|
|
||
ما أطيب أثر علماء الآخرة الأخيار الأبرار على الأمة، وما أسوأ وأخطر أثر علماء السوء الأشرار عليها
أولاً: الآثار الطيبة الخالدة لعلماء الآخرة الربانيين الحكماء الأخيار على الإسلام والمسلمين
ثانياً: الآثار السيئة والنتائج الخطرة لعلماء السوء الأشرار على الإسلام والمسلمين
ما أطيب، وأحسن، وأفضل أثر علماء الآخرة الربانيين الأخيار على الإسلام والمسلمين، ويظهر ذلك في كلماتهم المضيئة، وأقوالهم النيِّرة التي أضحت قواعد لهذا الدين، وفي سلوكهم المستقيم وأفعالهم الحسنة، وفي آثارهم الخالدة النافعة، ومجهوداتهم المقدرة، ودفاعهم وذبهم عن هذا الدين، وصدعهم بالحق أمام الطغاة، وقيامهم بواجب النصيحة، وردهم لبدع المبتدعين وتأويل الضالين وتحريف المحرفين، وثباتهم على المبادئ والمُسلَّمات، وأخذهم بالعزائم عند وقوع الفتن المحيرات. وبضدها تتميز الأشياء وتتباين المواقف. فما أقبح، وأسوأ، وأضر، وأخطر أثر علماء السَّوء وطلاب الدنيا الأشرار الذين باعوا آخرتهم بدنياهم، بل بدنيا غيرهم، ويظهر ذلك جلياً فيما خلَّفوا من العقائد الباطلة، والآراء المضلة الفاسدة، والسلوك المشين، والأقوال القميئة، والآثار السيئة السالبة، والبدع المنكرة الضارة. سنمثل لآثار كل من هذين الصنفين بشيء من الإيجاز: 1. علماء الآخرة الربانيين الأخيار. 2. علماء السوء، طلاب الدنيا الأشرار. أولاً: الآثار الطيبة الخالدة لعلماء الآخرة الربانيين الحكماء الأخيار على الإسلام والمسلمين: 1. كلماتهم المضيئة، ومقولاتهم الحسنة التي أضحت قواعد لهذا الدين، ونفع الله بها وعصم كثيراً من المسلمين على سبيل المثال لا الحصر مكتفين بالآثار التي أضحت قواعد للمسلمين بعد: ما أثر عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه عندما ارتد البعض بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتبعوا المتنبئين مسيلمة الكذاب، وطليحة، وسجاع، ومنع البعض زكاتهم، و عزم أبو بكر على قتال الجميع لم يوافقه في بداية الأمر أحد من الصحابة فقال:
ما أثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه
ما أثر عن عثمان رضي الله عنه
ما أثر عن علي رضي الله عنه
ما أثر عن ابن مسعود رضي الله عنه
ما أثر عن عمرو بن العاص رضي الله عنه
ما أثر عن الحسن البصري رحمه الله
ما أثر عن الإمام محمد بن شهاب الزهري رحمه الله
ما أثر عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله
ما أثر عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله
ما أثر عن الإمام مالك رحمه الله
هذه المقولة قد أثِرَت كذلك عن أم سلمة رضي الله عنها، وعن مجاهد رحمه الله. أصبحت قاعدة في باب الإيمان بأسماء الله وصفاته، فما قاله مالك عن صفة الاستواء ينطبق على جميع الصفات.
وكان صلاح أولها بالاعتصام بالكتاب، والسنة، وما أجمع عليه سلف الأمة.
وقد أثر ذلك عن ابن سيرين أيضاً.
قال ذلك مالك رحمه الله عندما استفتاه الخليفة العباسي هارون الرشيد رحمه الله في رجل شتم النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر له أنَّ فقهاء العراق افتوه بجلده.
ما أثر عن مجاهد وغيره
قال الإمام الذهبي رحمه الله: (فقد كان السلف يطلبون العلم لله فنبُلوا، وصاروا أئمة يقتدى بهم، وطلبه قوم منهم أولاً لا لله وحصلوه، ثم استقاموا وحاسبوا أنفسهم، فجرهم العلم إلى الإخلاص في أثناء الطريق، كما قال مجاهد وغيره: طلبنا هذا العلم وما لنا فيه كبير نية، ثم رزق الله النية بعد. وبعضهم يقول: طلبنا هذا العلم لغير الله فأبى أنْ يكون إلاَّ لله، ثم نشروه بنية صالحة. وقوم طلبوه بنية فاسدة لأجل الدنيا وليثنى عليهم فلهم ما نووا........ وترى هذا الضرب لم يستضيئوا بنور العلم، ولا لهم وقع في النفوس، ولا لعلمهم كبير نتيجة من العمل، وإنما العالم من يخشى الله تعالى. وبعضهم لم يتق الله في علمه، بل ركب الحيل، وأفتى بالرخص، وروى الشاذ من الأخبار. وبعضهم اجترأ على الله، ووضع في الأحاديث، فهتكه الله، وذهب علمه، وصار زاده إلى النار). ما أثر عن الإمام الشافعي رحمه الله
