مشروعية المزارعة1، والمساقاة2، والمحاقلة3، والمخابرة4

 

الأدلة على جواز المزارعة وأخواتها

أولاً: الأحاديث المسنودة

ثانياً: الآثار

ثالثاً: إجماع الصحابة

رابعاً: القياس الصحيح والنظر السديد

خامساً: الجمع والتوفيق

أقوال أهل العلم المقتدى بهم

متى تحرم المزارعة، والمخابرة، والمساقاة، والمحاقلة

الخلاصة

تنبيه

 

إن الله عز وجل أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: " يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ"5، فالواجب على كل مسلم أن يتحرى الكسب الحلال الطيب.

المكاسب الطيبة متفاوتة، فأفضل المكاسب على الإطلاق الغنائم، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "وجعل رزقي تحت ظل سيفي"6، يلي ذلك عمل الرجل بيده، ويشمل ذلك كل الحرف والمهن، قال صلى الله عليه وسلم: "ما أكل أحد قط خيراً من أن يأكل من عمل يده"7، ولكن شان هذه المكسب وعابه سلوك غالبية الحرفيين والمهنيين والعمال بسبب خلف الوعد، وعدم تجويد العمل وإحسانه، وممارسة الغش والخداع.

ثم بعد ذلك اختلف العلماء في الزراعة والتجارة أيهما أفضل؟ فمن أهل العلم من ذهب إلى تفضيل الزراعة، مستدلين بقوله صلى الله عليه وسلم: "ما من مسلم يغرس غرساً، أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة"8، ومنهم من ذهب إلى تفضيل التجارة لاحتراف الرسول صلى الله عليه وسلم لها قبل البعثة، ولأن كثيراً من السلف كانوا يشتغلون بها.

والحق أن الأمر يختلف باختلاف الأشخاص، فالتاجر الصدوق أجره عظيم، والمزارع المحتسب ثوابه جزيل، ثم الكراء والإجارة في الوظائف والأعمال المختلفة.

فعلى المرء أن يتحرى أفضل المكاسب، ولا يتعاطى الدنيئة منها، وهو واجد الطيبة، وفي كل خير لمن اتقى.

أما بعد..

فهذا بحث عن مشروعية المزارعة، والمساقاة، والمحاقلة، والمخابرة، وقد دفعني للكتابة عن ذلك فتوى نشرت بجريدة "آخر لحظة" العدد رقم [846] بتاريخ الإثنين 15/12/2008، الصفحة الثالثة، نسبتها لبدر الدين الطيب بدر بتحريم المزارعة، مما يستوجب الرد عليها ودفعها، سيما وقد نشرت في جريدة سيارة، لأن المسلمين ما فتئوا منذ فتح خيبر وقبلها يتعاطون ذلك بين ظهراني صاحب الشرع وخلفائه الراشدين من بعده وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

 ã 

الأدلة على جواز المزارعة وأخواتها

الأدلة على مشروعية وجواز المزارعة وأخواتها من السنة القولية والتقديرية، ومن عمل الخلفاء الراشدين، وأقوال التابعين لهم بإحسان، وإجازة عامة أهل العلم لها كثيرة، وقد أورد الإمام البخاري في صحيحه الدليل العمدة وغيره، وعدداً من الآثار، وأقوال أهل العلم، وهي: 9

 ã 

أولاً: الأحاديث المسنودة

1. عن ابن عمر رضي الله عنهما: "أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل خيبر بشطر10 ما يخرج منها من ثمر أوزرع، فكان يعطي أزواجه مائة وَسْق، ثمانون وسق تمر، وعشرون وسق شعير، وقسم عمر خيبر11، فخيَّر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يقطع لهن من الماء والأرض أويمضي لهن؟ فمنهن من اختار الأرض، ومنهن من اختارالوسق، وكانت عائشة رضي الله عنها اختارت الأرض".12

2. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "عامل النبي صلى الله عليه وسلم خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أوزرع".13

