أيها
المسلمون احذروا
الورع الكاذب، ترك الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر،خوف الرياء
العدالة
ليست شرطاً في الآمر الناهي
الأدلة على أنَّ العدالة ليست شرطاً في الآمر الناهي
أولى خطوات التغيير
وظيفة الشيطان الأساسية صد الناس عن الخير، وتلبيسه عليهم،
وله مداخل شتى وأساليب متنوعة، أخطرها الوسوسة للمخلصين الذين لم يتمكن من
اغوائهم، واغرائهم بالفواحش والمنكرات، فيظهر لهم أنه ناصح لهم حريص على
عبادتهم، وتخليصها من الشوائب، والشرك، والرياء.
فيخيف العاملين في مجال الدعوة، ونشر العلم والاحتساب من
الرياء والسمعة، وأنهم يقولون ما لا يفعلون.
فطن لهذا المكر سادات العلماء، والأئمة الأتقياء الحكماء،
فحذروا منه، وأزالوا الكثير من اللبس فيه.
قال الحسن البصري لمطِّرف بن عبد الله رحمهما الله: عظ
أصحابك، فقال: إني اخاف أن أقول ما لا أفعل، قال: يرحمك الله! وأينا يفعل
ما يقول؟!، ويود الشيطان أنه قد ظفر بهذا، فلم يأمر أحد بمعروف، ولم ينه عن
منكر1.
وقال مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن: سمعت سعيد بن جبير
يقول: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف، ولا ينه عن المنكر حتى لا يكون فيه
شيء، ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر. قال مالك: صدق، من ذا الذي ليس
فيه شيء2.
ولله در مالك عندما عابه العمري الزاهد باشتغاله بنشر العلم، واجتماعه
بالناس وحثه على العزلة، لم يستجب له3.
فرد عليه مالك: (إنَّ الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق،
فرب رجل فتح له في الصلاة، ولم يفتح له في الصوم4،
وآخر فتح له في الصدقة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الجهاد. فنشر
العلم من أفضل أعمال البر، وقد رضيت بما فتح لي فيه، وما أظن ما أنا فيه
بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خير وبر)5.
بل ما يسر له مالك أفضل آلاف المرات مما كان عليه العمري،
فنشر العلم لا يدانيه عمل من القربات بعد الفرائض، فأين ما خلفه مالك من
العلوم النافعة، والفتاوى الموفقة، والكتب والمصنفات المفيدة مقارنة بزهد
العمري، وعزلته، واشتغاله بالعبادة رحمهما الله؟!.
يتخوف كثير من الميسرين الموفقين للدعوة إلى الله، وإلى نشر
العلم الشرعي، ونصح الأمة وإرشادها إلى ما فيه خيرها دنيا وأخرى عن طريق
الاحتساب، وممارسة الفريضة الضائعة، وما أكثر الفرائض الضائعة في هذا
العصر، أعني فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي إذا تواطأ أهل
بلدة أو محلة على تركها خسروا الخسران المبين، ولم ينفعهم صلاح أنفسهم مع
انتشار وتفشي الفساد العقدي والخلقي بين ظهراني اخوانهم المسلمين من بعض
الوعيد الذي ورد في عدم التزام الآمر بالمعروف بما يأمر به، والناهي عن
المنكر عما ينهي عنه. ويخلطون بين الأمر والنهي، وبين الالتزام بما يأمر
به المرء أو ينهي عنه، وبينهما ما بينهما نحو قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ*كَبُرَ مَقْتًا
عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ"6،
وقوله: "أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ
وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ"7.
ونحو قول الشاعر:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت
عظيم
لا شك أنَّ الأولى بالآمر الناهي الالتزام بما يأمر وينهي
حتى ينال الحسنيين، ويحوز على الفضيلتين:
1. فضيلة الأمر والنهي والاحتساب.
2. وفضيلة الالتزام بالمعروف والانتهاء عن المنكر.
فهذان عملان حبذا اجتماعهما، ولكن لا يمنع عدم التزامه بما
يأمر، واتيانه لما ينهى أنْ يأمر وينهى، فما لا يدرك كله لا يترك جله.
ولهذا قرر العلماء الربانيون الحكماء أنَّ العدالة ليست
شرطاً في الآمر الناهي، فرب مبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه ليس بفقيه.
ã
العدالة ليست شرطاً في الآمر
الناهي
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض مع القدرة على كل مسلم
براً كان أم فاجراً، تقياً كان أم فاسقاً، بل ينبغي على أصحاب الكؤوس،
والزناة، والسُّراق، والمرابين أنْ يأمر وينهى بعضهم بعضاً، إذ لو كانت
العدالة شرطاً في الآمر الناهي، لما أُمر أحد بعد محمد صلى الله عليه وسلم،
ولساد الفساد في البر والبحر، فالكمال لله ولرسوله.
فعلى المرء أنْ يسدد ويقارب ويجاهد نفسه وهواه، وينصح
لاخوانه المسلمين، هذا ما عليه أهل الحق والعدل، أهل السنة والجماعة، نقاوة
المسلمين، ولا التفات لما يقوله المخالف لهم من أهل البدع والأهواء.