قلت: حاشا لله أنْ يتخذ ولياً مبتدعاً جاهلاً، دعك أنْ يتخذ ولياً من المجانين، والبله، والمتخلفين كما يدعي ذلك الصوفية. ما أثر عن عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله لو كان الكلام علماً لاشتغل به الصحابة والتابعون ولكنه جهل دل على جهل، ونسب ذلك لمالك رحمهما الله. ما أثر عن العالم البطل المجاهد عبد الله بن المبارك رأيتُ الذنوبَ تميـت القلوبَ ويورث الـذلَّ ادمانُهـا وتركُ الذنوب حيـاةُ القلوب وخيرٌ لنفسـك عصيانها وهل أفسد الديـن إلاَّ الملوك وأحبار سـوء ورهبانها؟! لاشك أنَّ فساد الدين في كل وقت وحين من هذه الأصناف الثلاثة: الولاة الجورة، وعلماء السوء الأشرار، والعباد الجهلة. ما أثر عن سليمان التيمي رحمه الله من تتبع رخص العلماء وزلاتهم تزندق أو كاد، وتجمع فيه الشر كله. ما أثر عن الإمام أحمد رحمه الله لا تقلدني، ولا تقلد مالكاً، ولا الشافعي، ولا الأوزاعي، ولا الثوري، ولكن خذ من حيث أخذوا. ثبت من أقوال الأئمة الأربعة وغيرهم أنه لا يحل لأحد أنْ يقلد أحداً في كل ما يقول مهما كانت منزلته في العلم سوى الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا أنْ يأخذ بأقوال العلماء المخالفة للصحيح الصريح من السنة. من المجالات التي كان لعلماء الآخرة الأبرار الأثر الحسن على الإسلام والمسلمين فيها مجال الصدع بالحق والنصيحة للخلق. وقد ثَمَّرَت هذه المجهودات العظيمة صدق النية وسلامة الطوية، وعدم رغبتهم في عطايا الحكام، فقبلت أقوالهم وعمل بنصائحهم. قال الغزالي رحمه الله: (كانت سيرة العلماء مع الأمراء: قلة المبالاة، وإخلاص النصيحة لهم، لأنهم اتكلوا على فضل الله أنْ يحرسهم، ورضوا بحكم الله أنْ يرزقهم الشهادة، فلما أخلصوا إليه النية أثَّر كلامهم في القلوب القاسية، وأزال قسوتها. وأما الآن: فقد قيدت الأطماع ألسنة العلماء، فخنقتهم فسكتوا، وإنْ تكلموا لم تساعد أقوالهم فِعالُهم، ففساد الرعية بفساد الملوك، وفساد الملوك بفساد العلماء، وفساد العلماء بإستيلاء حب الجاه والمال. وهذه هي الدنيا من استولى عليه حبُّها لم يقدر على الحسبة على الأراذل، فكيف على الملوك والأفاضل؟!)6. فمن جملة من اشتهر بالأمر والنهي، والاحتساب على الحكام وللعلماء والعامة من علماء السلف على سبيل المثال لا الحصر: 1. التابعي الجليل أبو حازم الأعرج رحمه الله. 2. سفيان الثوري رحمه الله. 3. حماد بن زيد رحمه الله. 4. أبو إسماعيل الأنصاري رحمه الله. 5. الفضيل بن عياض رحمه الله. 6. ابن أبي ذئب رحمه الله. الصدع بالحق والنصح للخلق مع المحبة لله ورسوله هي التي جعلت أبا بكر الصديق رضي الله عنه يفوق أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كما قال الإمام أبو بكر المزني رحمه الله. وهو الذي جعل الإمام أحمد يفضل ابن أبي ذئب على الإمام مالك رحمهم الله. روى الفضل بن زياد عن أحمد وقد سأله شامي: من أعلم مالك أو ابن أبي ذئب؟، فقال: ابن أبي ذئب في هذا أكبر من مالك، وابن أبي ذئب اصلح في بدنه، وأورع ورعاً، وأقوم بالحق من مالك عند السلطان، وقد دخل ابن أبي ذئب على أبي جعفر-المنصور- فلم يمهله أنْ قال له الحق، قال له: الظلم فاشٍ ببابك، وأبو جعفر أبو جعفر!!. وقال حماد بن خالد: كان يُشّبه ابن أبي ذئب بسعيد بن المسيب، وما كان ابن أبي ذئب ومالك في موضع عند السلطان إلاَّ تكلم ابن أبي ذئب بالحق والأمر والنهي، ومالك ساكت، وإنما كان يُقال: ابن أبي ذئب وسعد بن إبراهيم: أصحاب أمر ونهي)7. 3. الثبات على المبادئ والأخذ بالعزائم من سمات علماء الآخرة المميزة لهم عن علماء السوء، وآثارهم الخالدة ثباتهم على المبادئ والأخذ بالعزائم ليقينهم أنَّ هذا الدين محفوظ الأصول -الوحيين- بحفظ الله: "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ"، (الحجر:9). أمَّا الحفظ العملي فبالثبات على المبادئ، والأخذ بالعزائم، وعدم الروغان والتقلب الذي هو ديدن الرسل واتباعهم وقدوتهم في ذلك نبيهم وأسوتهم الصحابة الأخيار منهم على سبيل المثال لا الحصر: 1. بلال بن أبي رباح8 رضي الله عنه 2. عبد الله بن حذافة السهمي9 رضي الله عنه. 3. حبيب بن زيد الذي مزقه مسيلمة لعنه الله وقطعه إرباً إرباً وهو باق على إيمانه. يقول الشهيد المحدث المؤرخ أبو الربيع سليمان بن موسى الكلاعي الأندلسي (565-634هـ)، وهو يؤرخ للبطولة الخالدة في حروب الردة: (وكان حبيب بن زيد وعبدالله بن وهب الأسلمي في الساقة10، فأصابهما مسيلمة، فقال لهما: أتشهدا أني رسول الله؟، فقال له الأسلمي: نعم! فأمر به فحبس في حديد. وقال لحبيب: أتشهد أني رسول الله؟، فقال: لا أسمع، فقال: أتشهد أنَّ محمداً رسول الله؟