لا يحل لأحد أن يصوم أو يُفطّر المسلمين بالحساب فيتقلد إثمهم ويبوء بوزرهم
"صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته"

 

الأمور التي تتعين فيها مخالفة الكفار

الخلاصة

الدليل على ذلك

الاعتداد بالدين، والإفتخار والتمسك بسنة سيد المرسلين، وبغض الكفرة والمنافقين والمبتدعين، وعدم التشبه بهم، سر ظهور هذا الدين وبقائه: "لا تزال طائفة من أمتي  ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة وهم على ذلك"، ولا يتم ذلك إلاّ بمخالفة الكفار في المخبر والمظهر، إذ مخالفتهم قربى وعبادة، حيث أمرنا بمخالفة اليهود والنصارى  ونحوهم في أكثر من ستين حالة وهيئة.

الأمور التي تتعين فيها مخالفة الكفار

مخالفة الكفار واجبة في المخبر والمظهر سيما:

1. الهدي والسمت، لأن الهدي الصالح والسمت الصالح جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة.

2. التحدث  برطاناتهم إلاّ عند الضرورة ـ والتزام العربية الفصحى.

3. في الأعياد، فليس للمسلمين إلاّ عيدان سنويان هما الفطر والأضحى، وعيد أسبوعي هو الجمعة.

4. العمل بتقاويمهم والعمل بالتقويم القمري الغروبي، سيما في الصوم، والحج،  والعدد، والكفارات، وصرف المرتبات، والتأريخ، لأن عزة الأمة في إعتدادها بمظهرها، ولغتها، وتاريخها، وتراثها، ولهذا لا يحل العمل بالتقويم الشمسي إلاّ في معرفة أوقات الصلوات.

قال القرطبي رحمه الله في تفسير قوله تعالى: "إن عدة الشهور عند الله  اثنا عشر شهراً" الآية1: (هذه الآية تدل على أن الواجب تعليق الأحكام من العبادات وغيرها إنما يكون بالشهور والسنين التي تعرفها العرب2، دون الشهور التي تعتبرها العجم والروم والقبط، وإن لم تزد على اثني عشر شهراً، لأنها مختلفة الأعداد، منها ما يزيد على الثلاثين، و منها ما ينقص، وشهور العرب لا تزيد على الثلاثين وإن كان منها ما ينقص، والذي ينقص ليس يتعين له شهر، وإنما تفاوتها في النقصان والتمام على حسب اختلاف سير القمر في البروج)3.

ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا، وعقد الإبهام في الثالثة، والشهر هكذا وهكذا وهكذا، يعني تمام الثلاثين"4.

وقال: "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدد"5.

ينبغي للمسلمين أن يلتزموا بذلك ولو أصبحوا كلهم  كتاباً حاسبين لأن الإسلام دين الفطرة .

قال أبو العباس القرطبي المالكي في "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم"6:  (قوله صلى الله عليه وسلم "إنا أمة أمية..."، أي لا نكلف في تعرف مواقيت صومنا وعبادتناما نحتاج فيه إلى معرفة حساب ولا كتابة، وإنما ربطت عباداتنا بأعلام واضحة، وأمور ظاهرة، يستوي في معرفة ذلك الحساب وغيرهم، ثم تمم هذا المعنى وكمله حيث بينه باشارته بيديه7، و لم يتلفظ بعبارة عنه نزولاً إلى ما يفهمه الخرس8 والعجم،  وحصل من إشارته ثلاث مرات، أن الشهر يكون ثلاثين، ومن خنسه ابهامه في الثالثة: أن الشهر يكون تسعاً وعشرين... وعلى هذا الحديث من نذر أن يصوم شهراً غير معين، فله أن يصوم تسعاً وعشرين).

وعليه يحرم على الحاسب، والمنجم، ومن يعرف منازل القمر أن يصوم أويفطر بذلك  دون  الرؤية أويصّوم غيره فإن فعل فلا يجزئه  .

