أرفع الناس منزلة من كان بين الله وبين عباده
وهم الأنبياء والعلماء

 

العلماء منزلتهم رفيعة، ومكانتهم عند الله عالية، فهم ورثة الأنبياء، والمبلغون الموقعون عن رب الأرض والسماء، وعن الرسول المجتبى، والحبيب المصطفى، ويكفيهم شرفاً وعزة أنهم الواسطة بين الخلق وربهم، فقد شاطروا الأنبياء، وقاسموا الرسل في التبليغ، والتعليم، والإرشاد، فما أطيب أثرهم على الناس، وما أقبح أثر الناس عليهم.

ثبت في الصحيح1 من حديث الزهـري عن أبي الطفيـل أن نافـع بن عبد الحـارث أتى عمـر بن الخطاب بعسفان – وكان عامل عمر على مكة – فقال له عمر: من استخلفت على أهل الوادي؟ قال: استخلفت عليهم ابن أبزى؛ فقال: من ابن أبزى؟ فقال: رجل من موالينا؛ فقال عمر: استخلفت عليهم مولى؟ فقال: إنه قارئ لكتاب الله، عالم بالفرائض، فقال عمر: أما إن نبيكم صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين".

وقال أبو العالية: كنت آتي ابن عباس وهو على سريره، وحوله قريش، فيأخذ بيدي فيجلسني معه على السرير، فتغامز بي قريش، ففطن لهم ابن عباس، فقال: هكذا العلم يزيد الشريف شرفاً، ويجلس المملوك على الأسرة.

جاء في كتاب "الجليس والأنيس" لأبي الفرج المعافى بن زكريا الجريري2: (أن معاوية رضي الله عنه ابتنى بالأبطح3 مجلساً فجلس عليه ومعه زوجه ابنة قرظة، فإذا جماعة على رحال لهم، وإذا شاب قد رفع عقيرته4 يتغنى:

               من يساجلني  يساجل  ماجداً                يملأ الدلو إلى عقـد  الكرب

قال: من هذا؟ قالوا: عبد الله بن جعفر؛ قال: خلوا له الطريق؛ ثم إذا هو بجماعة  فيهم غلام يتغنى:

               بينمــا يذكرنني أبصرنني               عند قيد الميل يسعى بي الأغر

               قلن: تعرفن الفتى؟ قلن: نعم                قد عرفناه وهل يخفى القمر؟!

قال: من هذا؟ قالوا: عمر بن أبي ربيعة؛ قال: خلوا له الطريق فليذهب؛ قال: ثم إذا هو بجماعة، وإذا فيهم رجل يُسأل، فيقال له: رميت قبل أن أحلق، وحلقت قبل أن أرمي؟ في أشياء أشكلت عليهم في مناسك الحج، فقال: من هذا؟ قالوا: عبدالله بن عمر؛ فالتفت إلى ابنه وقال: هذا وأبيك الشرف، هذا والله شرف الدنيا والآخرة.

قال الذهبي5: قال الأصمعي: دخل عطاء بن أبي رباح على عبد الملك وهو جالس على السرير، وحوله الأشراف، وذلك بمكة في وقت حجة في خلافته، فلما بصر به عبد الملك قام إليه فسلم عليه وأجلسه معه على السرير، وقعد بين يديه، وقال: يا أبا محمد، حاجتك؟ قال: يا أمير المؤمنين، اتقِ الله في حرم الله وحرم رسوله، فتعاهده بالعمارة، واتق الله في أولاد المهاجرين والأنصار، فإنك بهم جلست هذا المجلس، واتق الله في أهل الثغور، فإنهم حصن المسلمين، وتفقد أمور المسلمين، فإنك وحدك المسؤول عنهم، واتق الله فيمن على بابك، فلا تغفل عنهم، ولا تغلق دونهم بابك؛ فقال له: أفعل؛ ثم نهض وقام، فقبض على يده عبدُ الملك، وقال: يا أبا محمد، إنما سألتنا عن حوائج غيرك، وقد قضيناها، فما حاجتك؟ قال: ما لي إلى مخلوق حاجة؛ ثم خرج، فقال عبد الملك: هذا وأبيك الشرف، هذا وأبيك السؤدد.

وقال الزهري: قال لي عبد الملك بن مروان: من أين قدمتَ؟ قلت: من مكة؛ قال: فمن خلفتَ يسودها؟ قلت: عطاء؛ قال: أمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي؛ قال: فبِمَ سادهم؟ قلت: بالديانة والرواية؛ قال: إن أهل الديانة والرواية ينبغي أن يسودوا.

