الخشوع في الصلاة

تعريف الخشوع

نماذج لمن ينشغل خاطرهم في الصلاة في بعض الأحيان بأمور الدين والآخرة

الخشوع نوعان

حكم الخشوع في الصلاة

ما يعين على الخشوع في الصلاة

فضل الخشوع

نماذج للخاشعين في صلاتهم

 

لقد مدح الله ووصف عباده المفلحين بصفات عدة ومدحهم بمحامد شتى "قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ"[1] بدئت هذه المحامد وختمت بأمرين أساسيين هامين كلاهما متعلق بالصلاة.

أولهما: الخشوع والطمأنينة فيها وذلك بخشوع جوارحهم الظاهرة والباطنة وعدم التشاغل فيها بأمر من أمور الدنيا لأنها هي راحة القلب وطمأنينة النفس "أرحنا بها يا بلال" والأمان من الفزع والخوف والجزع. "كان صلى الله عليه وسلم إذا أحزبه أمر فزع إلى الصلاة".

ثانيهما: المحافظة عليها بأدائها بكامل طهارتها وركوعها وسجودها ومراعاة هيئاتها في أول أوقاتها مع جماعة المسلمين تحذيراً وتخويفاً من سلوك المقصرين المفرطين "فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ"[2].

وبألفاظ أخر الذين يصلون كما رأوه يصلي امتثالاً لأمره صلى الله عليه وسلم: "صلوا كما رأيتموني أصلي".

ولذات السبب استثنى الله عز وجل المحافظين على صلواتهم الخاشعين فيها مع صفات أخر من أخس صفتين وأرذل خلقين متصف بهما جنس الإنسان إلا من رحم الله إذا نزل به ضر فزع وجزع وإذا أنعم الله عليه بخل وجبن فقال عز من قائل: "إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ"[3] "وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُم بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ "[4].

روى ابو داود[5] والإمام أحمد[6] رحمهما الله عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "شر ما في الرجل شح هالع وجبن خالع".

وقال الله عز وجل ـ وقوله حق ووعده صدق: "وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ"[7].

الله عز وجل أوجب علينا الصلاة لغرضين اثنين هما: أنها ذكر لله عز وجل ـ بل أجل ذكر ـ وهذا هو الغرض الأساس. والآخر أنها تنهى المصلي الذي يؤديها كما كان يؤديها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الفحشاء والمنكر.

فإن لم تنه الصلاة مؤديها عن الفحشاء والمنكر فلخلل فيها ولقصور منه في أدائها فعليه أن يبحث ذلك ويفتش عن هذا القصور لتلافيه حتى تنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر.

روي مرفوعاً وموقوفاً والموقوف أصح كما قال الحافظ ابن كثير[8] ـ عن عمران بن حصين وابن مسعود وابن عباس: "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له" وفي رواية: "لم يزدد من الله إلا بعداً".

وقال أبو العالية رحمه الله في تفسير هذه الآية: (إن الصلاة فيهاثلاث خِصال، فكل صلاة لا يكون فيها شيء من هذه الخلال ليست بصلاة: الإخلاص، والخشية، وذكر الله. فالإخلاص يأمره بالمعروف، والخشية تنهاه عن المنكر، وذكر الله القرآن يأمر وينهاه)[9].

فمن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر ولم تقربه من ربه فلخلل أساس في هاتين الصفتين: المحافظة عليها والخشوع فيها.

فإذا عرف الداء وجب الإسراع بالاصلاح وتعاطي الدواء.

أما بعد...

فهذا تذكير وتنبيه بشرط اساس في قبول الصلاة والانتفاع بها دنيا وأخرى وهو الخشوع والسكون في الصلاة. فما هو الخشوع؟ وما مظاهره وعلاماته؟ وما ثمرته في الحياة الدنيا وبعد الممات؟ مع ذكر نماذج طيبة من صوره عند سلفنا الصالحين وقدوتنا المفلحين لعلها تكون حافزاً ودافعاً للتشبه بهم فإن التشبه بالرجال الأخيار فلاح ونجاح.

اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، إنك ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله وسلم على إمام الخاشعين وأتقى الخلق لرب العالمين وعلى آله وصحبه والتابعين.

تعريف الخشوع

الخشوع لغة: هو السكون، والخوف، والتذلل والانكسار. وهو عكس الغرور.

الخشوع في الصلاة:

الخشوع في الصلاة نوعان:

1.     خشوع الجوارح الظاهرة.

2.     خشوع القلب وسكونه وعدم تشاغله واستدعائه واسترساله في الأمور الدنيوية.

1. خشوع الجوارح الظاهرة

ويتمثل ذلك في الآتي:

1.     عدم الالتفات في الصلاة.

2.     النظر إلى موضع سجوده في كل أطوار صلاته.

3.     ألا يكثر من الحركة بيديه ورجليه وألا يعبث بلحيته وألا ينظر إلى ساعته وجواله مثلاً.

4.     لا يتحرك من موضع قيامه إلا لحاجة الصلاة أو لأمر خطر.

5.     عدم الاطمئنان في الركوع والسجود.

6.     مسابقة الإمام.

فالظاهر عنوان الباطن فمن لم يخشع ويسكن ظاهره فمن باب أولى عدم خشوع قلبه وبواطنه.

الأدلة على ذلك

·    عن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة؟ قال: "هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد"[10].

·        وعن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة لملتفت"[11].

·        روي مرسلاً عن ابن سيرين: "أن رسول الله كان إذا صلى رفع بصره إلى السماء فنزلت: "الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ"[12] فطأطأ رأسه.".

الالتفات المبطل للصلاة هو أن يستدير بجميع بدنه، أما أن يلحظ يميناً وشمالاً سيما لصالح الصلاة، أو لضرورة فإن هذا معفو عنه.

·        وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "هل ترون قبلتي ههنا والله ما يخفى عليَّ خشوعكم ولا ركوعكم، إني لأراكم من وراء ظهري".

·        وعن جابر بن سَمُرَة يرفعه: "اسكنوا في الصلاة"[13].

·    وروى عبد الرازق وابن أبي شيبة رحمهما الله في مصنفيهما عن سعيد المسيب رحمه الله أنه رأى رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة فقال: (لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه).

قال زين الدين أبو الفضل رحمه الله: (الخشوع في القلب وأن تلين كتفك، وألا تلتفت في صلاتك، فجعل الالتفات الظاهر دليلاً على عدم الخشوع في الباطن.

إلى أن قال:

وقدد تتحرك اليد مع وجود الخشوع كما رويناه في سنن البيهقي من حديث عمر بن حريث قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربما مس لحيته وهو يصلي. وفي الكامل لابن عدي من حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ربما يضع يده على لحيته في الصلاة من غير عبث. وقيل: الخشوع في الصلاة الإقبال عليها قاله مالك في (العتبية) فيما حكاه الباجي في (المنتقي). وقيل: هو السكون فيها. رواه البيهقي عن مجاهد.

إلى أن قال:

وروي عن قتادة: الخشوع في القلب وإلباد البصر في الصلاة، وقيل: الخشوع إطراق من الرأس إلى الأرض).

 2. خشوع القلب وسكونه

القلب ملك الأعضاء فإذا صلح صَلُحَ الجسد كله وإذا فسد فسد الجسد كله كذلك الأمر بالنسبة للخشوع فإذا خشع القلب خشعت لخشوعه جميع الجوارح كما قال سيد التابعين سعيد بن المسيب: (لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه).

الخواطر نوعان

الخواطر منها ما هو غير مقدور عليه وهو الذي يهجم على القلب هجوماً ويتعذر دفعه وهو معفو عنه، ومنها ما يستدعيه الإنسان ويسترسل معه مع إمكان قطعه والتخلص منه.

