روايات التسليمتين زيادة من ثقات، فوجب قبولها، والله أعلم. إلى أنْ قال: (فرع) في مذاهب العلماء في وجوب السلام، مذهبنا: أنه فرض وركن من أركان الصلاة، لا تصح الصلاة إلاَّ به، وبهذا قال جمهور العلماء من الصحابة، والتابعين، ومَنْ بعدهم. وقال أبو حنيفة: لا يجب السلام، ولاهو من الصلاة، بل إذا قعد قدر التشهد، ثم خرج من الصلاة بما ينافيها من سلام، أوكلام، أوحدث، أوقيام، أوفعل، أوغير ذلك أجزأه، وتمت صلاته. وحكاه الشيخ أبوحامد عن الأوزاعي، واحتج بحديث المسئ صلاته، وبحديث ابن مسعود رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم علَّم التشهد، وقال:"إذا قضيت هذا فقد تمت صلاتك إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد". وعن ابن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أحدث وقد قعد في آخر صلاته قبل أنْ يسلم فقد جازت صلاته". وعن علي رضي الله عنه قال: "إذا جلس قدر التشهد ثم أحدث فقد تمت صلاته". واحتج أصحابنا بحديث: "تحليلها السلام"، وبالأحاديث المذكورة في الفرع قبله مع قوله صلى الله عليه وسلم: "صلوا كما رأيتموني أصلي". والجواب: عن حديث المسيء صلاته، أنَّه ترك بيان السلام لعلمه به، كما ترك بيان النية، والجلوس للتشهد وهما واجبان بالاتفاق. والجواب عن حديث ابن مسعود أنَّ قوله: "فقد تمت صلاته، أوقضيت صلاته"، إلى آخره زيادة مدرجة، ليست من كلام النبي صلى الله عليه وسلم باتفاق الحُفَّاظ، وقد بين الدار قطني، والبيهقي، وغيرهما ذلك. وأمَّا حديث علي، وحديث ابن عمرو فضعيفان باتفاق الحُفَّاظ، ضعفهما مشهور في كتبهم. ثم قال عن مذاهبهم في استحباب تسليمة أوتسليمتين: قد ذكرنا أنًَّ الصحيح في مذهبنا أنَّ المستحب أنْ يسلم تسليمتين، وبهذا قال جمهور العلماء من الصحابة، والتابعين ومن بعدهم، حكاه الترمذي، والقاضي أبو الطيب، وآخرون عن أكثر العلماء، وحكاه ابن المنذر عن أبي بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وعمار بن ياسر، ونافع بن عبد الحارث رضي الله عنهم. وعن عطاء بن أبي رباح، وعلقمة، والشعبي، وأبي عبد الرحمن السُّلمي التابعي، وعن الثوري، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الرأى18. قال: وقالت طائفة: يسلم تسليمة واحدة، قاله ابن عمر، وأنس، وسلمة بن الأكوع، وعائشة رضي الله عنهم، والحسن، وابن سيرين، وعمر بن عبد العزيز، ومالك، والأوزاعي. إلى أنْ قال: مذهبا الواجب تسليمة واحدة، ولا تجب الثانية، وبه قال جمهور العلماء، أوكلهم. قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أنَّ صلاة من اقتصر على تسليمة واحدة جائزة. وحكى الطحاوي، والقاضي، وأبو الطيب، وآخرون عن الحسن بن صالح أنَّه أوجب التسليمتين جميعاً، وهي رواية عن أحمد، وبها قال بعض أصحاب مالك)19. وقال أبو العباس القرطبي المالكي رحمه الله: (وقد اختلف العلماء في ذلك في حق الإمام، والمأموم، والمنفرد، فذهب الجمهور: إلى أنَّ الفرض في حقهم تسليمة واحدة. وذهب أحمد بن حنبل، وبعض أهل الظاهر: إلى أنَّ فرضهم اثنتان. قال الداودي: وأجمع العلماء على أنَّ من سلم واحدة فقد تمت صلاته، وعلى هذا فالذي ذُكِرَ عن أحمد، وأهل الظاهر محمول على أنَّ التسليمة الثانية فرض ليست بشرط، فيعصي من تركها، ويقع التحلل بدونها، فإذا تنزلنا على قول من قال: إنَّ الفرض واحدة فهل يختار زيادة عليها لجميعهم20، أوفيه تفصيل؟