|
|
||
يا شباب الدعوةاحذروا الإطراء والغلو في مشايخكم
الغلو له صور كثيرة منهانماذج لغلو بعض الشباب في بعض مشايخهمما ورد في التحذير من هذا السلوك
الإطراء هو المبالغة في المدح والكذب فيه. والغلو هو مجاوزة الحد في أي أمر من الأمور دينية كانت أم دنيوية. ↑الغلو له صور كثيرة منها
وكغلو طائفة من المسلمين في خاتم الرسل والأنبياء محمد عليه الصلاة والسلام بزعمهم:
وما شاكل ذلك من صور الغلو. كغلو المريدين الطرقية في مشايخهم، نحو زعمهم:
وما إلى ذلك. وكإطراء وكغلو بعض اتباع المذاهب في أئمتهم، وتقليدهم لهم في كل ما يقولون، وإنْ خالف الدليل الصحيح الصريح على الرغم من تحذير الأئمة من هذا السلوك. من صور هذا الإطراء الكاذب، والغلو المقيت ما قاله الحصفكي الحنفي: (والحاصل أن أبا حنيفة النعمان من أعظم معجزات المصطفى بعد القرآن، وحسبك من مناقبه واشتهار مذهبه، ما قال قولاً إلاَّ أخذ به إمام من الأئمة الأعلام، قد جعل الله الحكم لأصحابه وأتباعه من زمنه إلى هذه الأيام، إلى أنْ يحكم بمذهبه عيسى عليه السلام)2. وقال الحصفكي كذلك في مدح أبي حنيفة رحمه الله شعراً3: فلعنة ربنا أعداد رمل على من رد قول أبي حنيفة وقال أبو الحسن الكرخي الحنفي: (كل آية تخالف ما عليه أصحابنا فهي مؤولة أو منسوخة، وحديث كذلك فهو مؤول أو منسوخ)4. وقال إمام الحرمين الجويني الشافعي: (ونحن ندعي أنه يجب على كافة العاقلين، وعامة المسلمين شرقاً وغرباً، وبعداً وقرباً انتحال مذهب الشافعي، ويجب على العوام، الطغام، والجهَّال الأنذال أيضاً انتحال مذهبه، بحيث لا يبغون عنه حولاً، ولا يريدون به بديلاً)5. وقال أحد المالكية: (لو لم يكن مالك لكان الدين هالكاً). وأنشد الإمام منذر بن سعيد البلوطي عدة أبيات تصور تعلق كثير من أئمة المالكية بقول أئمتهم من غير دليل قائلاً: عذيري من قوم يقولــون كلمـــا طلبتُ دليــــلاً:هكـذا قـال مالك فإن عدتُّ قالوا: هكذا قال أشهب وقد كان لا تخفى عليـه المسالك فإن زدتُ قالوا: قال سحنون مثله ومن لم يقـل ما قالـه فهو آفــــك فإن قلتُ: قال الله ضجوا وأكثروا وقالوا جميعاً: أنت قرن مما حك وإنْ قلتُ: قد قال الرسول فقولهم أتت مالكاً في ترك ذاك المسالك6 وقال أحد الحنابلة: أنا حنبليٌ ماحييــــــت وإنْ أمت فوصيتي للناس أن يتحنبلــــــــوا لم يكتف البعض بالغلو والإطراء الكاذب في إمامه بل تعدى ذلك إلى انتقاص الآخرين مثال ذلك قول أحد الوضاعين الكذابين: (أبو حنيفة سراج الأمة،... ويكون في أمتي رجل يقال له محمد بن إدريس7، هو أضر على أمتي من إبليس). هذا الإطراء المقيت، والتعصب الذميم، والكذب والبهتان العظيم لاقى منه الأخيار الأمرَّين، ومع ذلك نجد بعض من كان ذاماً ومنكراً لهذا السلوك المشين، والمنهج العقيم، وقع فيما كان يحذر منه وينهى عنه، وابتلى بما كان يُعيَّر به الآخرين، فالعاقل من اتعظ بغيره. فقد أضحى قطاع من شباب الدعوة يتعصبون لبعض المشايخ المُحْدَثين، ويبالغون في إطرائهم والغلو فيهم حتى رفعوهم فوق بعض السابقين، وقدموا أقوالهم وترجيحاتهم وطرائقهم على أقوال وترجيحات وطرائق بعض من مضى من السلف الأكرمين. ورحم الله الشيخ محمد الأمين الشنقيطي عندما ناقشه أحد الشباب في مسألة من مسائل الحج ليس فيها دليل صريح صحيح: (أنا مقلد لمالك، وأنت مقلد للألباني، ومالك أعلم من الألباني)، أو كما قال. ↑نماذج لغلو بعض الشباب في بعض مشايخهممن الأمثلة التي تبين وتوضح الإطراء الكاذب، والغلو المقيت في بعض المشايخ المعاصرين ما يأتي:
وفي كل ذلك وغيره ذلة ورخصة لفاعل ذلك، وفتنة لهذا الشيخ الذي خصه بكل ذلك، وعدم إنصاف لغيره، لم يقتصر هذا السلوك على فصيل دون غيره، ولا على بلد دون الآخر، بل عمَّ وطمَّ.
