|
|
||
حكم خطبة الجمعة قاعداً للإمام الراتب إن كان به علة
إذا جاز للإمام الراتب العليل أن يَؤم الناس قاعداً في صلاته كلها فمن باب أولى وبالأحرى يجوز له أن يخطب الجمعة قاعداً. سيما لو كان الإمام الراتب ذا علم وتقى، وكان المؤتمون به راغبون في إمامته، حريصون عليها. صح عن عائشة رضي الله عنها قالت: (صلى النبي صلى الله عليه وسلم في بيته وهو شاكٍ1، فصلى جالساً، وصلى وراءه قوم قياماً، فأشار إليهم أن اجلسوا، فلما انصرف قال: "إنما جُعِل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد. وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون")2. وصح عنها كذلك أنها قالت: (إنَّ النبي استخلف أبا بكر، ثم إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم وجد في نفسه خفة، فخرج بين رجلين فأجلساه إلى جنب أبي بكر، فجعل أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم، والناس يصلون بصلاة أبي بكر والنبي صلى الله عليه وسلم قاعد)3. أما ما روي عن الشعبي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يَؤُّمَنَّ أحد بعدي جالساً"4 فيه علتان هما: 1. أنه مرسل. 2. وفيه متروك وهو جابر الجعفي. قال النووي رحمه الله عنه: (فقال الدار قطني والبيهقي وغيرهما من الأئمة: هو مُرْسَل ضعيف، وأن جابر الجعفي متفق على ضعفه، وردوا روايته قالوا: ولا يرويه غير الجعفي عن الشعبي. قال الشافعي رحمه الله: قد علم الذي احتج بهذا أنه ليس فيه حجة، وأنه لا يثبت لأنه مرسل ولأنه من رجل يرغب الناس عن الرواية عنه. والله أعلم)5. حكم القيام لخطبة الجمعة والجلوس بينهما حكم القيام لخطبتي الجمعة والجلوس بينهما سنة فلو تركه الصحيح السليم صحت خطبته بل من أهل العلم من صحح خطبة المضطجع العاجز دعك عن خطبة القاعد. قال النووي: (قال مالك وأبو حنيفة رحمهما الله: تصح الخطبة قاعداً مع القدرة، قالوا والقيام سنة، وكذا الجلوس بينهما عندهم، وبه قال جمهور العلماء. وقال الشافعي: يشترط لصحة الخطبتين القيام فيهما مع القدرة، فإن عجز عن القيام استحب أن يستخلف. فإن خطب قاعداً أو مضطجعاً للعجز جاز بلا خلاف كالصلاة. إلى أن قال: يجوز للقائم أن يصلي خلف القاعد لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى قاعداً والناس خلفه قيام. قال الشافعي: يجوز للقادر على القيام الصلاة وراء القاعد العاجز، والقاعد وراء المضطجع، وللقادر على الركوع والسجود وراء المؤمى بهما)6 . من خطب جالساً لعجز أو علة من الصحابة ومن دونهم7 روي عن نفر من الصحابة والتابعين أنهم خطبوا قعوداً منهم: 1. عثمان بن عفان رضي الله عنه. 2. معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه. 3. عمر بن عبد العزيز رحمه الله. قال الحافظ ابن حجر: روى سعيد بن منصور عن الحسن قال: أول من استراح في الخطبة يوم الجمعة عثمان. وكان إذا أعيى جلس ولم يتكلم حتى يقوم. وقال: وأول من خطب جالساً معاوية. وفي رواية عن قتادة: حتى شق على عثمان القيام فكان يخطب الأولى جالساً والأخرى قائماً. وعللت رواية ابن أبي شيبة جلوس معاوية: إنما خطب قاعداً لما كثر شحم بطنه ولحمه. وقال الأثرم للإمام أحمد رحمهما الله: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائماً. فقال له الهيثم بن خارجة: كان عمر بن عبد العزيز يجلس في خطبته. فظهر منه الإنكار8. وقال ابن قدامة: وقال القاضي ـ أبو يَعْلَى ـ يجزئه الخطبة قاعداً. وقد نص عليه أحمد. وهو مذهب أبي حنيفة، لأنه ذكر ليس من شرطه الاستقبال، فلم يجب له القيام كالأذان إلى أن قال: فأما إن قعد لعذر، من مرض، أو عجز عن القيام فلا بأس، فإن الصلاة تصح من القاعد العاجز عن القيام فالخطبة أولى9 . والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والأتباع.
لثنتي عشر ليلة خلت من شهر رجب 1430هـ
|
||