، فقال: نعم! فأمر به فقطع، وكلما قال له: أتشهد أنِّي رسول الله؟، قال: لا أسمع، فإذا قال له: أتشهد أنَّ محمداً رسول الله؟، قال: نعم، حتى قطعه عضواً عضواً! حتى قطع يديه من المنكبين، ورجليه من الوركين، ثم حرَّقه بالنار!، وهو في كل ذلك لا ينزع عن قوله، ولا يرجع عما بدأ به حتى مات في النار رحمه الله)11. وعلى هذا المنوال سار علماء السلف الأخيار منهم على سبيل المثال لا الحصر: الذين امتحنوا في فتنة خلق القرآن، وثبتوا، وجهروا، وصرحوا بالحق ولم يعرضوا وبوروا عندما أزاغ أهل الأهواء بعض خلفاء بني العباس عن منهج أهل السنة، منهم12: 1. الإمام أحمد بن نصر الخزاعي رحمه الله. 2. الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله. 3. الإمام عفان رحمه الله. 4. الإمام أبو يعقوب البويطي رحمه الله. 5. الإمام ابن الشَّحام قاضي (الرَّي) رحمه الله. 6. الإمام نُعَيم بن حماد رحمه الله. 7. الإمام محمد بن نوح رحمه الله. وغيرهم كثير من علماء بغداد وغيرها. سنكتفي بثبات اثنين فقط هما: الإمام أحمد بن نصر الخزاعي، والإمام أبو يعقوب البويطي تلميذ الإمام الشافعي، رحم الله الجميع. الإمام أحمد بن نصر الخزاعي قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: (كان أحمد بن نصر هذا من أهل العلم والديانة، والعمل الصالح والاجتهاد في الخير، وكان من أئمة السنة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وكان ممن يدعو إلى القول: بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، وكان الواثق من أشد الناس في القول بخلق القرآن يدعو إليه ليلاً ونهاراً، سراً وجهراً إعتماداً على ما كان عليه أبوه قبله13 وعمه المأمون، من غير دليل ولا برهان، ولا حجة ولا بيان، ولا سنة ولا قرآن. إلى أن قال: قال له -أي الواثق-: ما تقول في القرآن؟، فقال هو كلام الله، قال: أمخلوق هو؟، قال: هو كلام الله. وكان أحمد بن نصر قد استقتل وباع نفسه، وحضر وقد تحنط وتنور14، وشد على عورته ما يسترها، فقال له:ما تقول في ربك، أتراه يوم القيامة؟، فقال: يا أمير المؤمنين قد جاء القرآن والأخبار بذلك، قال تعالى: "وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ *إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ"، (القيامة:22-23). وقال صلى الله عليه وسلم: "إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته"، فنحن على الخبر. فقال الواثق لمن حوله15: ما تقولون في هذا الرجل؟، فأكثروا القول فيه، فقال عبد الرحمن بن إسحاق، وكان قاضياً على الجانب الغربي فعزل وكان مواداً لأحمد بن نصر قبل ذلك: يا أمير المؤمنين هو حلال الدم. وقال أبو عبد الله الأرمني، صاحب أحمد بن أبي داود: أسقني دمه يا أمير المؤمنين، فقال الواثق: لابد أنْ يأتي ما تريد، وقال ابن أبي داود: هو كافر يستتاب لعل به عاهة أو نقص عقل. فقال الواثق: إذا رأيتموني قمت إليه، فلا يقومنَّ أحد معي، فإني أحتسب خطاي، ثم نهض إليه بالصمامة -قد كانت سيفاً لعمرو بن معد كرب الزبيدي أهديت لموسى الهادي في أيام خلافته، فكانت صحيفة مسحورة، في أسفلها مسمورة بمسامير-، فلما انتهى إليه ضربه بها على عاتقه، وهو مربوط بالصمامة ثم طعنه في بطنه فسقط صريعاً رحمه الله على النطع ميتاً، إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون). وقال ابن كثير: وقد كان أحمد بن نصر هذا من أكابر العلماء العاملين القائمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. إلى أنْ قال: ذكره يحي بن معين يوماً فترحم عليه، وقال: قد ختم له الله بالشهادة....، وأحسن يحي بن معين الثناء عليه جداً. وذكره الإمام أحمد يوماً فقال: رحمه الله، ما كان أسخاه بنفسه لله، لقد جاد بنفسه له. كان استشهاد أحمد هذا رحمه الله في 237هـ. الإمام العلامة يوسف أبو يعقوب البويطي، المتوفى 231هـ رحمه الله قال الربيع بن سليمان: (كان البويطي أبداً يحرك شفتيه بذكر الله، وما أبصرت أحداً انزع بحجة من كتاب الله من البويطي. ولقد رأيته على بغل16، في عنقه غُل، وفي رجليه قيد، وبينه وبين الغُل سلسلة فيها لبنة17 وزنها أربعون رطلاً، وهو يقول: إنما خلق الله الخلق ب(كن)، فإذا كانت مخلوقة، فكأن مخلوقاً خلق بمخلوق، ولئن أدخلت عليه لأصدقنه، يعني: الواثق، ولأموتن في حديدي هذا حتى يأتي قوم يعلمون أنه قد