أيها المسؤولون عن الجامعات
انتبهوا لما يدور في أركان النقاش فيها من الكفريَّات
الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى.
وبعد..
المجادلة والمناظرة لإقناع الآخر، سواء كان مسلماً أوكافراً، جائزة ومشروعة في
الإسلام، فقد جادل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب وباهلهم بعد إقامة
الحجة عليهم: "فمن حاجَّك فيه1
من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم..".2
وجادل الصحابة، والتابعون، والسلف الصالح، ولا يزال أهل العلم يجادلون ويناظرون
العلماء، وأهل الأهواء، والكفار على حد سواء.
ويشترط في المناظرة شروط، هي:
1. أن يُبْتغي بها وجه الله، لا الغلبة وحظوظ النفس، ورحم الله الشافعي حين قال:
"ما ناظرتُ أحداً إلا وتمنيت أن يجريَ اللهُ الحقَّ على لسانه".
2. أن يقبل منها ما يتبين أنه حق.
3. أن لا يُحاد فيها عن الحق، ولله در القائل:
شكونا إليهم خراب العراق
فعابـوا علينا لحوم البقر
فكانوا كما قيل فيما مضى
أريها السُّها وتريني القمر
4. أن تكون هناك ثوابت وأرضية مشتركة متفق عليها بين المتناظرين.
5. أن لا يتعدى فيها الحدود الشرعية بالنيل والطعن في الله، ورسوله، ودينه.
هذه الشروط إذا انتفى منها شرط تصبح المناظرة عديمة الجدوى، وإذا انتفى الشرط
الخامس والأخير حرمت المناظرة على المتناظرين والسامعين، بل قد تؤدي إلى الكفر
والعياذ بالله، ولا يحل للمسؤولين السماح بها، وإلا يكونوا في الوزر سواء، قال
تعالى: "وإذا رأيتَ الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره
وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين".3
ما نسمعه من بعض ما يدور في تلك الأركان من الكفريات، والضلالات، والتطاول على
الدين، وعلى رسل الله وحدوده، ليس له مثيل ولا شبيه إلا ما يقال في حديقة "هايد
بارك" بلندن، إذ يجوز للإنسان أن يفرغ ما في جعبته من غير حسيب ولا رقيب، إلا
الرقيب العتيد.
حيث ينال في بعضها من الأنبياء وينتقصوا، وما أصاب نوح عليه السلام من أحد أعضاء
الجبهة الديمقراطية في أحدها ليس عنا ببعيد، ويُنْكر ما هو معلوم من الدين ضرورة،
وتُرَدُّ الأخبار الصحاح، ويتكلم بالكفر الصراح البواح، ثم لا يجد المتكلم بذلك من
يقيم عليه الحد إن كفر بمقالته، أويُؤدب ويُعزر من أتى بما دون ذلك، أوحتى أن
يُحذر، ويُنذر، ويُلام.
وهذا والله من الظلم العظيم، والخطأ الجسيم، أن يصبح الطعن في الدين، والتشكيك في
الثوابت حقاً شائعاً لكل من لم يستح من طلاب كفار، ومشركين، ومنسلخين من الدين.
لابد أن يكون لإدارات الجامعات هذه مشرفون ومراقبون لما يقال، ولابد أن تكون هناك
ضوابط لما يقال فيها، وأن تعرض المواضيع التي ستقدم فيها على هذه اللجنة مكتوبة،
وأن يُراقب المتحدثون، وكذلك الصحف والملصقات، فهذا من أوجب الواجبات على إدارة هذه
الجامعات، وإلا فليعلموا أنهم مسؤولون عن كل ما يدور فيها، وسيحاسبون على ذلك
حساباً عسيراً: "فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته".
وطلاب الجامعات مكلفون، وليسوا ممن رفع عنهم القلم، ولا فائدة في علم إن لم يكن
مصحوباً بالأدب والسلوك المستقيم، والخلق القويم.
بل فتح المجال للعمل السياسي غير المنضبط من العوائق الرئيسة للتحصيل العلمي، ولم
تبذر هذه البذرة الخبيثة في الجامعات إلا عن طريق الشيوعيين لاستغلال الطلاب،
وجاراهم في ذلك الإسلاميون، فالكل الآن مسؤول عن هذه الفوضى الفكرية التي سادت
كثيراً من الجامعات، وحولتها إلى مستنقعات، وجعلت الحياة فيها جحيماً لا يطاق،
وحالت دون استقرار الدراسة والتحصيل فيها.