وهو قسمان:

1.     منه ما يتعلق بأمر الدين والآخرة.

2.     ومنه ما يتعلق بأمر الدنيا، وتلاعب الشيطان، وسعيه لإفساد صلاة المصلين.

قال الحافظ ابن دقيق العيد رحمه الله في شرح حديث عثمان رضي الله عنه يرفعه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ("من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه"[14]. قوله: "لا يحدث فيهما نفسه" إشارة إلى الخواطر والوساوس الواردة على النفس وهي على قسمين:

أحدهما: ما يهجم هجماً يتعذر دفعه عن النفس.

والثاني: ما تسترسل معه النفس ويمكن قطعه ودفعه.

فيمكن أن يحمل الحديث على هذا النوع الثاني، فيخرج عنه النوع الأول لعسر اعتباره، ويشهد لذلك لفظة "يحدث نفسه"، فإنه يقتضي تكسباً منه وتفعلاً لهذا الحديث. ويمكن أن يحمل على النوعين معاً إلا أن العسر إنما يجب دفعه عما يتعلق بالتكاليف، والحديث إنما يقتضي ترتيب ثواب مخصوص على عمل مخصوص، فمن حصل له ذلك العمل حصل له ذلك الثواب، ومن لا فلا. وليس ذلك من باب التكاليف حتى لا يلزم دفع العسر عنه. نعم، لابد وأن تكون تلك الحالة ممكنة الحصول، أعني الوصف المرتب عليه الثواب المخصوص والأمر كذلك فإن المتجردين عن شواغل الدنيا الذين غلب ذكر الله عز وجل على قلوبهم وعمرها تحصل لهم تلك الحالة، وقد حكي عن بعضهم ذلك.

وحديث النفس يعم الخواطر المتعلقة بالدنيا والخواطر المتعلقة بالآخرة، والحديث محمول والله أعلم على ما يتعلق بالدنيا إذ لابد من حديث النفس فيما يتعلق بالآخرة كالفكر في معاني المتلو من القرآن العزيز، والمذكور من الدعوات والأذكار)[15].

نماذج لمن ينشغل خاطرهم في الصلاة في بعض الأحيان بأمور الدين والآخرة

اهتمامات الخلق متفاوتة وهممهم متباينة، فمنهم من تعلقت همته بالله ورسوله ودينه والدار الآخرة، ومنهم من تعلقت همته بالدراهم والدنانير والمناصب "تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش" الحديث.

على قدر أهل العزم تاتي العزائم      وتأتي على قدر الكرام الكرائم

 وإليك طرفاً من تلك الخواطر الطيبة:

1.  خرج ابو داود وغيره عن سهل بن الحنظلية رضي الله عنه قال: (ثُوِّبَ بالصلاة، يعني صلاة الصبح، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهو يتلفت إلى الشِّعب[16]، قال أبو داود: يعني وكان ارسل فارساً إلى الشِّعب من يحرس[17])[18].

قال الإمام ابن القيم رحمه الله[19]: (فهذا الالتفات من الاشتغال بالجهاد في الصلاة، وهو يدخل في مداخل العبادات، كصلاة الخوف. وقريب منه قول عمر:

2.     (إني لأجهز جيشي في الصلاة).

3.     (وقسمت مال البحرين في الصلاة).

فهذا جمع بين الصلاة والجهاد، ونظيره:

4.  التفكر في معاني القرآن واستخراج كنوز العلم منه في الصلاة، فهذا جمع بين الصلاة والعلم، فهذا لون والتفات الغافلين اللاهين، وأفكارهم لون آخر. وبالله التوفيق).