مات في هذا الشأن، قوم في حديدهم. وقال الربيع: فَسُعي بالبويطي، وكان أبو بكر الأصم ممن سعى به، وكان من أصحاب ابن أبي داود، وابن الشافعي ممن سعى به، حتى كتب فيه ابن أبي داود إلى والي مصر، فامتحنه فلم يجب، وكان الوالي حسن الرأي فيه، فقال له: قل فيما بيني وبينك، قال: إنه يقتدي بي مائة ألف، ولا يدرون المعنى، قال: وقد كان أمر أنْ يحمل إلى بغداد في أربعين رطل حديد. قال الذهبي: مات البويطي في قيده مسجوناً بالعراق في سنة إحدى وثلاثين ومائتين)18. التابعي الجليل أبو مسلم الخولاني رحمه الله من النماذج الحية للثبات على المبادئ والأخذ بالعزائم، كذلك ما جرى للتابعي الجليل أبو مسلم الخولاني رحمه الله، عبد الله بن أيوب عندما طلبه الأسود العنسي لما ادَّعى النبوة، فقال له: أتشهد أني رسول الله؟. قال: لا أسمع. قال: أتشهد أنَّ محمداً رسول الله؟. قال: نعم. فرد عليه ذلك مراراً، ثم أمر بنار عظيمة فأججت فَأُلْقِىَ فيها فلمْ تضره، فقيل للأسود: أنفه عنك وإلاَّ أفسد عليك من اتبعك، فأمره فارتحل فأتى المدينة، وقد قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستخلف أبو بكر، فدخل المسجد يصلي فبصر به عمر وتفرس فيه، وعلم أنه هو عبد الله ابن أيوب الذي حرقه الكذاب بالنار، فاعتنقه ثم ذهب به إلى أبي بكر، فقال: الحمد لله الذي لم يُمِتْنِي حتى أراني من أمة محمد صلى الله عليه وسلم من فُعِل به كما فُعِل بإبراهيم خليل الرحمن19. أبو إسماعيل الأنصاري الهروي 396-481هـ رحمه الله من العلماء الآمرين بالمعروف، الناهين عن المنكر، الآخذين بالعزائم شيخ الإسلام أبو إسماعيل الانصاري من سلالة أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه مؤلف كتاب: (منازل السائرين)، الذي اختصره ابن القيم في: (مدارج السالكين)، وكتاب: (الفاروق)، في إثبات صفات الرب سبحانه. قال ابن طاهر: (سمعت الإمام أبا إسماعيل الأنصاري (بهراة)، يقول: عُرِضْتُ على السيف خمس مرات، لا يُقال لي: ارجع عن مذهبك، لكن يُقال لي: اسكت عمن خالفك، فأقول: لا أسكت)20. 4. مجادلات ومناظرات بعض العلماء الأخيار لبعض الكفار والمبتدعة من المجالات التي كان لعلماء الآخرة الربانيين فيها آثار حميدة، وفوائد عظيمة، مناظراتهم ومجادلاتهم لأهل البدع والكفار لإزالة الشبه التي يثيرونها عن الإسلام ذباً عن الدين ونصحاً لعامة المسلمين. من أشهر الذين ناظروا وجادلوا الكفار قديماً وحديثاً على سبيل المثال لا الحصر: 1. أبو الطيب الباقلاني رحمه الله. 2. الإمام أحمد رحمه الله. 3. الإمام عبد العزيز بن يحي الكتابي رحمه الله. 4. الشاب محمد بن الطيب المالكي رحمه الله. 5. شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. 6. تلميذه ابن القيم رحمه الله. 7. الإمام ابن حزم رحمه الله. ومن المحدثين: 1. الشيخ فضل الله الهندي رحمه الله. 2. الشيخ أحمد ديدات رحمه الله. لقد سلك علماء الإسلام الأخيار في مناظراتهم للكفار والمنافقين والمبتدعة سبيل الرسل الكرام، نوح، وإبراهيم، ولوط، وشعيب عليهم السلام وغيرهم كثير. وكذلك نهجوا نهج الصحابة العظام، والتابعين لهم بإحسان في جدالهم ودحضهم لحجج المنحرفين عن الجادة وفي مقدمة هؤلاء: أمير المؤمنين علي، وابن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعمر بن عبد العزيز في محاوراتهم ومجادلاتهم للخوارج، وكذلك فعل ذلك عمر بن عبد العزيز مع القدرية وغيرهم. سنكتفي في التمثيل لذلك بما قام به إمامان؛ شيخ، وشاب مع النصارى هما: القاضي محمد بن الطيب أبو بكر الباقلاني21، المتوفى 403هـ قال عنه الحافظ ابن كثير رحمه الله: (وقد كان في غاية الذكاء والفطنة، ذكر الخطيب -البغدادي- وغيره أنَّ عضد الدولة بعثه في رسالة إلى ملك الروم. فلما انتهى إليه: إذا هو لا يدخل عليه أحد إلاَّ من باب قصير كهيئة الراكع، ففهم الباقلاني أنَّ مراده أنْ ينحني الداخل عليه له كهيئة الراكع لله عز وجل، فدار إسته22 إلى الملك ودخل الباب بظهره يمشي إليه القهقرا، فلما وصل إليه انفتل فسلم عليه، فعرف الملك ذكاءه ومكانه من العلم والفهم فعظمه. ويقال: إنَّ الملك أحضر بين يديه آلة الطرب المسماة بالأرغل ليستفز عقله بها، فلما سمعها الباقلاني خاف على نفسه أنْ يظهر منه حركة ناقصة بحضرة الملك، فجعل لا يألو جهداً أنْ جرح رجله حتى خرج منها الدم الكثير، فاشتغل بالألم من الطرب، ولم يظهر عليه شيء من النقص والخفة، فعجب الملك من ذلك، ثم إنَّ الملك استكشف الأمر، فإذا هو قد جرح نفسه بما شغله عن الطرب، فتحقق للملك وفور همته، وعلو عزيمته23. وقد سأله بعض الأساقفة بحضرة ملكهم فقال: ما فعلت زوجة نبيكم24؟