، اختلف فيه: فذهب الشافعي، ومالك في غير المشهور21عنه، يستحب للجميع تسليمتان، وذهب مالك في المشهورعنه إلى أنَّ الإمام، والمنفرد يقتصران على تسليمة واحدة، ولا يزيدان عليها. وأمَّا المأموم فيسلم ثانية، يرد بها على الإمام وعليه، أو يسلم ثلاثاً ينوي بهما الرد على من سلم عليه. إلى أنْ قال: ولم يرَ مالك في السلام من الصلاة زيادة: "ورحمة الله وبركاته"، تمسكاً بلفظ التسليم، ورأى ذلك الشافعي تمسكاً بحديث وائل بن حُجر، قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم، فكان يسلم على يمينه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وفي حديث ابن مسعود: السلام عليكم ورحمة الله ـ فقط ـ، ومعنى قول مالك والله أعلم، أنَّ التحلل يقع بالاقتصار على لفظ التسليم، ولا يشترط في ذلك زيادة)22. لأهل العلم في ذلك قولان: 1. يسلم من الجنازة بتسليمتين كسائر الصلوات. 2. يسلم منها بتسليمة واحدة. قال الشيرازي الشافعي عن التسليم من صلاة الجنازة: (والتسليم كالتسليم في سائر الصلوات، كما روي عن عبد الله23 رضي الله عنه قال: أرى ثلاث خلال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلهن تركها الناس: (إحداها)، التسليم على الجنازة مثل التسليم في الصلاة)24. وقال النووي: (وأمَّا صفة السلام ـ من الجنازة ـ، ففيه نصَّان للشافعي هنا المشهور أنَّه يستحب تسليمتان). قال الفوراني: وهو نصه في (الجامع الكبير)، وقال في الأم: تسليمة واحدة يبدأ بها عن يمينه ويختمها ملتفتاً إلى يساره فيدير وجهه وهو فيها، هذا نصه، وقيل: يأتي بها تلقاء وجهه وهو المشهور)25. وقال الفوزان: (ثم يكبر ويقف بعدها ـ أي التكبيرة الرابعةـ قليلاً ثم يسلم تسليمة واحدة عن يمينه)26. 1. أنَّ السلام من فروض الصلاة وأركانها، فلا تصح الصلاة إلاَّ به، لقوله صلى الله عليه وسلم: "وتحليلها السلام". 2. أنَّ السنة ان يخرج المصلي من الصلوات المكتوبة والنافلة بتسليمتين، إحداهما عن يمينه، والأخرى عن شماله. 3. صيغة السلام من الصلاة: السلام عليكم ورحمة الله، وإن زاد: وبركاته، فقد صحت هذه الزيادة. 4. أنَّ كلاً يؤخذ من قوله ويترك سوى الرسول صلى الله عليه وسلم. 5. أنَّ مجرد الخلاف ليس دليلاً في الشرع. 6. الحذر من تتبع زلات وسقطات العلماء. 7. أنَّ هذه الزلات لا تقض من منزلتهم، ولكنهم لا يقلدون فيها، وينبغي أنْ لا تذاع إلاَّ لبيان مخالفتها للشرع. 8. الخروج من صلاة الجنازة يمكن أنْ يكون بتسليمة واحدة، ويمكن أنْ يكون بتسليمتين والله أعلم. اللهم فقهنا في الدين، وعلمنا التأويل، وعافنا من التعصب والتقليد، وصلي وسلم وبارك على البشير النذير، وعلى آله وصحبه والتابعين.
وكتبه الأمين الحاج محمد أحمد رئيس الرابطة الشرعية للعلماء والدعاة بالسودان لثنتي عشر ليلة خلت من شهر رجب 1430هـ
|
||