 قال الإمام النووي رحمه الله :( لا يلزم الحاسب ولا المنجم ولا غيرهما بذلك، لكن يجوز لهما دون غيرهما، ولا يجزئهما عن فرضهما)9.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية الفلكي الحاسب رحمه الله: (فإننا نعلم بالا ضطرار من دين الاسلام أن العمل في رؤية هلال الصوم، أوالحج، أوالعدة، أوالإيلاء، أوغير ذلك من الأحكام المتعلقة بالهلال، بخبر الحاسب أنه يُرى أولا يُرى لا يجوز.

 والنصوص المستفيضة عن النبي صلى الله عليه  وسلم بذلك  كثيرة، وقد أجمع  المسلمون عليه، ولا يعرف فيه خلاف قديم أصلاً، و لا خلاف حديث إلاّ أن بعض المتأخرين  من المتفقهة الحادثين بعد المائة الثالثة  زعم  أنه إذا غم الهلال جاز للحاسب  أن يعمل في حق نفسه بالحساب، فإن كان الحساب  دل على الرؤية صام وإلاّ فلا، وهذا القول وإن كان مقيداً بالإغمام ومختصاً بالحاسب فهو شاذ، مسبوق بالإجماع وعلى خلافه، فأما اتباع ذلك في الصحو، أوتعليق عموم الحكم العام به فما قاله مسلم)10.

وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء  بالمملكة العربية السعودية11 وقد سئلت عن جواز العمل في الصوم بالحساب الفلكي: (أولاً – القول الصحيح الذي يجب العمل به هو ما دل عليه قوله صلى الله عليه و سلم: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدة"، من أن العبرة في بدء شهر رمضان – وشوال -  وانتهائه برؤية الهلال، فإن شريعة الإسلام  التي بعث الله بها نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم عامة خالدة مستمرة إلى يوم القيامة.

ثانياً: أن الله تعالى علم ما كان وما سيكون من تقدم علم الفلك وغيره من العلوم، ومع ذلك قال: "فمن شهد منكم الشهر فليصمه"، وبينه رسوله بقوله: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" الحديث، فعلق صوم شهر رمضان والإفطار منه برؤية الهلال، ولم يعلقه بعلم الشهر بحساب النجوم، مع علمه تعالى بأن علماء الفلك سيتقدمون في علمهم بحساب النجوم وتقدير سيرها، فوجب على المسلمين المصير إلى ما شرعه الله لهم على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من التعويل في الصوم والإفطار على رؤية الهلال، وهو كالإجماع12 من أهل العلم، ومن خالف في ذلك وعول على حساب النجوم فقوله شاذ لا يعول عليه).

بداية الصفحة

الخلاصة

وعليه فإنه لا يحل لإمام المسلمين ولا لغيره، من قاضٍ، أومجلس فتوى أن يصوِّم المسلمين أويفطِّرهم بالحساب، فإن فعل ذلك فقد باء بإثمهم وتحمل وزرهم، ولا يجزئ صومهم هذا، سواء كان الجو صحواً أم لا.

ولا ينبغي لمسلم أن يطيع أحداً في ذلك لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

بداية الصفحة

والدليل على ذلك ما يأتي:

أولاً: القرآن الكريم

قوله تعالى: "إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً" الآية.

وقوله: "فمن شهد منكم الشهر فليصمه" الآية.

ثانياً: السنة

قوله صلى الله عليه وسلم: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" الحديث.

ثالثا: الإجماع

حيث أجمع أهل السنة قاطبة ـ إلا من شذ ـ أهل الحق والعدل على ذلك، ولم يعمل بالحساب إلا أهل الأهواء الرافضة، فبئس حال ومآل من اتخذ الرافضة قدوة له.