وقال الحافظ الزين العراقي رحمه الله: (فإن قبل: فما وجه ما رواه أبو عثمان النهدي عن عمر ابن الخطاب أنه قال: إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة. وروى عروة بن الزبير عن عمر قال: إني لأحسب جزية البحرين وأنا في الصلاة، فكيف يجتمع الخشوع مع هذا؟

والجواب أن المصلي لا يمكنه دفع الخواطر العارضة في الصلاة ولم يقل في حديث عثمان[20]: لا تحدثه نفسه فيهما، وإنما قال: لا يحدث فيهما نفسه، والغالب على الإنسان الفكرة فيما يهمه. وكان عمر رضي الله عنه إذا عرض له تجهيز جيش ونحوه من أمور المسلمين أهمه ذلك فربما عرض له ذلك في الصلاة، واسترسل فيه من غير أن يقصد ذلك.

وقد ورد في كونه لا يحدث نفسه في الصلاة تقييده بأمور الدنيا رواه ابن أبي شيبة في المصنف في حديث مرسل قال فيه: "لا يحدث فيهما نفسه بشيء من الدنيا" وليس ما كان يعرض لعمر في الصلاة من أمور الدنيا بل من أمور الدين الذي يهمه ذلك. قال ابن بطال[21]: فإن قال قائل فإن الخشوع فرض في الصلاة؟ فقيل له بحسب الإنسان أن يقبل على صلاته بقلبه ونيته ويريد بذلك وجه الله عز وجل، ولا طاقة له بما اعترضه من الخواطر)[22].

الخشوع نوعان [23]

منه ما هو محمود مرغوب فيه، ومنه ما هو مذموم محذر منه وكلاهما له تعلق بالجوارح الظاهرة والباطنة.

الخشوع المحمود: هو خشوع القلب والجوارح تابعة له.

الخشوع المذموم: هو خشوع النفاق والمراءاة، وهو أن تخشع الجوارح أو بعضها والقلب ساهٍ لاهٍ.

·    قال أبو الدرداء رضي الله عنه: (استعيذوا بالله من خشوع النفاق؟ قيل: وما خشوع النفاق؟ قال: أن يُرَى الجسد خاشعاً والقلب فاجراً).

·    وعن حذيفة رضي الله عنه قال: (إياكم وخشوع النفاق. فقيل: وما خشوع النفاق؟ قال: أن ترى الجسد خاشعاً والقلب ليس بخاشع).

·    ورأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلاً طأطأ رقبته في الصلاة. فقال: (يا صاحب الرقبة، ارفع رقبتك، ليس الخضوع في الرقاب، إنما الخشوع في القلوب).

·    ورأت عائشة رضي الله عنها شباباً يمشون ويتماوتون في مشيتهم فقالت لأصحابها: (من هؤلاء؟ فقالوا: نساك. فقالت: كان عمر إذا مشى أسرع، وإذا قال اسمع، وإذا ضرب أوجع، وإذا أطعم أشبع وكام هو الناسك حقاً).

·        وقال الفضيل بن عياض رحمه الله: (كان يكره أن يُرِيَ الرجل من الخشوع أكثر مما في قلبه).

·        ورأى بعضهم رجلاً خاشع المنكبين والبدن. فقال: يا فلان، الخشوع هاهنا وأشار إلى صدره، لا هاهنا وأشار إلى منكبيه.

حكم الخشوع في الصلاة

ذهب أهل العلم في حكم الخشوع في الصلاة إلى قولين هما:

1.     واجب.

2.     سنة.

والراجح أنه واجب بقدر الطاقة وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق: "هل ترون قبلتي؟ والله ما يخفى عليَّ خشوعكم ولا ركوعكم لأني أراكم من وراء ظهري" الحديث.

وقد مدح الله الخاشعين ووسمهم بالفلاح والنجاح وأنهم الوارثون لجناته جنات الخلد.