3.  وعنه رضي الله عنهما قال: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى خيبر اليهود على أن يعملوها ويزرعوها ولهم شطر ما يخرج منها".14

4. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "قالت الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم: اقسم15 بيننا وبين إخواننا النخيل، قال: لا. فقالوا: تكفوننا المؤنة ونشرككم في الثمرة. قالوا: سمعنا وأطعنا".16

 ã 

ثانياً: الآثار

ترجم البخاري رحمه الله لباب المزارعة بالشطر ونحوه بعدد من الآثار من الصحابة، ليدلل على أن الصحابة لم ينقل عنهم خلاف الجواز، وهي:

1. قال قيس بن مسلم عن أبي جعفر قال: "ما بالمدينة أهل بيت هجرة إلا يزرعون على الثلث والربع".

2. وزارع علي، وسعد بن مالك17، وعبد الله بن مسعود، وعمر بن عبد العزيز، والقاسم، وعروة، وآل أبي بكر، وآل عمر، وآل علي، وابن سيرين".

3. وقال عبد الرحمن بن الأسود: "كنتُ أشارك عبد الرحمن بن يزيد في الزرع".

4. وعامل عمر الناس على إن جاء عمر بالبذر من عنده فله الشطر، وإن جاءوا بالبذر فلهم كذا".

5. وقال الحسن: "لا بأس أن يجتنى القطن على النصف".

6. وقال إبراهيم، وابن سيرين، وعطاء، والحكم، والزهري، وقتادة: (لا بأس أن يعطى الثوب بالثلث، أوالربع، ونحوه".

7. وقال معمر: "لا بأس أن تكرى الماشية على الثلث، والربع، إلى أجل مسمى".

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (والحق أن البخاري إنما أراد بسياق هذه الآثار الإشارة إلى أن الصحابة لم ينقل عنهم خلاف في الجواز – في المزارعة – خصوصاً أهل المدينة، فيلزم من يقدم عملهم على الأخبار المرفوعة أن يقول بالجواز قاعدتهم).18

قلت: كان البخاري يعني المالكية الذين يعتدون بإجماع أهل المدينة ومع ذلك لم يجيزوا المزارعة بما خرج من الأرض ولكن بأجرة مالية.

لقد وصل الحافظ ابن حجر تلك الآثار التي ساقها البخاري بأسانيدها إلى دواوين السنة، نحو مصنف ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، وغيرهما من دواوين السنة، فليرجع إليها من شاء.19

ثم قال معلقاً على بعض تلك الآثار: (في هذه الترجمة ما يقتضي أنه يرى – أي البخاري – أن المزارعة والمخابرة بمعنى واحد، وهو وجه للشافعية، والوجه الآخر أنهما مختلفا المعنى: فالمزارعة العمل في الأرض ببعض ما يخرج منها والبذر من المالك، والمخابرة مثلها لكن البذر من العامل.

وقد أجازهما أحمد في رواية، ومن الشافعية: ابن خزيمة، وابن المنذر، والخطابي، وقال ابن سُريج بجواز المزارعة وسكت عن المخابرة، وعكسه الجوري من الشافعية، وهو المشهور عن أحمد، وقال الباقون: لا يجوز واحد منهما، وحملوا الآثار الواردة في ذلك على المساقاة).20

 ã 

ثالثاً: إجماع الصحابة

بجانب السنة القولية، والفعلية، والتقريرية في جواز مشروعية المزارعة وأخواتها إجماع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم، حيث لم يشذ أحد منهم في منعها إلا إذا شرط المالك، أو العامل، وحدد أن يكون نصيبه من جزء معين من الأرض – حول الجداول، ومجاري الماء، كما بينت ذلك أحاديث رافع بن خديج رضي الله عنه التي اعتمد عليها المانعون، وليس فيها أدنى دليل لما ذهبوا إليه، وسنبين ذلك بعد إيراد بعض أقوال أهل العلم والفتوى المقتدى بهم.