ينبغي أن يستعاض عن هذه "الاتحادات" بجمعيات خدمية للطلاب، تعترف بها إدارات
الجامعات، وتعطيها الصبغة الشرعية، لأن للطلاب مشاكل تحتاج إلى حل، وإلى تعاون
الإدارة وهذه الجمعيات الطلابية، وقد آن الأوان للمسؤولين في الجامعات أن يكفوا عن
منافقة الطلاب، وعن الاستجابة لمثل هذه الطلبات، وعن الدخول في الموازنات السياسية.
اعلموا أيها الأبناء والبنات أن النطق بالشهادتين، وأداء الصلاة، والصيام، ونحوها
لا يعصم من الخروج من الدين.
فالكفر المخرج عن الملة قد يكون بالقول، أوالعمل، أوالاعتقاد، والكفر بالقول والعمل
لا يحتاج إلى اعتقاد، فقد يكفر المرء بقوله أوعمله من غير اعتقاد لذلك.
هذا كله مع توفر الشروط، وهي البلوغ والعقل، إذ الصبي والمجنون مرفوع القلم عنهما،
وانتفاء الموانع، وهي: الخطأ، والجهل، والإكراه، والتأويل المستساغ، أوالشبهة.
ومن أمثلة الكفر بالقول: سبُّ الدين، أوسبُّ الله، أوأحد الرسل عليهم السلام،
أوإنكار ما هو معلوم من الدين ضرورة، كإنكار الردة وحدِّها، وإنكار رجم المحصن
الزاني، ونزول عيسى عليه السلام.
ومن أمثلة الكفر بالعمل: السجود للصنم، والذبح لغير الله، والتحاكم لغير شرع الله.
ومن أمثلة الكفر بالاعتقاد: اعتقاد أن أحداً من الخلق ينفع أويضر، أواعتقاد أن
اليهود والنصارى الحاليين مؤمنون، ونحو ذلك.
وإليك بعض أقوال أهل العلم المقتدى بهم في ذلك:
o قال محمد بن سحنون المالكي المتوفى 265ﻫ: (أجمع العلماء أن
شاتم النبي صلى الله عليه وسلم المنتقص له كافر، والوعيد جارٍ عليه بعذاب الله له،
وحكمه عند الأمة القتل، ومن شك في كفره وعذابه كفر).4
o وقال ابن عبد البر المالكي المتوفى 463هـ: (قال إسحاق بن
رَاهَوَيْه: أجمع العلماء على أن من سبَّ الله عز وجل، أورسوله صلى الله عليه وسلم،
أودفع شيئاً أنزله الله، أوقتل نبياً، وهو مع ذلك مقر بما أنزل الله، أنه كافر).5
o وقال ابن شاس المالكي المتوفى 616هـ: (وظهور الردة إما أن
يكون بالتصريح بالكفر، أوبلفظ يقتضيه، أوبفعل يتضمنه).6
o وقال ابن قدامة المقدسي الحنبلي المتوفى 620هـ عن المرتد:
(يفسد صومُه، وعليه قضاء ذلك اليوم إذا عاد إلى الإسلام، سواء أسلم في أثناء اليوم
أوبعد انقضائه، وسواء كانت ردته باعتقاده ما يكفر به، أوبشكه فيما يكفر بالشك فيه،
أوبالنطق بكلمة الكفر مستهزئاً أوغير مستهزئ، قال الله تعالى: "ولئن سألتهم
ليقولنَّ إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد
كفرتم بعد إيمانكم".7
إلى أن قال: ومن سب الله تعالى كفر، سواء كان مازحاً أوجاداً).8
o وقال الإمام النووي الشافعي المتوفى 676هـ في روضة الطالبين9
عن الردة: (هي قطع الإسلام، ويحصل ذلك تارة بالقول الذي هو كفر، وتارة
بالفعل، والأفعال الموجبة للكفر هي التي تصدر عن تعمد واستهزاء بالدين صريح،
كالسجود للصنم، أوللشمس، وإلقاء المصحف في القاذورات، ونحوها، والسحر الذي فيه
عبادة الشمس.
وقال منكراً لمن زعم أن الفعل بمجرده لا يكون كفراً: وهذا زلل عظيم من المعلق،
ذكرته للتنبيه على خطئه، وتحصل الردة بالقول الذي هو كفر، سواء صدر عن اعتقاد،
أوعناد، أواستهزاء).
اللهم هل بلغت؟ اللهم فاشهد.
|