|
|
||
ألا رحم الله الشيخ بكر أبوزيد
لقد فجعت الأمة الإسلامية قاطبة، وأهل السنة خاصة، بنبأ وفاة الشيخ الدكتور بكر أبوزيد عضو هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، ورئيس المجمع الفقهي بها. كان الشيخ رحمه الله من العلماء الربانيين، والفقهاء الحكماء القليلين العاملين بعلمهم، الناصحين لأمتهم، الذابين عن شريعة الإسلام، المدافعين عن سنة سيد الأنام، المحققين والناشرين لكتب ومصنفات السلف العظام، الراهنين أنفسهم للبحث، والتصنيف، والفتوى في النوازل الجسام، المستثمرين لأوقاتهم، الزاهدين في الشهرة، والسمعة، والظهور في وسائل الإعلام. كان رحمه الله أثارة من علماء السلف الماضين، لقد قرب إلينا ما كان عليه أمثال ابن عقيل، وابن الجوزي، وشيخي الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وغيرهم، من الجد في التحصيل، والاستفادة من الأوقات فيما ينفع، كيف لا وقد تخرج على أيدي علماء أجلاء ومشايخ فضلاء، في مقدمتهم الشيخ محمد الأمين الشنقيطي الجكني رحمه الله، حيث استمرت ملازمته له لمدة عشر سنوات. لم أتشرف برؤية الشيخ ولا الجلوس معه، ولكن عرفته كغيري من طلاب العلم من خلال مصنفاته النافعة، وفتواه القاطعة للنزاع، ومصنفاته الصادقة، وتجرده للذب عن العلماء والدعاة، نسأل الله أن يذب عن وجهه النار يوم القيامة، ومناصرته لإخوانه، ظالمين كانوا أومظلومين، عملاً بنصيحة الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم: "انصر أخاك ظالماً أومظلوماً"، فقال رجل: أنصره إذا كان مظلوماً، أرأيت إن كان ظالماً، كيف أنصره؟ قال: "تحجزه – أوتمنعه – من الظلم، فإن ذلك نصره".1 كان رحمه الله إماماً في اللغة، إماماً في الفقه، إماماً في القضاء2، إماماً في السنة وقمع البدعة، إماماً في معرفة المصادر والمراجع، غواصاً في بطون الكتب، مولعاً بالقراءة، لقد حُدِّثت أنه قرأ مجموع مجلدات فتاوى ابن تيمية الخمسة والثلاثين في سفراته الداخلية، في فترة الانتظار وفي أثناء السفر. كانت مؤلفاته كلها كتب أدب ولغة وثقافة، بجانب ما كانت تعالجه وتبحثه من مواضيع فقهية وأصولية ونحوهما، معالجة جامعة مانعة لا تحتاج إلى مزيد لطالب الحق المعافى من التعصب والتقليد. لا أحسب أني بالغت إذا شبهت مؤلفاته بالنسبة لنا ولعصرنا بمؤلفات الإمام الشافعي رحمه الله، التي قال عنها الشيخ أحمد محمد شاكر رحمه الله في تقديمه لكتاب "الرسالة" للشافعي: (كتاب "الرسالة"، بل كتب الشافعي أجمع، كتب أدب ولغة وثقافة، قبل أن تكون كتب فقه وأصول، ذلك أن الشافعي لم تهجنه عجمة، ولم تدخل على لسانه لكنة، ولم تحفظ عليه لحنة أوسقطة).3 ومن قبل قال الإمام عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله: (لما نظرت الرسالة للشافعي أذهلتني، لأني رأيت كلام رجل عاقل، فصيح، ناصح، فإني لأكثر الدعاء له).4 ما اطلعت عليه من مؤلفات هذا الإمام يدل على أنه كان من الفقهاء الحكماء، أصحاب البصيرة النافذة، والقلم السيال المطبوع، وكما يقولون: كان لسانه في قلمه، والعلم النافع الوافر، والقلب الناصح، كان في مؤلفاته قائلاً مبتكراً، لا ناقلاً مقلداً. أشهد أنني استفدت كثيراً من مصنفاته ورسائله القليلة التي تمكنت من الاطلاع عليها، ولكن قليله لا يقال له قليل. وأشهد أنني متطفل على الكتابة عن هذا الإمام لعدم معاشرتي له، وعدم اطلاعي على جميع ما خلفه من آثار، وأن هنالك من هم أولى مني بذلك، وأكثر معرفة ومعاشرة ومقدرة على بيان قدر هذا الرجل، وسيفونه حقه إن شاء الله. وما كتبت هذه الأسطر إلا من باب رد الجميل وإسداء القليل من حق هذا الشيخ علينا. اللهم أجرنا في مصيبتنا في شيخنا بكر أبو زيد، واخلف علينا خيراً منه، اللهم أكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله من خطاياه بالماء والثلج والبرد، ونقه من الذنوب كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، واجزه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، واجز الإسلام عنا وعنه خير الجزاء، وانفع بمؤلفاته ومصنفاته والاقتداء به، وبارك في ذريته، وبارك في أعمار ما بقي من علمائنا الأجلاء ومشايخنا الفضلاء. وصل الله وسلم على نبينا محمد خير الورى، وعلى آله وصحبه الكرماء، وعلى من اتبعهم بإحسان ما دامت الأرض والسماء، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم.
|
||