"موت العالم ثُلْمَة1 في الإسلام لا يسدها شيء ما طرد الليل والنهار"

 

لا يزال الناس بخير ما عاش كبيرهم حتى يتعلم صغيرهم

العلماء هم أئمة الأنام، وزوامل الإسلام، وسرج الظلام، الموقعون عن رب  العالمين ورسوله الكريم، ورثة الأنبياء والمرسلين، الذين قرنت شهادتهم بشهادة الرب والملائكة المقربين، هم الأولياء والصالحون.

قال أبو حنيفة والشافعي: "إن لم يكن الفقهاء أولياء الله فليس لله ولي".2

ولهذا فقد أعلن حربه على أعدائهم رب العالمين: "من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب".3

وهم عصمة الأمة من الضلال، وسفينة نوح – النجاة – سيما عند نزول الفتن ووقوع البلاء.

فموت العلماء من الدواهي العظام، والبلايا الجسام، لأنهم رواة العلم وحملته، فبموت حملة العلم ورواته يذهب العلم، ويفشو الجهل، وتنتعش البدعة، ويقل التمسك بالسنة.

عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا".4

وعن أبي أمامة رضي الله عنه مرفوعاً: "خذوا العلم قبل أن يذهب"، قالوا: وكيف يذهب العلم يا نبي الله وفينا كتاب الله؟ قال: فغضب – لا يغضبه الله – ثم قال: "ثكلتكم أمهاتكم، أولم تكن التوراة والإنجيل في بني إسرائيل، فلم يغنيا عنهم شيئاً، إن ذهاب العلم أن يذهب حملته".5

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "أتدرون ما ذهاب العلم؟ قلنا: لا. قال: ذهاب العلماء".6

وعنه رضي الله عنه قال: لا يزال عالم يموت، وأثر للحق يدرس، حتى يكثر أهل الجهل، وقد ذهب أهل العلم، فيعملون بالجهل،  ويدينون بغير الحق، ويضلون عن سواء السبيل".7

وقال ابن عباس كذلك عند موت زيد بن ثابت: "من سره أن ينظر كيف ذهاب العلم فهكذا ذهابه".8

ولهذا السبب قال الحسن البصري رحمه الله: "موت العالم ثلمة في الإسلام لا يسدها شيء ما طرد الليل والنهار".

   بداية الصفحة

لا يزال الناس بخير ما عاش كبيرهم حتى يتعلم صغيرهم

لا يزال الناس بخير ما حرصوا على تعليم ناشئتهم قبل قبض علمائهم، فإذا غفلوا عن ذلك حتى يقبض العلماء ويتصدر الجهلاء فهذا بداية هلاكهم ونذير شؤمهم.

عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "لا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم، فإذا أخذوه عن صغارهم وشرارهم هلكوا".9

وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: "تعلموا العلم قبل أن يقبض العلم، وقبضه أن يُذهب بأصحابه، العالم والمتعلم شريكان في الخير، وسائر الناس لا خير فيهم، إن أغنى الناس رجل عالم افتقر إلى علمه، فنفع من افتقر إليه، وإن استغنى عن علمه نفع نفسه بالعلم الذي وضع الله عز وجل عنده، فمالي أرى علماءكم يموتون، وجهالكم لا يتعلمون، ولقد خشيت أن يذهب الأول ولا يتعلم الآخر، ولو أن العالم طلب العلم لازداد علماً، وما نقص العلم شيئاً، ولو أن الجاهل طلب العلم لوجد العلم قائماً، فمالي أراكم شباعاً من الطعام، جياعاً من العلم؟".10

وقال الإمام أبو بكر الآجُرِّي رحمه الله: (فما ظنكم – رحمكم الله – بطريق فيه آفات كثيرة، ويحتاج الناس إلى سلوكه في ليلة ظلماء، فإن لم يكن فيه ضياء وإلا تحيروا، فقيض لهم فيه مصابيح تضيء لهم، فسلكوه على السلامة والعافية، ثم جاءت طبقات من الناس لابد لهم من السلوك فيه فسلكوا، فبينما هم كذلك إذ طفئت المصابيح، فبقوا في الظلمة.

فهكذا العلماء في الناس، لا يعلم كثير من الناس كيف أداء الفرائض، ولا كيف اجتناب المحارم، ولا كيف يعبد الله في جميع ما يعبده به خلقه إلا ببقاء العلماء، فإذا مات العلماء تحير الناس ودَرَسَ العلم بموتهم، وظهر الجهل).11

ما أطيب وأحسن أثر العلماء على الناس، وما أقبح وأسوأ أثر الناس على العلماء.

أخي المسلم، كن عالماً، أومتعلماً، أومستعلماً، أومحباً، واحذر أن تكون الخامس – وهو الجاهل، المبتدع، المبغض للعلماء، المضخم لعثراتهم وزلاتهم، المخفي لحسناتهم – فتهلك.

اللهم اشرح صدورنا بالإسلام، ونور قلوبنا بالسنة وآي القرآن، ونسألك قلباً سليماً من الشبه والشهوات، وأن تعافينا من البدع المهلكات، إنك ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على الرسول الأكرم، والنبي الأعظم، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

   بداية الصفحة