وأخيراً نقدم للمتساهلين في هذه المسألة المتهاونين فيها موقف الإمام الشهيد البطل قاضي قضاة مدينة برقة في عهده محمد بن الحُبُلي رحمه الله، الذي رفض أن يفطِّر الناس بالحساب ويتقلد إثمهم ويبوء بوزرهم، وإن أدى ذلك إلى استشهاده رحمه الله:

قال الإمام الذهبي رحمه الله: (الإمام الشهيد قاضي مدينة برقة محمد بن الحُبُلي أتاه أمير برقة ـ عندما كانت تحت وطئة الرافضة ـ فقال: غداً العيد؛ قال: حتى نرى الهلال، ولا أفطر الناس وأتقلد إثمهم؛ فقال: بهذا جاء كتاب المنصور13؛ وكان هذا رأي العبيدية يفطِّرون بالحساب، ولا يعتبرون رؤية، فلم ير الهلال، فأصبح الأمير بالطبول والبنود وأهْبَة العيد، فقال القاضي: لا أخرج ولا أصلي؛ فأمر الأمير رجلاً خطب، وكتب بما جرى إلى المنصور، فأمر، فعُلِّق في الشمس إلى أن مات، وكان يستغيث من العطش، فلم يسق، ثم صلبوه على خشبة، فلعنة الله على الظالمين)14 مصحوبة بغضب رب العالمين على الرافضة أجمعين إلى يوم الدين.

قلت: لو كان لهذا الإمام سعة أن يفطر الناس بالحساب لما جاز له أن يفضل القتل عليها، ولأخذ بها لعلمه أن هؤلاء الخبثاء سيقتلونه قطعاً إذا خالف باطلهم، كما قتلوا أسلافه من أئمة أهل السنة المالكيين على يد هؤلاء الطغاة المارقين.

قال الذهبي الحافظ الكبير والمؤرخ القدير: (قال أبو الحسن القابسي صاحب "الملخَّص"15: إن الذين قتلهم عبيد الله الرافضي الشيعي وبنوه أربعة آلاف في دار النحر في العذاب من عالم وعابد ليردوهم على الترضي عن الصحابة، فاختاروا الموت، فقال سهل الشاعر:

           وأحل دار النحر في أغلاله                 من كان ذا تقوى وذا صلوات

ودفن سائرهم في "المنستير" وهو بلسان الفرنج المعبد الكبيـر، وكانت دولة هذا بضعاً وعشرين سنة).16

وما فعله الشيعة الرافضة المتسمين بالقرامطة بالمسلمين بالمشرق في ذلك العهد فاق ما فعله إخوانهم في الضلال بالمغرب الإسلامي، كما بين ذلك المؤرخان المحدثان الذهبي وابن كثير.

يقول الذهبي في ترجمة القرمطي17 هذا: (عدو الله ملكُ البحرين أبو طاهر.. القرمطي.. الذي سار إلى مكة 317هـ ، فاستباح الحجيج كلَّهم في الحرم، واقتلع الحجر الأسود، في سبعمائة فارس، فاستباح الحجيج كلهم في الحرم، واقتلع الحجر الأسود، وردم زمزم بالقتلى، وصعد على عتبة الكعبة يصيح:

                      أنا بالله وبالله أنا                 يخلق الخلق وأفنيهم أنا

فقتل في سكك مكة وما حولها زهاء ثلاثين ألفاً، وسبى الذرية، واقام بالحرم ستةأيام، بذل السيف في سابع ذي الحجة ولم يُعَرِّف أحد ـ لم يقف أحد بعرفة ولم يحج ـ تلك السنة... دخل القرمطي سكران على فرس، فصفر له فبال عند البيت، وضرب الحجر بدُبوس هَشَّمه ثم اقتلعه، وأقاموا بمكة أحد عشر يوماً، وبقي الحجر الأسود عندهم نيفاً وعشرين سنة).

نقدم ذلك للمخدوعين بالدعايات الشيعية، والتقية الرافضية، الداعين إلى التقارب بين اللاعنين لكبار الصحابة، السابين لخيارهم، القاتلين للمترضين عليهم.

وفق الله المسلمين للعمل بكتابه، والتمسك بسنة نبيه، وعصمهم من تقليد الكفار والتشبه بهم، المفضي بهم إلى غضب الجبار، والحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله وسلم على المبعوث رحمة للعالمين.

بداية الصفحة