ثم سأله عمن يسود بقية الأمصار، فإذا جلهم من العجم، فتعجب عبد الملك من ذلك، فقال له الزهري: يا أمير المؤمنين، إنما هو الدين، من حفظه ساد، ومن ضيعه سقط.6

قال إبراهيم الحربي: كان عطاء بن أبي رباح عبداً أسود لامرأة من أهل مكة، وكان أنفه كأنه باقلاء، فجاء سليمان بن عبد الملك أمير المؤمنين إلى عطاء هو وابناه فجلسوا إليه، فلما صلى انفتل إليهم، فما زالوا يسألونه عن مناسك الحج، وقد حول قفاه إليهم، ثم قال سليمان لابنيه، قوما؛ فقاما، فقال: يا بني لا تنيا في طلب العلم، فإني لا أنسى ذلنا بين يدي هذا العبد الأسود.

وقال الحربي: وكان محمد بن عبد الرحمن الأوقص عنقه داخل في بدنه، وكان منكباه خارجين كأنهما زجان؛ فقالت له أمه: يا بني لا تكون في مجلس قوم إلا كنت المضحوك منه، المسخور به، فعليك بطلب العلم، فإنه يرفعك.

فولي قضاء مكة عشرين سنة.

قال: وكان الخصم إذا جلس إليه بين يديه يرعد حتى يقوم.

قال: ومرت به امرأة وهو يقول: اللهم أعتق رقبتي من النار؛ فقالت له: يا بان أخي، وأي رقبة لك!

وقال يحيى بن أكثم: قال الرشيد: ما أنبل المراتب؟ قلت: ما أنت فيه يا أمير المؤمنين؛ قال: فتعرف أجل مني؟ قلت: لا؛ قال: لكني أعرفه، رجل في حلقة، يقول: حدثنا فلان عن فلان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال: يا أمير المؤمنين، أهذا خير منك، وأنت ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وولي عهد المؤمنين؟ قال: نعم، ويلك، هذا خير مني، لأن اسمه مقترن باسم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يموت أبداً، ونحن نموت ونفنى، والعلماء باقون ما بقي الدهر.

وقال خيثمة بن سليمان: سمعت أبا الخناجر يقول: كنا في مجلس يزيد بن هارون والناس قد اجتمعوا إليه، فمر أمير المؤمنين، فوقف علينا في المجلس، وفي المجلس ألوف، فالتفت إلى أصحابه وقال: هذا والله الملك.

وقال سفيان الثوري: من أراد الدنيا والآخرة فعليه بالعلم.

وقال المزني: سمعت الشافعي يقول: من تعلم القرآن عظمت قيمته، ومن نظر في الفقه نبل مقداره، ومن تعلم اللغة رق طبعه، ومن تعلم الحساب جزل رأيه، ومن كتب الحديث قويت حجته، ومن لم يصن نفسه لم ينفعه علمه.

وقال سفيان بن عيينة: أرفع الناس منزلة عند الله من كان بين الله وبين عباده، وهم الأنبياء والعلماء.

وقال سهل التستري: من أراد أن ينظر إلى مجالس الأنبياء فلينظر إلى مجالس العلماء، يجيء الرجل فيقول: يا فلان، إيش تقول في رجل حلف على امرأته بكذا وكذا؟ فيقول: طلقت امرأته؛ ويجيء آخر فيقول: حلفت بكذا وكذا، فيقول: ليس يحنث بهذا القول؛ وليس هذا إلا لنبي أوعالم، فاعرفوا لهم ذلك.

قال أبو جعفر الطحاوي: كنت عند أبي عمران، فمر بنا رجل من بني الدنيا، فنظرت إليه، وشغلت به عما كنت فيه من المذاكرة، فقال لي: كأني بك قد فكرت فيما أعطي هذا الرجل من الدنيا؟ قلت له: نعم؛ قال: هل أدلك على خلة؟ هل لك أن يحول الله إليك ما عنده من مال، ويحول إليه ما عندك من علم، فتعيش أنت غنياً جاهلاً، ويعيش هو عالماً فقيراً؟ قلت: ما أختار أن يحول الله ما عندي من علم إلى ما عنده، فالعلم غنى بلا مال، وعز بلا عشيرة، وسلطان بلا رجال.

وفي ذلك قيل:

             العلم كنز وذخر لا نفــاد  له               نعم القرين إذا ما صاحب صحبا

             قد يجمع المرء مالاً  ثم يحرمه             عما قليل فيلقى الذل والحربــا

             ويا جامع العلم مغبـوط به أبداً               ولا يحاذر منه الفوت و السلبـا

             يا جامع العلم نعم الذخر تجمعه             لا تعدلن به دراً ولا ذهبــــاً

قلت: هل كان للتابعي الجليل، والعالم الكبير، عطاء بن أبي رباح، وهو مولى، أسود شديد السواد، أعور، أفطس، أشل، أعرج، ليس في رأسه شعر إلا شعرات، وقطعت يده مع ابن الزبير، ثم عمي، أن يسـود، وأن يكـون مفتي أهل مكة أكثر من عشرين سنة، سيما في المناسـك، ويقـول ابن عباس لأهل مكة: تجتمعون عليَّ وعندكم عطاء؟ وكان في زمان بني أمية يأمرون في الحج منادياً يصيح: لا يفتي الناس إلا عطاء بن أبي رباح، فإن لم يكن عطاء فعبد الله بن أبي نجيح، إلا بالعلم والتقوى والورع؟!