 ã 

رابعاً: القياس الصحيح والنظر السديد

ومن أدلة جواز المزارعة وأخواتها القياس الصحيح لمماثلتها للمضاربة، والنظر السديد حيث حاجة الناس إليها ماسة، وفي أحيان كثيرة ملاك الأرض لا يتمكنون من استثمارها، فإما أن تترك بوراً، وإما أن تستغل عن طريق المزارعة ونحوها.

 ã 

خامساً: الجمع والتوفيق

الجمع والتوفيق بين الأحاديث التي أجازت المزارعة والأحاديث التي نهت عنها، ولا نسخ، يحتم أن النهي قاصر على المزارعة المشروطة التي فيها غرر وخطر على أحد الطرفين.

 ã 

أقوال أهل العلم المقتدى بهم

قال ابن عبد البر المالكي رحمه الله: (لا يجوز كراء الأرض عند مالك وجمهور أصحابه مما تنبت تلك الأرض، أوغيرها، طعاماً كان أوغيره، مثل العصفر، والزعفران، والقطن، والكتان، ولا بشيء من الطعام والإدام، وسواء كان ذلك مما تنبته أو لا تنبته، ويجوز كراؤها عندهم بكل ما ينبته الله فيها من الجواهر وغيرها مما لا صنع فيه لآدمي نحو الذهب والفضة.. إلخ.

إلى أن قال: وقال ابن كنانة: لا تكرى الأرض بشيء إذا أعيد فيه نبت، وتكرى بما سوى ذلك كله.

وقال ابن نافع: لا تكرى بشيء من الحنطة وأخواتها، لأن ذلك محاقلة، وتكرى بما سوى ذلك.

وتحصيل مذهب مالك المعمول به فيه ما قدمت لك عنه وعن جمهور أصحابه: لا يجوز كراء الأرض بجزء مما يزرع فيها، فإن دفع رجل أرضه على ذلك فالزرع كله للذي زرعه، وعليه كراء مثلها لربها).21

قلت: مشهور مذهب مالك أنه لا يجوز كراء الأرض بشيء خرج منها من الأطعمة والمأكولات أوغيرها، ولكن بكرائها من ربها لأنه عد ذلك من قبيل المعاوضات، والراجح أن هذا ليس من قبيل المعاوضات.

فمالك رحمه الله وكل من منع المزارعة وما شابهها محجوج بالسنة الصحيحة، وبإجماع الصحابة، وبالقياس، والنظر، وبقول مالك رحمه الله: "كل يؤخذ من قوله ويترك إلا الرسول صلى الله عليه وسلم"، ولهذا لا يحل لأحد أن يقلد أحداً من الخلق في كل ما يقول سوى صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم.

وقال الإمام النووي الشافعي رحمه الله: (والمخابرة والمزارعة باطلتان، وقال ابن سُريج: تجوز المزارعة).

قلت: قد قال بجواز المزارعة والمخابرة من كبار أصحابنا أيضاً ابن خزيمة، وابن عبد المنذر، والخطابي، وصنف فيها ابن خزيمة جزءاً، وبين فيه علل الأحاديث الواردة بالنهي عنها، وجمع بين أحاديث الباب، ثم تابعه الخطابي، وقال: ضعَّف أحمد بن حنبل حديث النهي وقال: هو مضطرب كثير الألوان.

قال الخطابي: (وأبطلها مالك، وأبو حنيفة، والشافعي لأنهم لم يقفوا على علته.

قال: فالمزارعة جائزة، وهي عمل المسلمين في جميع الأمصار، لا يبطل العمل بها أحد، هذا كلام الخطابي.