قال الزين العراقي رحمه الله: (وقد اختلف فيه، هل هو سنة أو واجب. فحكى النووي في شرح المهذب الاتفاق على أنه سنة، وأنه ليس بواجب، وفيه نظر، فقد روينا في كتاب الزهد لابن مبارك عن عمار بن ياسر قال: لا يكتب للرجل من صلاته ما سهى عنه. وقد روي مرفوعاً كما سيأتي. وأيضاً ففي كلام غير واحد من العلماء ما يقتضي وجوبه. فقد قال إمام الحرمين[24]: أن المريض إذا لحقه بالقيام مشقة تذهب خشوعه سقط عنه القيام، فلقائل أن يقول: لولا وجوب الخشوع لما سقط حق القيام وهو واجب لأجله. ولقائل أن يقول: إنما جعل الإمام ذلك حداً لما يسقط القيام من المرض، ولا يشترط في سقوط القيام عن  المريض العجز عنه جملة، بل وجود المشقة كافيه في سقوطه، فحد الإمام المشقة بما يذهب معه الخشوع.

 وذهب القاضي حسين[25] إلى أنه إذا صلى مع مدافعة الأخبثين بحيث يذهب خشوعه بطلت على ما قاله القاضي حسين، فيقتضي وجوب الخشوع أيضاً. ومما يدل على وجوبه ما رواه أحمد والنسائي وابن حِبَّان في صحيحه من حديث عمار بن ياسر أنه صلى ركعتين فخففهما فقال: إني بادرت بهما الوسواس[26]، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الرجل ليصلي الصلاة ولعله لا يكون له منها إلا عشرها، أو تسعها، أو ثمنها، أو سبعها، أو سدسها، حتى أتى عل العدد".

وقال أحمد: إني بادرت بها السهو. وروى محمد بن نصر المروزي في كتاب (تعظيم قدر الصلاة) في حديث مرسل: "لا يقبل من عمل عملاً حتى يشهد قلبه مع بدنه" ورواه أبو شجاع الديلمي في (مسند الفردوس) من حديث أُبَي بن كعب. وقد ورد أن "الصلاة الخالية من الخشوع والتمام يضرب بها في وجه المصلي" رواه الطبراني في الأوسط من حديث أنس، واستدل على عدم الوجوب للخشوع بحديث الباب إذ لم يأمرهم بالإعادة كما قال المهلب)[27].

إذا وصل التشاغل بالمصلي إلى أنه لا يدري كم صلى؟ وماذا قرأ في الركعتين الأوليين من صلاته؟ واستمر تشاغله هذا إلى أن فرغ من صلاته لا شك أن صلاته باطلة وعليه الإعادة.

ومن أغرب ما روي في ذلك أن رجلين صليا جماعة في صلاة جهرية فقرأ الإمام الإخلاص بدلاً عن الفاتحة فما كان من المأموم إلا أن قال بعد فراغه منها: آمين.

ما يعين على الخشوع في الصلاة

الخشوع في الصلاة مطلب عزيز، والوصول إليه جد عسير، ويحتاج إلى كثير من المجاهدة والمحاسبة والحرص والانتباه فالصلاة عبادة لها خصوصيتها وميزتها عن سائر العبادات. قال الإمام محمد بن نصر المروزي المتوفى 394هـ في كتابه القيم (تعظيم قدر الصلاة)[28]: (ومن الدليل على عظم قدرها، وفضلها على سائر الأعمال: أن كل فريضة افترضها الله، فإنما افترضها على بعض الجوارح دون بعض، ثم لم يأمر باشغال القلب به إلا الصلاة، فإنه أمر أن يقام بجميع الجوارح كلها، وذلك أن ينتصبه العبد ببدنه، ويشغل قلبه بها، ليعلم ما يتلو، وما يقول فيها، ولم يفعل ذلك بشيء من الفرائض بعمل سواه إلا الصلاة وحدها.

إلى أن قال:

إلا أن أهل العلم مجتمعون على أنه إذا شغل جارحة من جوارحه بعمل من غير عمل الصلاة، أو يفكر، ومشغل قلبه بالنظر في غير أمرالصلاة، أنه منقوص من ثواب من لم يفعل ذلك تاركاً جزءاً من تمام صلاته، وكمالها فالمصلي كأنه ليس في الدنيا ولا في شيء منها إذا كان بجميع قلبه، وجميع بدنه في الصلاة، فكأنه ليس في الأرض إلا أن ثقل بدنه عليها، وذلك أنه يناجي الملك الأكبر، فلا ينبغي أن يخلط مناجاة الإله العظيم بغيرها، وكيف يفعل ذلك والنبي صلى الله عليه وسلم قد اخبر أن الله مقبل عليه وبوجهه...).