قال رحمه الله: لو ائتمنت على بيت مال لكنتُ أميناً، ولا آمن نفسي على أمة شوهاء.

وكذلك ما كان لابن أبي أبزى، ولأبي العالية، ولمحمد بن عبد الرحمن الأوقص، وغيرهم كثير أن يتصدروا الناس، ويؤموهم، ويسودوهم إلا بالعلم والتقوى.

ورحم الله الزهري عندما قال لعبد الملك راداً على تعجبه من سيادة الموالي على الأمصار بالعلم: يا أمير المؤمنين، إنما هو دين، من حفظه ساد، ومن ضيعه سقط.7

ولله در الفقيه الأديب، والعالم الحكيم، أبي إسحـاق الألبيري8 ، عندما قـال حاضـاً ومشجعاً ابنه أبا بكر على طلب العلم والاشتغال به، في قصيدته التي مطلعها:

             تفت فؤادك الأيـام فتــــاً              وتنحت جسمك   الساعات  نحتاً

             وتدعوك المنون   دعـاء صدق              ألا يا صاح أنت   أريد  أنتــا

قال رحمه الله:

             أبا بكر دعـوتك   لو أجبتــا              إلى ما فيه   حظك لـو عقلتـا

             إلى علم تكون به إمـامـــاً              مطاعاً إن نهيتَ وإن أمرتــا

             ويجلو بعينك من   غشاهـــا              ويهديك الطريق إذا  ضللتــا

             وتحمل منه في ناديك  تاجــاً              ويكسوك الجمال إذا عريتــا

             ينالك نفعه ما   دمت  حيـــاً              ويبقى ذكــره   لك إن  ذهبت

             هو العضب المهند   ليس ينبـو              تصيب به مقاتل من  أردتــا

             وكنز لا تخاف   عليه  لصــاً              خفيف الحمل   يوجد حيث  كنتا

             يزيد بكثرة الإنفــــاق منه              وينقص إن   به كفاً شددتـــا

             فلو قد ذقت   من حلواه طعمـاً              لآثرت التعلم واجتهدتــــا

             ولم يشغلك   عنه هوى مطـاع              ولا دنيا   بزخرفها فتنتــــا

             ولا ألهاك عنه أنيــق روض              ولا خدر   بزينتها  فتنتــــا

             فقوت الروح   أرواح المعـاني              وليس بأن   طعمت ولا شربتـا

             فواظبه وخذ   بالجــــد فيه              فإن أعطاكه الله انتفعتــــا

             وإن أعطيت فيه   طـول بـاع              وقال الناس إنك قد علمتـــا

             فلا تأمن   ســـؤال الله  عنه              بتوبيخ: علمتَ    فهل عملتـا؟!

             فرأس العلم   تقـوى الله  حقـاً              وليس بأن    يقال لقد رؤستــا

عليكم أيها الكبار والصغار بطلب العلم الشرعي، فطلب العلم ليس له عمر محدد، ولكن يتأكد طلبه للصغار والشباب، وعليك أخي المسلم أن تبدأ بالأهم ثم المهم، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فالعلم منه ما هو فرض، فإذا بلغ المسلم وجب عليه أن يتعلم كيف يتوضأ، ويغتسل، ويصلي، فإذا دخل رمضان وجب عليه تعلم أحكام الصيام، وهكذا.

ومن أوجب الواجبات تعلم العقيدة الصحيحة لمن تيسرت له.

وعليك أن تتلقى العلم من المشايخ، وأن تحرص على حضور الدروس التي تنعقد في المساجد، وأن تبدأ بصغار العلم قبل كباره، وبالكتب الميسرة، ثم تتدرج فيها.

واعلم أن هذا العلم دين، فانظر عمن تأخذ وتتلقى هذا العلم.

واحذر كذلك أن تشغلك دراستك النظامية عن تحصيل العلم الشرعي، ولا يخدعنك الشيطان بأنك ستتعلم العلم الشرعي بعد التخرج، فهذا من تلبيس إبليس وبعض الأهل.

اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً، ودعوة مستجابة، ونعوذ بك اللهم من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، ونفس لا تشبع، وعين لا تدمع.

ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً، وصلى الله وسلم على معلم البشرية، وهاديها إلى الطريق السوية، وعلى صحابته، والتابعين لهم بإحسان، ما تعاقب الليل والنهار، وما ناح قمري على الأغصان. 

  بداية الصفحة