، وما كان من أمرها مما رميت به من الإفك!، فقال الباقلاني مجيباً على البديهة: هما امرأتان ذكرتا بسوء، مريم وعائشة، فبرأهما الله عز وجل، وكانت عائشة ذات زوج ولم تأت بولد، وأتت مريم بولد، ولم يكن لها زوج -يعني أنَّ عائشة أولى بالبراءة من مريم- وكلاهما بريئة مما قيل فيهما، فإنْ تطرق إلى الذهن الفاسد احتمال ريبة إلى هذه، فهو إلى تلك أسرع وهما بحمد الله منزهتان، مبرأتان من السماء بوحي الله عز وجل عليهما السلام. وسأل راهباً مرة في تلك المناظرات: كيف حال الزوجة والأولاد؟، وهو يعلم أنَّ الراهب ليس له زوجة شرعية ولا أولاد، فقال الراهب: مه، أما علمت أنَّ الراهب منزه عن الزوجة والأولاد، فقال الباقلاني: سبحان الله تنزهون الراهب عن الزوجة والأولاد وتنسبون ذلك لرب الأرباب؟!!. وقال له أحد القسيسين مرة منكراً معجزة انشقاق القمر بشبهة أنه لم يره كثير من المعاصرين لها. فقال ابن الباقلاني: هل المائدة التي أنزلها الله على الحواريين رآها كل أهل العصر؟!، فبهت الذي كفر، وكبت وخسر. الشيخ محمد بن محمد الطيب المالكي، المتوفى 1119هـ قال عنه الشيخ محمد خليل المرادي في سلك الدرر25: (وُلِد بالمغرب الأقصى، وحفظ القرآن وهو ابن ثمان سنين، ثم اشتغل في حفظ المتون على والده وقرأ عليه الآجرومية وعلى الشيخ محمد السعديّ الجزائري السنوسيّة، ومنظومة في العبادات مختصة في المسائل الفقية، ودرَّس السنوسيَّة للطلاب قبل أوان الاحتلام ورحل من بلاده في البر إلى طرابلس الغرب وما وجبت عليه صلاة ولا صيام، ومن طرابلس ركب البحر إلى الجامع الأزهر فطلب العلم بمصر سنتين وثمانية أشهر. ثم سافر لزيارة والدته في البحر فأسره الفرنج وذهبوا به إلى مالطة مركز الكفر، ثم نجاه الله تعالى بعد سنتين وأيام وناظرته رهبان النصارى مناظرة واسعة وكان فيهم راهب له دراية بالمسائل المنطقية والعربية ويزعم أنَّ همته بارعة وكانت مدة المناظرة نحو ثمانية أيام فأخرسهم الله وأكبتهم ووقعوا في حَيْصَ بَيْص، فمن جملة مناظرتهم معه في ألوهية عيسى أنْ قال كبيرهم يا محمديّ: إنَّ حقيقة عيسى امتزجت مع حقيقة الإلاه فصارتا حقيقة واحدة. قال: فقلت له: لا يخلو الأمر فيهما قبل امتزاجهما أنْ تكونا قديمتين أو حادثتين أوإحداهما قديمة والأخرى حادثة وكل الاحتمالات باطلة، فالامتزاج على كل الاحتمالات باطل، أمَّا على الأول فإنَّ الامتزاج مُفْضٍ للحدوث قطعاً لأنه تركيب بعد إفراد، وكل تركيب كذلك لا محالة حادث، والحادث لا يصلح للألوهية، وأمَّا الثاني فظاهر البطلان، وأمَّا الثالث بوجهيه فباطل أيضاً؛ لأن القديمة منهما بعد الامتزاج يلزم حدوثها، والحادثة منهما بعده يلزم قدمها فيؤدي إلى قلب الحقائق وقلبها محال، ويلزم أيضاً اجتماع الضدين، وهو باطل باتفاق العقول. ولما سقط في أيديهم ورأوْا أنهم قد ضلوا في هذا الطريق، قال لي كبيرهم: عقولنا لا تصل لهذا الأمر الدقيق، فقلت له: هذا عندنا من علوم أهل البداية لا من علوم أهل النهاية، فبُهِتَ الذي كفر وعبس واكفهرّ، قلت لكبيرهم: بالله عليك، أعيسى كان يعبد الصليب؟، قال: لا، وإنَّما ظهر الصليب بعد قتله - عى زعمهم-، ونحن نعبد شبيه الإله، فقلت له: بالله عليك ألله شبيه؟، قال: لا، فقلت له: يجب عليكم حرق هذه الصلبان بالزفت والقطران فاستشاط غيظاً وقال لي: كنت أوقعك في المهالك وأجعلك عبرة لكن الله أمرنا بحب الأعداء، فقلت له: لكن الله أمرنا ببغض الأعداء، فقال لي: إذاً شريعتنا كاملة، فقلت له على طريقة الاستهزاء: شريعتكم كاملة لأنها تعبد الأصنام والصلبان، وشريعتنا ناقصة لأنها تعبد الله وحده لا شريك له، فاشتد غضبه حتى كاد أنْ يبطش بي ولكن الله سلم لمزيد اللطف بي. ثم إنَّ كبيرهم قال لي: يا محمديّ إني رأيت في كتبكم الحديثة أنَّ نبيكم انشق له القمر نصفين فدخل نصفه من كم، ونصفه من الكم الآخر، وخرج تاماً من جيب صدره، ومساحة البدر مثل الدنيا ثلاث مرات وثلث، وهي ثلاثمائة وثلاث وثلاثون سنة وثلث، فما هذه الخرافات؟، فقلت له: أمَا ورد أنَّ إبليس جاء لسيدنا إدريس وهو يخيط بالإبرة وبيده قشرة بيضة وقال له: أيقدر ربك أنْ يجعل الدنيا في قشرة هذه البيضة؟