أيها العلماء

أين أنتم من يزيد بن هارون وإخوانه من العلماء، الذين كان يخشاهم الحكام، ويخافهم المبتدعة، وتجلهم العوام؟!

ولو أن أهل العلم صانوه صانهم     ولو أنهم عظموه في النفوس لعظما

ولكن أهـانوه ودنسوا محيـاه      بالأطمـاع حتـى تجهمـــا

 

العلماء المتقون لربهم، الصائنون لعلمهم، الذين يخشون الله ويتقوه يخشاهم الحكام، ويخافهم المبتدعة والفساق، وتجلهم العامة، ويرضى عنهم ربهم ومولاهم.

من خاف الله خافه كل شيء، ومن أطاع الله أطاعه كل مخلوق من الجن والإنس والوحوش.

فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في فضل عمر رضي الله عنه أنه قال: "ما سلك فج1 إلا وقد سلك الشيطان فجاً غيره هروباً منه وخوفاً" ومع ذلك كان يقول: (وددت أن أكون كفافاً، لا لي ولا عليَّ).

وعندما قام الناس كلهم لأبي جعفر المنصور تحية له واجلالاً عند دخوله عليهم ولم يقم الإمام ابن أبي ذئب، وأراد الحاجب أن يقيمه قال له أبو جعفر: دعه، فقد قامت والله كل شعرة في جسمي.

وعندما طلب الإمام أحمد رحمه الله كما جاء في (ثلاثياته)2 من أحد تلاميذه وأعطاه نعالاً بالية كان يتوضاً عليها ـ وقد سأله المتوكل أن يرقى لجاريته المصروعة ـ اذهب وخاطب الجني الذي معها وقل له قال لك أحمد: اختر إما أن تخرج وإما أن تصفع بهذا النعال سبعين مرة! فقال: نعم نخرج، والله لو أمرنا أحمد أن نخرج من العراق لخرجنا، أحمد أطاع الله فأطعناه.

مع هذا الفضل والطاعة والخشوع لله عز وجل عندما طلب منه أحد الناس أن يدعو لأمه وكانت مريضة قال: من أنا حتى يطلب مني الدعاء؟!

وكان صلة بن اشيم إذا رآه السبع هرب منه!!

وكان يقول إذا انقضى الليل عند صلاته: يا رب أجرني من النار، أومثلي يسأل الجنة؟3

 فمن هو يزيد بن هارون؟4 وبم حاز هذا الفضل واحتل تلك المكانة؟

·       هو يزيد بن هارون بن زاذى، أصله من بخارى. ولد 118هـ وتوفى 206هـ. كنيته أبو خالد السُّـلمي.

·   قال عنه الذهبي: هو الإمام القدوة، الحافظ المتقن، شيخ الإسلام، كان رأساً في العلم والعمل، ثقة حجة، كبير الشأن.

·   وقال عنه أحمد بن سنان القطَّـان: ما رأينا عالماً قط أحسن صلاة من يزيد بن هارون، لم يكن يفتر من صلاة الليل والنهار، إذا قام إلى الصلاة كأنه وتد.

·   وقال عنه محمد بن اسماعيل الصائغ: قال رجل ليزيد بن هارون: كم جزؤك؟ قال: وأنام من الليل شيئاً؟ إذا لا أنام الله عيني.

·       وقال يعقوب بن شيبة: كان يزيد يعد من الآمرين بالمعروف، الناهين عن المنكر.

·       كان رحمه الله: رأساً في السنة، معادياً للجهمية، منكراً تأويلهم مسألة الاستواء.

·       وكان يقول: من قال القرآن مخلوق فهو زنديق.

·   وقال عنه الحسين بن عرفة: رأيت يزيد بن هارون بواسط وهو من أحسن الناس عينين، ثم رأيته بعين واحدة، ثم رأيته وقد ذهبت عينه. فقلت: يا أبا خالد: ما فعلت العينان الجميلتان؟ قال: ذهب بهما بكاء السحر.

لهذه الصفات والمزايا، خافه الملوك، وهابه المبتدعة، وأجلته العامة، ومدحه العلماء

·   روى الذهبي رحمه الله بسنده إلى يحيى بن أكثم قال ـ وكان من بطانة المأمون ـ (قال لنا المأمون: لولا مكانة يزيد بن هارون، لأظهرت القرآن مخلوق، فقيل: ومن يزيد حتى يتقى؟! فقال: ويحك إني لأرتضيه لا أن له سلطة، ولكن أخاف إن أظهرته، فيرد عليَّ، فيختلف الناس، وتكون فتنة5)6.   

·   وقال الذهبي في كتاب (ذم الكلام) ثم روى بسنده إلى عبد الوهاب بن الحكم قال: كان المأمون يسأل عن يزيد بن هارون يقول: ما مات؟ وما امتحن الناس حتى مات يزيد7.

·   عندما خشي المأمون من إظهار بدعة خلق القرآن في حياة يزيد بن هارون. قال له أحد جلسائه: فأنا أخبر لك ذلك منه. قال: فقال له: نعم. فخرج إلى واسط فجاء إلى يزيد، فدخل عليه المسجد، وجلس إليه، فقال له: يا أبا خالد، إن أمير المؤمنين يقرئك السلام، ويقول لك: إني أريد أن أظهر القرآن مخلوق. قال: فقال: كذبتَ على أمير المؤمنين، أمير المؤمنين لا يحمل الناس على ما لا يعرفونه وما لم يقل به أحد.قال فقدم. فقال: يا أمير المؤمنين كنت أنت أعلم، قال: كان من القصة كيت وكيت، قال: قال له: (ويحك تلعَّب بك)8.

أما خوف أؤلئك المبتدعة الأشرار وحذرهم من يزيد بن هارون وأمثاله من العلماء الأخيار الأبرار فأضعاف ذلك.

فكان بشر المريسي عليه من الله ما يستحقه يريد إظهار بدعته منذ عهد الرشيد ولكن لم يجرؤ على ذلك لوجود كذلك القاضي أبي يوسف وغيره فقد كان يتوعد بشر المريسي وأمثاله من أئمة البدعة.

فجزى الله علماء الآخرة الأبرار في ذبهم ودفاعهم عن دين الله عز وجل، وتقبل جهادهم، ووفق الله علماء الخلف على السير على طريقهم وترسم خطاهم، وحماهم وحصنهم من الافتتان بالجاه والمال والتعلق بالدنيا وملذاتها الفانية.

والحمد لله مُولِى النعم، كاسي العظام لحماً بعد الفناء والعدم، وصلى الله وسلم على إمام الهدى وسيد المرسلين وإمام الغر المحجلين وعلى آله وأصحابه وأزواجه وتابعيهم بإحسان إلى يوم اللقاء والدين.

  ã