قال الإمام القرطبي رحمه الله: (ليس من شرط الناهي أنْ يكون
عدلاً عند أهل السنة خلافاً للمبتدعة حيث تقول: لا يغيره إلاَّ عدل، وهذا
ساقط، فإنَّ العدالة محصورة في القليل من الخلق، والأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر عام في جميع الناس.
فإن تشبثوا بقوله تعالى: "أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ
بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ"، وقوله: "كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللهِ
أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ"، ونحوه، قيل لهم: إنما وقع الذم هاهنا
على ارتكاب مانهى عنه، لا على نهيه عن المنكر.
ولا شك في أنَّ المنهي عنه ممن يأتيه أقبح ممن لا يأتيه،
ولذلك يدور في جهنم كما يدور الحمار في الرحى)8.
ã
الأدلة على
أنَّ العدالة ليست شرطاً في الآمر الناهي
الأدلة على عدم شرط العدالة في الآمر الناهي هي:
1. قوله تعالى: "كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ
فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ"9.
قال القرطبي في تفسيرها: (وقال حُذَّاق أهل العلم: وليس من
شرط الناهي أنْ يكون سليماً عن المعصية، بل ينهي العصاة بعضهم بعضاً.
وقال بعض الأصوليين: فرض على الذين يتعاطون الكؤوس أنْ ينهي
بعضهم بعضاً، واستدلوا بهذه الآية: "كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن
مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ....."، الآية.
قالوا: لأنَّ قوله: "كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن
مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ"، يقتضي اشتراكهم في الفعل، وذمهم على ترك التناهي)10.
وقال الشيخ العثيمين رحمه الله: (اختلف العلماء -رحمهم
الله- في اشتراط أنْ يكون الآمر الناهي فاعلاً لما أمر به، تاركاً لما نهى
عنه، والصحيح أنَّه لا يشترط،، وأنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ولو
كان لا يفعل المعروف ولا يجتنب المنكر، فإنَّ ذنبه عليه، ولكن يجب أنْ يأمر
وينهى، لأنه إذا ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكونه لا يفعل
المأمور، ولا يترك المحظور لانضاف ذنباً إلى ذنبه، لذا فإنه يجب أنْ يأمر
بالمعروف وينهى عن المنكر، وإنْ كان يفعل المنكر ويترك المعروف)11.
2. وقوله تعالى: "واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي
كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ
تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ
يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا
يَفْسُقُونَ* وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا
اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ
مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ* فَلَمَّا نَسُواْ
مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ
وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ
يَفْسُقُونَ"12.
في هذه الآية دليل قوي على أنَّ الساكت عن المنكر وإنْ لم
يفعله فهو على خطر عظيم، حيث جاء في مصير الساكتين عن المنكر قولان: أنهم
نجوا، والقول الآخر: أنهم هلكوا، قال الحافظ ابن كثير: (القول الثاني: أنَّ
الساكتين كانوا مع الهالكين)13،
وهو الراجح لأنه مسكوت عنهم فدل ذلك على أنَّ الآمر الناهي يُؤجر على أمره
ونهيه، عمل بما امر ونهى أم لم يعمل، وأنَّ العامل بالخير يحاسب على تقصيره
في الأمر والنهي.
3. ومن الأدلة على أنَّ العدالة ليست شرطاً في الآمر الناهي
ماصح عنه عن طريق أبي هريرة رضي الله عنه، أنَّ رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: "..... أنه لا يدخل الجنة إلاَّ نفس مسلمة، وأنَّ الله ليؤيد هذا
الدين بالرجل الفاجر"14.
ذك لأنَّ فجوره على نفسه، ويحاسب عليه، أمَّا أمره ونهيه
فنفعهما متعدٍ ولهذا يؤجر عليهما إذا صلحت نيته كسائر الأعمال.
4. قلت إذا كان دفاع أبي طالب وهو كافر عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم حمية خفف عنه العذاب كما أخبر الصادق المصدوق إنه في ضحضاح
من النار يغلي منه دماغه وفي رواية: أُلبس نعلين من جهنم يغلي منهما دماغه،
وشكر وحمد عليه في الدنيا، ما هو إلاَّ أمر بمعروف ونهي عن المنكر ألاَّ
ينفع ذلك المسلم وإن كان مخلطاً؟!، دعك عن الخائف المتوهم.
5. ومن أقوى الأسباب لعدم اشتراط العدالة في الآمر الناهي،
أنَّ الباطل يزداد ويستشري في كل لحظة مع وجود بعض المدافعات المباركات،
فكيف إذا خلى لهم الجوء، وجلس كل إنسان في بيته واعتزل حتى يتخلص من جميع
عيوبه إلى أن يهجم عليه دعاة الباطل ويتخلصوا منه إما بقتل او حبس او
تهديد.
ورحم الله الإمام أحمد عندما قال: (ذا سكت العالم تقية
والجاهل لجهله فمن للحق)!، إي وربي فمن للحق.