والمختار جواز المزارعة والمخابرة، وتأويل الأحاديث على ما إذا شرط أحدهما زرع قطعة معينة، والآخر أخرى، والمعروف في المذهب إبطالهما).22

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في باب المساقاة: (قد ذكرت فيما تقدم من القواعد التي فيها قواعد فقهية ما جاء به الكتاب والسنة من قيام الناس بالقسط، وتناول تلك المعاملات التي هي المعاوضات والمشاركات، وذكرت أن المساقاة والمزارعة والمضاربة ونحو ذلك من المشاركات، وبينت بعض ما دخل من اللغط على من اعتقد أن ذلك من المعاوضات، كالبيع والإجارة، حتى حكم فيها أحكام المعاوضات.

وبينت جواز المزارعة ببذر من المالك، أو من العامل، كما جاءت به سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقياس الجلي، وبينت أن حديث رافع بن خديج وغيره في النهي عن المخابرة وعن كراء الأرض أن ما معناه: ما كانوا يفعلونه من اشتراط زرع بقعة معينة لرب الأرض كما بينه رافع بن خديج في الصحيحين، ومن سمى المعاملة ببذر من المالك مزارعة، ومن العامل مخابرة، فهو قول لا دليل عليه، بمنزلة الأسماء التي سماها هؤلاء وآباؤهم لم ينزل الله بها سلطاناً..

والمقصود هنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المشاركة التي هي كراء الأرض بالمعنى العام، إذ اشترط رب الارض فيها زرع مكان بعينه، والأمر في ذلك كما قال الليث بن سعد – وهو في البخاري23 – أن الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم شيء إذا نظر فيه ذو البصر بالحلال والحرام علم أنه حرام، أو كما قال.

وذلك أن المشاركة والمعاملة تقتضي العدل من الجانبين، فيشتركان في المغنم والمغرم، بعد أن يسترجع كل منهما أصل ماله، فإذا اشترط لأحدهما زرع معين كان فيه تخصيصه بذلك، وقد لا يسلم غيره، فيكون ظلماً لأحد الشريكين، وهو من الغرر، والقمار أيضاً، ففي معنى ذلك ما قاله العلماء، وما أعلم فيه مخالفاً: أنه لا يجوز أن يشترط لأحدهما زرع مكان معين، ولا مقدار محدد من الزرع)24.

قال الشيخ البسام رحمه الله: (المذهب25: أن المساقاة والمزارعة يصحان وينعقدان بلفظهما، وبلفظ مفالحة ومعاملة وإجارة وغير ذلك، لأن العقد المعنى: فإذا عقد بأي لفظ يدل على المعنى المراد جاز، فقد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم: "عامل أهل خيبر"، وكذلك القبول يتم ويصح بما يدل عليه من قول أو فعل.

واختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، فقد قال رحمه الله تعالى: "الأصل في العقود أنها تنعقد بكل ما دل على مقصودها من قول أو فعل يدل على المعنى المراد، وإن اختلف اصطلاح الناس في الألفاظ والأفعال، فالعقد عند كل قوم يتم بما يفهمونه بينهم من الصيغ والأفعال، وليس لذلك حد مستمر لا في شرع ولا في لغة، بل يتنوع اصطلاح الناس كما تتنوع لغاتهم".

وهذه قاعدة جامعة دلت عليها أصول الشريعة، وهي التي تعرفها القلوب).26

قال الشيخ فؤاد بن سراج عبد الغفار في تعليقه على روضة الطالبين في الهامش عن المساقاة: (وهي جائزة بالسنة والنظر الصحيح.. لأنها من المصلحة، فقد يكون الإنسان مالكاً لبساتين كثيرة لا يستطيع القيام بها، ويكون هنالك أناس عاطلون عن العمل محتاجون العمل، فإذا انضم كثرة البساتين عند هذا مع حاجة العمال إلى العمل صار من المصلحة أن تجوز المساقاة.

قال ابن المنذر في "الإجماع": وأجمعوا على أن دفع الرجل نخلاً مساقاة على الثلث، أوالربع، أوالنصف، أن ذلك جائز، وأنكر النعمان – أبو حنيفة – المعاملة على شيء من الغرس ببعض ما يخرج منها.