، فقال لي: نعم ورد ذلك، فقلت له: كيف يقدر؟، فقال: إمَّا أنْ يكبر القشرة أو يصغر الدنيا، فقلت له: سبحان الله تحِلونه عاماً وتحرّمُونَه عاماً، وإذا سلمت هذا فلم لا تسلمه لنبينا فغص بريقه، واصفر، وعبس، وتولى فقتل كيف قدّر، وهذا الجواب مني من باب إرخاء العنان للإلزام وإلاَّ فدخول نصفي البدر من الكمين باطل عند جميع المحدثين الأعلام، لكن كبيرهم لا يعرف اصطلاح علمائنا ذوي المقام العالي فلو اجبته ببطلانه لقال لي: رأيته في كتبكم، فلا يُصغي لمقالي، فلذلك دافعته بالبرهان القطعيّ العقلي لأنه لا يمتثل بعد ما رآه للدليل النقلي. ثم إنَّ كبيرهم في ميدان البحث أنكر نبوة نبينا السيد الكامل وقال: إنه عندنا مَلِك عادل، فقلت له: ما المانع من نبوته؟، فقال: نحن لا نقول بها وإنما نقول بشدة صولته، فقلت له: أليس النبي الذي أتى بالمعجزات وأخبر بالمغيبات؟، فقال كبيرهم: أيّ معجزة أتى بها وأيّ مغيبات أخبر بها؟، فسردت له بعض المعجزات وأعظمها القرآن، وذكرت له بعض المغيبات، فقال لي: رأيت البخاري من علمائكم ذكر بعضها، ثم قال لي: إنَّما علمه ذلك الغلام يشير لقوله تعالى: "إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ"، (النحل 103)، فقلت له: بالله عليك لسان ذلك الغلام ماذا؟، قال: أعجميّ، فقلت له: بالله عليك لسان نبينا ماذا؟، قال: عربيّ، قلت له: بالله عليك نبينا يقرأ ويكتب أمْ أميّ؟، قال: أميّ، لا يقرأ ولا يكتب، فقلت له: بالله عليك هل سمعت عربياً يتعلم من عجمي؟، قال: لا، فأفحم في الجواب، وانقطع عن الخطاب. ثم قال لي: كيف يقول قرآنكم: "يَا أُخْتَ هَارُونَ"، (مريم: 28)؟، وبينه وبينها ألف من السنين؟، فقلت له: أنت أعجميّ لا تعرف لغة العرب كيف مبناها، فقال لي: وكيف ذلك؟، فقلت له: يُطلق الأخ في لغتهم على الأخ النِّسبيّ وعلى الأخ الوصفيّ، والمراد هنا الثاني، ومعنى الآية: يا أيتها المتصفة عندنا بالعفة، والديانة، والعبودية مثل هارون الموصوف بتلك الصفات الكاملة، وهذا المعنى في لسان العرب شائع وفي مجاراتهم ومجاري أساليبهم ذائع، فوقف حمار الشيخ في الطين. ولما رآني صغير السن وكان سني إذ ذاك نحو تسع عشرة سنة، قال لي: تصلح أنْ تكون مثل ولد ولدي، فمن أين جاءتك هذه المعرفة التامة؟، فقلت له: جميع ما سألتني عنه هو من علوم البداية ، ولو خضت معي في مقام النهاية لأسمعتك ما يصم أذنيك وفي هذا القدر كفاية، فترك المناظرة ورجع القهقري، وذاع صيتي في مالطة بين الرهبان والكبراء، وكنت إذا مررت في السوق يحترموني، وما خدمت كافراً قط، وكان سبب خلاصي رؤيا مبشرة، ومن يومها ركبت سفينة النجاة متوجها للإسكندرية ثم منها لمصر القاهرة. ثم سافرت للحجاز مراراً ودخلت اليمن، وعمان البحرين، والبصرة، وحلب، ودمشق، وتوجهت للروم ثم ألقيت عصا التسيار في بيت المقدس، وجاءتني الفتيا وأنا لها كاره، ومراسلاته وأشعاره كثيرة. وكانت وفاته في القدس سنة إحدى وتسعين ومائة وألف، رحمه الله تعالى). أمَّا مناظرات الأئمة: 1. ابن حزم للنصارى، يمكن الرجوع إليها في كتابه القيم: (الفصل في الملل والأهواء والنحل)، المجلد الأول. 2. ابن تيمية للنصارى، والمبتدعة، والفلاسفة في كتبه:
3. ابن القيم في كتابه: (هداية الحَيارى في أجوبة اليهود والنصارى). 4. عبد العزيز الكناني، المتوفى 240هـ: للمعتزلة في فتنة خلق القرآن في رسالة: (الحَيْدَة) له. 5. فضل الله الهندي لأحد القسيسين في كتابه: (إظهار الحق على الخلق). 6. الشيخ أحمد ديدات في مناظراته لكثير من القسيسين والرهبان، وهي مسجلة. 5. في مجال مجانبة أهل البدع وهجرهم مواقف علماء الآخرة في مجانبتهم وهجرهم لأهل البدعة الكفرية كانت مواقف حاسمة ليس فيها شيء من المداهنة والمجاملة. قال الإمام أحمد: المبتدع يُلعن ديانة، ويُهجر تقرباً إلى الله عز وجل26. وسنمثل لذلك بمواقف بعض الأئمة منهم على سبيل المثال لا الحصر: 1. مالك بن أنس رحمه الله. 2. أيوب السختياني رحمه الله. 3. يونس بن عبيد رحمه الله. 4. الإمام ابن فروخ رحمه الله، من كبار علماء المالكية. 5. الإمام ابن غانم رحمه الله، من كبار علماء المالكية. 6. الإمام البهلول رحمه الله، من كبار علماء المالكية.
وذلك لتوريتهم وتعريضهم في مسألة خلق القرآن، وعدم تصريحهم بأنَّ القرآن كلام الله غير مخلوق.