لا بد للحق من مدافعين، وذابين عن دينهم وحريمهم، وأوطانهم،
وأموالهم بل وأنفسهم: "وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ
ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً"15،
فالشر يعم والخير يخص، ولابد من آمرين ناهين بررة -بررة كانوا أم فجاراً-،
فدرء المفاسد مقدم على جلب المنافع.
فأمرك ونهيك أخي الحبيب درء لمفسدة كبرى، ومضرة عظمى،
وجلوسك حتى تتخلص من كل سوء ولم، ولن تتخلص منفعة أصغر من الصغرى مقارنة
بتلك المفسدة.
اعلموا أيها العلماء وطلاب العلم أنكم هنتم وذللتم يوم
توانيتم وتهاونتم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورضي الله عن علي
حين قال متمثلاً: (لقد أكلتُ يوم أكل الثور الأبيض)، يعني لقد اغتيل
معنوياً قبل أن يغتال حسياً عندما اغتيل الخليفة الراشد عثمان ظلماً
وعدواناً.
فأنتم لقد اغتلتم يوم اغتيل العالم الفلاني، وأهنتم يوم
أهين علان، وحبستم وسجنتم يوم سجن اخوانكم، وغزيت فلسطين، والعراق، وكشمير،
والشيشان، والصومال، يوم غزيت وسلبت عنا الأندلس فلم يحرك المسلمون ساكناً،
فهم السابقون وأنتم اللاحقون إن لم تتداركوا الأمر، وتجدوا في دفع
المنكرات، وصد الغزاة، فإنَّ الله لايغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
ã
أولى خطوات التغيير
-
استشعار خطورة ما عليه المسلمون اليوم.
-
الاشتغال بالعلم النافع، والعمل على تزكية النفوس
ومجاهدتها.
-
عدم التشاغل والحرص على الفانية على حساب الباقية.
-
التسويق لفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومدافعة
ومجاهدة الكفار والمنافقين.
-
الاعتصام بالكتاب والسنة، وما أجمعت عليه الأمة، فلا صلاح
لآخر هذه الأمة إلاَّ بما صلح به أولها كما قال مالك الإمام.
-
امتناعك عن الأمر والنهي خوف الرياء يوقعك فيما هو شر
منه، الشرك، كما قال الفضيل بن عياض رحمه الله: (العمل من أجل الناس
رياء، وترك العمل من اجل الناس شرك)، كما أنَّ الاستحياءمن إنفاق القليل
يوقع فيما هو شر منه، البخل.
لاشك أنَّ الآمر الناهي إذا كان يوافق عملُه قولَه، وباطنُه
ظاهرَه، قوله ادعى للقبول، وأثره في النفوس أكبر، ولهذا ينبغي لكل ميسر
للاحتساب أنْ يجاهد نفسه وأنْ يحملها على الالتزام بما يقول بقدر الطاقة،
وأنْ يتجنب مواطن الريب والشبهات لينال الفضيلتين، ويحوز الدرجتين، وليسلم
من ألسنة المناكفين، والمجادلين، والمحتالين.
أيها الآمرون الناهون لا يستخفنكم الشيطان والمخذولون
والذين لا يعقلون عن سعيكم المبارك وعملكنم المشكور، وإحيائكم لسنة قد
أميتت، وفريضة قد عطلت،ورفعكم الإثم عن أمتكم الغافلة عن هذا الواجب
الكفائي العظيم الذي إذا تركته أمة بأسرها اثمت، ورحم الله الإمام يزيد بن
هارون عندما قال: (طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلاَّ لله)، يريد
أنَّ طلبهم للعلم وسلوكهم لسبيله هو الذي حسن نياتهم وصحح قصدهم، وأنتم
كذلك إن شاء الله: فإنَّ نصحكم لإخوانكم المسلمين بأمرهم ونهيهم سيكون
سبباً رئيساً في إلتزامكم بما تأمرون وانتهائكم عما تنهون.
قال الشيخ العثيمين رحمه الله: (ولكن في الغالب بمقتضى
الطبيعة الفطرية، أنَّ الإنسان لا يأمر الناس بشيء لا يفعله، بل يستحي
ويخجل، ولا ينهى الناس عن شيء يفعله. لكن الواجب أنْ يأمر بما أمر به الشرع
وإن كان لا يفعله، وأن ينتهي عما نهى عنه الشرع وإن كان لا يتجنبه، لأنَّ
كل واحد منهما واجب منفصل عن الآخر، وهما غير متلازمين)16.
اللهم يسرنا لليسرى، وانفعنا بالذكرى، وارزقنا الصدق في
القول والعمل والاعتقاد يا كريم يا جواد، وصلي وسلم على أخشى خلق الله
واتقاهم له، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهم إلى يوم الدين.
وكتبه
الأمين الحاج محمد أحمد
رئيس الرابطة الشرعية للعلماء والدعاة بالسودان
لثمان ليال بقين من شعبان 1430ﻫ
ã
|