ما ورد في التحذير من هذا السلوكمن القرآنقال تعالى محذراً المؤمنين من صنيع أهل الكتاب: "يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ"8. وقال سبحانه: "قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ"9. من السنةولهذا نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته على الغلو، وعن إطرائه، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة العقبة وهو على راحلته: "هات الْقٌط حصيات هن حصى الخَذْفِ"، فلما وضعتهن في يده، قال: "بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين"10. وعن عمر رضي الله عنه يرفعه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد الله ورسوله"11. وعن أنس رضي الله عنه: أنَّ أناساً قالوا: يا رسول الله، يا خيرنا، وابن خيرنا، وسيدنا، وابن سيدنا، فقال: "يا أيها الناس قولوا بقولكم، ولا يستجيرنكم الشيطان، أنا محمد بن عبد الله ورسوله، ما أحب أنْ ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل"12. وعن معاوية رضي الله عنه مرفوعاً: "إياكم والتمادح فإنه الذبح"13. وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يثني على رجل ويطريه في المدحة، فقال: "اهلكتم -أو قطعتم- ظهر الرجل"14. من الآثار15لما نهى الشارع الحكيم وحذر من الغلو والإطراء، خاف من ذلك السلف الصالح خوفاً شديداً ونهوا عن إطرائهم والغلو فيهم، وزجروا المادحين لهم وهم أهل لكل ما قيل فيهم وإليك طرفاً من ذلك:
وفي رواية: ارجعوا فإنه ذلة للتابع، وفتنة للمتبوع. وفي رواية: لو تعلمون من نفسي ما أعلم، ما وطىء عقبي أحد منكم.
وقال الثوري، عن أبي الوازع، قلت لابن عمر: لا يزال الناس بخير ما ابقاك الله لهم، قال: فغضب، ثم قال: إني لأحسبك عراقياً ما يغلق عليه ابن أمك بابه.
وقيل لأبي عبد الله: جزاك الله عن الإسلام خيراً، فقال: بل جزى الله الإسلام عني خيراً، ومن أنا؟!، وقال للرجل: أنت في غير حل من جلوسك. وقال رجل لأبي عبد الله: الحمد لله الذي رأيتك، قال: اقعد، أيش ذا؟، من أنا. وقال المروذي: قلت لأبي عبد الله: ما اكثر الداعين لك!، فتغرغرت عينيه، وقال: أخاف أنْ يكون هذا استدراجاً. على المشايخ وطلابهم أن يتقوا الله في هذا الدين، وفي أنفسهم، وأن يحذروا هذا الإطراء والغلو لهم، ولغيرهم، وينبغي للعلماء أن يزجروا عن ذلك زجراً شديداً، فمعظم النار من مستصغر الشرر، وألاَّ يقروا طلابهم على هذا السلوك، وليعلموا أنهم مسؤولون عن ذلك مسؤولية تامة، وعليهم أن يقتدوا برسولهم، وصحابته الكرام، والسلف العظام، وأنْ لا يدعوهم ليسلكوا سلوك الطرقية الجهلة الطغام. اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم اجعلنا خيراً مما يظنون، واغفر لنا ما لا يعلمون، ربنا لا تجعلنا فتنة للذين آمنوا ولا للذين كفروا إنك ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على اتقى خلق الله أجمعين، وعلى آله، وصحبه، والتابعين، والحمد لله رب العالمين.
وكتبه الأمين الحاج محمد أحمد رئيس الرابطة الشرعية للعلماء والدعاة بالسودان لسبع ليال بقيت من شعبان 1430هـ ↑
|
||