نكتفي بهذا القدر من تلك الآثار الحسنة الطيبة لنفر من علماء أهل السنة الأخيار الأبرار، فقليل من آثارهم تكفي لمن كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد. اللهم اسلكنا في سلكهم، واحشرنا في زمرتهم، ووفقنا للاقتداء بهم، والسير على طريقهم، إنك ولي ذلك والقادر عليه. ثانياً: الآثار السيئة والنتائج الخطرة لعلماء السوء الأشرار على الإسلام والمسلمين وبضدها تتميز الأشياء وتضح المواقف ويبين الفرق، فما أخطر وأضر أثر علماء السوء على الإسلام والمسلمين، ويظهر ذلك في الجوانب التالية. سنكتفي بالتمثيل إذ ليس غرضنا الإحاطة، فنقول وبالله التوفيق: 1. المقالات السيئة والكلمات القميئة المظلمة يظهر الأثر السيء لعلماء السوء في بعض الكلمات التي تفوَّه بها بعضهم، والتي كان لها دور في صد الناس عن الحق، وفي التلبيس والتضليل على طائفة من المسلمين. من ذلك زعم البعض أنَّ: أ. زعمهم (طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم) هذه الكلمة الخبيثة ظاهرها مدح لطريقة السلف، وباطنها وحقيقتها ذم وانتقاص لطريقة السلف الأسلم، الأحكم، الأعلم. يعنون بطريقة السلف طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم، وصحبه الكرام، والتابعون لهم في القرون الفاضلة العظام. رفع المتكلمون هذه المقولة الجائرة، المائلة عن الحق لتبرير ما زيَّنه لهم الشيطان من تأويل صفات الرب سبحانه، وصرفها عن مرادها. فكيف تكون الطريقة أسلم إنْ لم تكن أعلم وأحكم؟!، وهل يُعقل أنْ تكون طريقة الجهم ومقلديه أعلم وأحكم من طريقة صاحب الشرع؟!، ومفاد هذه المقولة أنْ يكون الخالفون أعلم وأحكم من السلف الصالح. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مشنعاً بهذه المقولة، ومحذراً من خطورتها: (ولا يجوز أيضاً أنْ يكون الخالفون أعلم من السالفين. كما قد يقوله بعض الأغبياء ممن لا يقدِّر قدْرَ السلف، بل ولا عرف اللهَ ورسولهَ والمؤمنين به حقيقة المعرفة المأمور بها من أنَّ: (طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم). فإنَّ هؤلاء المبتدعين الذين يفضلون طريقة الخلف من المتفلسفة ومن حذا حذوهم على طريقة السلف: إنما أُتُوا من حيث ظنُّوا: أنَّ طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث، من غير فقه لذلك، وبمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم: "وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ"، (البقرة: 78). وأنَّ طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات، وغرائب اللغات. فهذا الظن الفاسد أوجب -تلك المقالة- التي مضمونها نبذ الإسلام وراء الظهر، وقد كذبوا على طريقة السلف، وضلوا في تصويب طريقة الخلف، فجمعوا بين الجهل بطريقة السلف في الكذب عليهم، وبين الجهل والضلال بتصويب طريقة الخلف. وسبب ذلك اعتقادهم أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها هذه النصوص الفاسدة، التي شاركوا فيها اخوانهم من الكافرين؛ فلما اعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر، وكان مع ذلك لابد للنصوص من معنى، بقوا مترددين بين الإيمان باللفظ وتفويض المعنى34 -وهي التي يسمونها طريقة السلف-، وبين صرف اللفظ إلى معانٍ بنوع تكلف، -وهي التي يسمونها طريقة الخلف-، فصار هذا الباطل مركب من فساد العقل، والكفر بالسمع، فإنَّ النفي إنَّما اعتمد فيه على أمور عقلية ظنوها بينات، وهي شبهات، والسمع حرفوا فيه الكلم عن مواضعه. فلما ابتنى أمرهم على هاتين المقدمتين الكفريتين الكاذبتين كانت النتيجة استجهال السابقين الأولين واستبلاههم، واعتقاد أنهم كانوا قوماً أميين، بمنزلة الصالحين من العامة، لم يتبحروا في حقائق العلم بالله، ولم يتفطنوا في دقائق العلم الإلاهي، وأنَّ الخلف الفضلاء حازوا قصب السبق في هذا كله)35. من المقولات الشنيعة التي تفوه بها البعض، وأضحى لها آثار سيئة حيث خَدَعَتْ وضَللت بعض المسلمين أنَّ مجرد الاختلاف من المجتهدين حجة لمن صار إليه، وإنْ لم يسنده دليل مقولة: والصحيح القول: أنَّ كل مجتهد، إنْ كان من أهل الاجتهاد، وحاز شروطه فهو مأجور، إنْ أصاب الحق فله أجران، وإنْ اخطأه فله أجر واحد لأنَّ الحق عند الله واحد لا يتعدد، يصدق ذلك قوله سبحانه وتعالى: "فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا"، (الأنبياء: 79). وقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإنْ اجتهد فأخطأ فله أجر"36. ولهذا قال الإمام الحجة أبو إسحاق السفرائيني، المتوفى 418هـ: (أنَّ المصيب من المجتهدين واحد........، وكان يقول: بأنَّ كل مجتهد مُصيب، أوله سفسطة، وآخره زندقة)37. ومن الناس من ينسب هذه المقولة: أنَّ كل مجتهد مُصيب أوله سفسطة وآخره زندقة للإمام الشافعي، والعلم عند الله. يتوهم البعض أنَّ في عدم تثريبه صلى الله عليه وسلم على الذين صلوا العصر في الطريق حين جاء وقتها وهو سائرون إلى بني قريظة، وقد قال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا يُصلينَّ أحدُكم العصر إلاَّ في بني قريظة"، الحديث؛ لأنَّ هذا أمر قد فُرِغ منه ولا داعي للتثريب، والله أعلم. 2. ظهور العديد من العقائد الفاسدة المخالفة للعقيدة الصحيحة التي كان عليها سلف هذه الأمة التي نبتت منها فرق مبتدعة نحو