إليك هذه المعينات لعل الله ينفع بها وهي:

1.     الدعاء والتضرع وسؤال الله الخشوع: اللهم إنا نسألك قلباً خاشعاً... إلخ.

2.  استصحاب مراقبة الله عز وجل لنا في كل وقت وحين ولهذا ينبغي علينا أن نتمثل صفة الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

3.  الحرص أن لا يدخل أحدنا في الصلاة جوعان أو حاقن ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة بحضرة الطعام ولا وهو يدافعه الأخبثان"[29].

4.     يحرص المرء أن يتحرر من مشاغل الدنيا وألا يكون عبداً لها.

5.     يأتيها وعليه الوقار والسكينة.

6.     دراسة تراجم الخاشعين في صلاتهم من أجل المعونات على ذلك.

فضل الخشوع

الخشوع فضله عظيم وثوابه جزيل وخيره عميم في الدنيا والآخرة. فهو سبب أساس لدخول جنة ادنيا كما قال بعض السلف: (إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة) المراد بذلك محبة الله ورسوله والرضا بما قسمه الله على العبد ولهذا قال أحدهم: (مساكين الملوك وأبناء الملوك لو يعلمون ما نحن فيه من النعيم لجالدونا عليه بالسيوف).

وسبب لمغفرة الذنوب في الآخرة والخلود في أعلى الجنان. كما ورد في آيات سورةتي (المؤمنون) و(المعارج) وغيرهما.

وكما صح عن عثمان رضي الله عنه حين توضأ وقال: "من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه"[30].

نماذج للخاشعين في صلاتهم[31]

هذه بعض النماذج لبعض الخاشعين في صلاتهم نوردها للاقتداء والتأسي، فإن التشبه بالرجال فلاح ونجاح.

1.  سيد الخاشعين وإمام الورعين رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم.

كان رسولنا أتقى الخلق وأخشاهم وأخوفهم لربه، فعن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال: (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل) وفي رواية: (وفي صدره أزيز كأزيز الرحا من البكاء)[32].

2.   أبو بكر الصديق رض الله عنه.

كان أَبو بكر رجلاً رقيقاً، أسيفاً كثير البكاء من خشية الله سيما في الصلاة.

3.  عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

عن عبد الله بن شداد وهو من كبار التابعين قال: (سمعتُ نشيج عمر وأنا في آخر الصفوف يقرأ: "إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ"[33])[34].

4.  مسلم بن يسار[35] رحمه الله.

قال ابن عون عن عبد الله بن مسلم بن يسار: (أن أباه كان إذا صلى كأنه ود ـ أي وتد ـ لا يميل لا هكذا ولا هكذا).

وقال غيلان بن جرير: كان مسلم بن يسار يقول لأهله إذا دخل في الصلاة: (تحدثوا فلست أسمع حديثكم).  وروي أنه وقع حريق في داره واطفئ، فلما ذكر له ذلك قال: (ما شعرت).

5.  محمد بن المنكدر[36] رحمه الله.

روى الذهبي عنه قال: (بينما هو ذات ليلة قائم يصلي إذا استبكى فكثر بكاؤه حتى فزع له أهله، فسألوه فاستعجم عليهم، وتمادى في البكاء، فأرسلوا إلى ابي حازم فجاء إليه، فقال: ما الذي ابكاك؟ قال: مرت بي آية. قال: وما هي؟ قال: "وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ"[37] فبكى ابو حازم معه فاشتد بكاؤهما).

6.    يزيد بن هارون[38] رحمه الله.