التي هي أساس كل شر أصاب هذا الدين قديماً وحديثاً، لأنَّ البعض الآن متلبس بعقائد المعتزلة والمرجئة وغيرهما من غير انتساب لهما. ومن أمثلة الأئمة المضلين وعلماء السوء المفسدين من يأتي:
يظهر الأثر الخبيث لهؤلاء المضلين، والأضرار البليغة في الآتي: 1. ردهم لأحاديث الآحاد الصحيحة التي تلقتها الأمة بالقبول، فقد ردوا أكثر من ألف حديث. 2. هدم المعتزلة كثيراً من قواعد الدين بأصولهم الخمسة التي ابتدعوها، وهي:
3. إزاغتهم لبعض خلفاء بني العباس عن منهج أهل السنة، وتبنيهم للعقيدة الاعتزالية. 4. جعلوا العقل حكماً على النصوص. 5. أذاقوا العديد من أئمة أهل السنة الويلات بالامتحان الخاسر، والأسر، والضرب، والقتل. لهذا عدَّهم أئمة أهل السنة من جملة أهل البدع والأهواء. وكان الإمامان: الحسن البصري، وأبو حنيفة يستجيزان لعن عمرو بن عبيد، مع اعترافهما له بالزهد، فكانا يقولان: لعنه الله ما أزهده. من عقائد الخوارج التي خالفوا فيها أهل السنة، وأوردتهم موارد الهلاك: 1. عدم اعتدادهم بالسنة والأخذ بظواهر القرآن. 2. تكفيرهم لبعض الصحابة: طلحة، والزبير، وعائشة، وعلي بعد التحكيم، ومعاوية، وعمرو بن العاص رضي الله عنهم. 3. تكفير مرتكب الكبيرة، وتخليده في النار إنْ لم يتب منها. 4. الخروج المسلح على الدولة المُحكِّمَة لشرع الله. 5. يقتلون أهل الإسلام، ويتركون عُبَّاد الصليب والأوثان. لهذا لا يحل لمرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أنْ يصف مسلماً بأنه خارجي إلاَّ إذا كان يعتقد هذه العقائد. ينفون القدر، بل الغلاة منهم ينفون علم الله الأزلي، ويقولون الأمر أنف، والإنسان خالق لفعله، وهم دركات. ينفون الصفات عن الله عز وجل. جعلوا التكاليف عبثاً بزعمهم أنَّه لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وجعلوا الإيمان مجرد نطق بالشهادتين، أو اضمار لهما. وخطرهم على الإسلام أشد من خطر الخوارج، حيث يعتقد كثير من المعاصرين لهذه العقيدة من غير انتساب لها وهم فِرَق، أبعدها عن السنة: الشيعة الإمامية كما قال الإمام ابن حزم رحمه الله، أخطر عقائدهم 41: 1. تكفير جل الصحابة إلاَّ الذين وقفوا مع علي في صِفِّين، ويخصون بذلك الخلفاء الراشدين الثلاثة، وعائشة، وحفصة رضي الله عن الجميع. 2. دعواهم تحريف القرآن، وأنَّ لهم قرآناً يساوي ثلاثة أضعاف قرآننا. 3. غلوهم في آل البيت، وتأليه بعضهم لعلي وبنيه. 4. اتخاذهم التقية، وهي الكذب على أهل السنة ذريعة للتدليس والتلبيس على كثير من العوام. 5. اعتقادهم العصمة لأئمتهم. 6. عقيدة المهدي المُنْتَظر، وهو شخصية وهمية لم يُخْلَق، لأنَّ الحسن العسكري الذي ينسبون إليه الإمام الثاني عشر هذا (محمد) لم يعقب. 7. عداوتهم لأهل السنة، وتعاونهم مع الكفار في القضاء على بغداد -العراق- في الماضي والحاضر، وتعاونهم مع النصارى، وقتلهم للحجيج عندما قامت لهم دولة في الأحساء، وهدم بئر زمزم، وقلع الحجر الأسود وأخذه معهم لأكثر من عشرين عاماً. 8. أمَّا شذوذهم في الفقه فحدِّث ولا حرج، أدناه إباحة المتعة التي هي أخت الزنا، وإباحتهم للرجل أنْ يأتي زوجه، وأمته، وعبده في الدبر. من العقائد المخالفة لعقيدة أهل السنة العقيدتان: الأشعرية والماتريدية، التي يدين بهما جل خريجي المعاهد والجماعات الإسلامية في الماضي غير السلفية. ومن الظلم أنْ يُقال: إنَّ العقيدة الأشعرية هي عقيدة أهل السنة، إذ هي والماتريدية: خليط من الكلام، والجدل، وشيء من السنة. ولهذا أفلح من وصف المعتزلة بأنهم مخنثو الخوارج في العقيدة، وكذلك الأشاعرة مخنثو المعتزلة. وجزى الله الإمام أبا الحسن الأشعري خيراً بتخليه وتبرئه من هذه العقيدة المنحرفة، حيث أعلن توبته من هذه العقيدة المنحرفة، كما أعلن توبته من الاعتزال. وذلك بلتأليف الرسالة الموسومة ب: (الإبانة في أصول الديانة)، وهي رسالة مطبوعة، محققة، ثابتة نسبتها لهذا الإمام. وأخيراً، اعلم أخي الكريم أنَّ الأمة لم تُؤْتَ قط من قِبَل علمائها الأخيار، ولكنها أُتِيت وتُؤتى من قِبَل علماء السوء الأشرار وطلاب الدنيا الفجار. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلاَّ على الظالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله، وصحبه، والتابعين.
|
||