قال الذهبي: (قال أحمد بن سنان القطان: ما رأيت عالماً قط أحسن صلاة من يزيد بن هارون. لم يكن يفتر من صلاة الليل والنهار). وقيل ليزيد: كم جزؤك؟ قال: (وأنام من الليل شيئاً؟ إذاً لا أنام الله عيني).

7.  محمد بن النصر المروزي[39] رحمه الله.

قال محمد بن يعقوب بن الأخرم: ما رأيت أحسن صلاة من محمد بن نصر. كان الذباب[40] يقع على أذنه، فيسيل الدم، ولا يذبه عن نفسه. وكنا نتعجب من حسن صلاته، وخشوعه، وهيئته للصلاة. كان يضع ذقنه على صدره فينتصب كأنه خشبة منصوبة.

والحمد لله رب العالمين، والعافية للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على الرسول الكريم وعلى آله وصحبه وأزواجه والتابعين.


 

1.      سورة المؤمنون: 1 ـ 9.

2.      سورة الماعون: 4 ـ 5.

3.      قيل المراد بالدوام هنا السكون والخشوع ومنه الماء الدائم ـ انظر تفسير القرآن العظيم لابن كثير جـ4/659 تفسير هذه الآية.

4.      سورة المعارج: 19 ـ 35.

5.      صحيح سنن أبي داود رقم [2511].

6.      المسند جـ2/320.

7.      سورة العنكبوت: 45.

8.      تفسير القرآن العظيم جـ3/661.

9.      المصدر السابق.

10.  البخاري في صفة الالتفات في الصلاة وفي بدء الخلق باب صفة إبليس وجنوده والترمذي رقم [590] في الصلاة وأبو داود رقم [910] في الصلاة.

11.  ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد جـ2/80 وفيه مقال.

12.  سورة المؤمنون: 2.

13.  مسلم.

14.  متفق عليه.

15.  إحكام الأحكام جـ1/39.

16.  الشِّعْب: الطريق بين جبلين.

17.  وكان هذا في غزوة هوازن.

18.  أبو داود في الصلاة رقم [916] باب الرخصة في النظر في الصلاة، وسنده صحيح.

19.  زاد المعاد لابن القيم جـ1/250.

20.  ابن عفان السابق.

21.  محمد بن الحسن بن بطال المالكي.

22.  كتاب شرح التثريب لزين الدين العراقي جـ2/373 ـ 374.

23. انظر تهذيب مدارج السالكين 275 ـ 276 والزواجر عن اقتراف الكبائر لأبي العباس أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيثمي 909 ـ 974 هـ جـ1/38 ـ 39.

24.  عبد الملك ابن الجويني.

25.  الشافعي.

26.  لم يطلهما خشية الوسوسة ولعله كان مصاباً بشيء منه.

27.  كتاب طرح التثريب جـ2/371 ـ 372.

28.  جـ1/171 والصفحات التي تليها.

29.  متفق عليه.

30.  متفق عليه.

31.  انظر رسالة الخوف والبكاء من خشية الله ـ من مؤلفاتنا.

32.  شمائل الرسول صلى الله عليه وسلم للحافظ ابن كثير تحقيق مصطفى عبد الواحد ص109.

33.  سورة يوسف: 86.

34.  صحيح البخاري كتاب الآذان رقم [713].

35.  الإمام القدوة الفقيه الزاهد أبو عبد الله البصري التابعي توفي 110هـ ـ السير جـ4/510 ـ 512.

36.  الإمام القدوة الفقيه الزاهد أبو عبد الله البصري التابعي توفي 110هـ ـ السير جـ4/510 ـ 512.

37.  سورة الزمر: 47.

38.  القدوة الحافظ أبو خالد السلمي ولد 918هـ ـ وتوفي 206 هـ السير جـ9/358 ـ 370.

39.  أبو عبد الله الحافظ شيخ الإسلام ولد ببغداد 202 هـ ـ ومات 294 هـ السير جـ14/ 33 ـ 40.

40.  النحل.