وقال عن المزارعة والمخابرة: والمنهي عنه من المخابرة والمزارعة هو أن يعطي رب الأرض أرضه للمزارع فيحرثها ويعمل عليها بجزء معين من الزرع كالذي على الجداول، والسواقي، أوبقعة معينة، وهذه مخابرة أومزارعة مجهولة، لأنه لا يعلم عاقبة الأمر، فربما صلح هذا، وتلف الآخر، فمنع من أجل جهاته وخطره.

اختلف الفقهاء في مشروعية المخابرة، فذهب الجمهور إلى أنها جائزة بشروط ذكروها في المزارعة، لأن المخابرة والمزارعة عندهم بمعنى واحد، وقال الشافعية: إنها لا تصح). 27

 ã 

متى تحرم المزارعة، والمخابرة، والمساقاة، والمحاقلة

وضح من ذلك أن هذه المعاملات الزراعية مشروعة وجائزة، ما لم يدخلها غرر ومخاطرة، بأن يشترط أحد الشريكين ثمر شجر معين وحصاد حزء خاص من الأرض، كالذي يكون على جوانب الجداول والسواقي ونحو ذلك.

وإليك الأدلة، وهي تفسر وتوضح الأدلة التي تمسك بها المانعون للمزارعة وأخواتها:

1. عن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: "حدثني عماي أنهم كانوا يُكرون الأرض على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بم ينبت على الأربعاء28، أوبشيء يستثنيه صاحب الأرض، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. فقلت29 لرافع: فكيف هي بالدينار والدرهم؟ فقال رابع: ليس بها بأس بالدينار والدرهم".30

وقال الليث – ابن سعد -: (وكان الذي نهى عنه من ذلك ما لو نظر فيه ذوو الفهم بالحلال والحرام لم يجيزوه، لما فيه من المخاطرة). 31

2. وعن رافع بن خديج عن عمه ظُهَيْر بن رافع قال ظُهَيْر: "لقد نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر كان بنا رافقاً. قلت: ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حق. قال: دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما تصنعون بمحاقلكم؟ قلت: نؤاجرها على الرَّبيع وعلى الأوسق من الثمر والشعير. قال: لا تفعلوا، ازرَعوها، أو أزرعوها، أو أمسكوها. قال رافع: قلت: سمعاً وطاعة".32

3. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "إن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه عنه33 ، ولكن قال: إن يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ شيئاً معلوماً".34

4. وعن نافع رحمه الله: "أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يكري مزارعه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وصدر من إمارة معاوية"35، ثم حدِّث – أي ابن عمر – عن رافع بن خديج أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن كراء المزارع، فذهب ابن عمر إلى رافع، فذهبت36 معه، فسأله، فقال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كراء المزارع. فقال ابن عمر: قد علمتَ أنا كنا نكري مزارعنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بما على الأربعاء وبشيء من التبن37".38

لقد بيَّن ابن عمر لرافع أن النهي عن كراء الأرض لم يكن مطلقاً، وإنما إذا كان فيه غرر وخطر على أحد الشريكين.

5. وعن سالم أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: "كنتُ أعلم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الأرض تكرى، ثم خشي عبد الله أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد أحدث في ذلك شيئاً لم يكن يعلمه فترك كراء الأرض".39

قلت: ترك الكراء لورعه وخشية أن يكون كراء الأرض قد نسخ وهو لم يعلم بذلك.

قال الحافظ ابن حجر معلقاً على ترجمة البخاري لحديث رافع: "باب كراء الأرض بالذهب والفضة": (كأنه أراد بهذه الترجمة الإشارة إلى أن النهي الوارد عن كراء الأرض محمول على ما إذا أكريت بشيء مجهول، وهو قول الجمهور، أو بشيء مما يخرج منها ولو كان معلوماً، وليس المراد النهي عن كرائها بالذهب والفضة، وبالغ ربيعة فقال: لا يجوز كراؤها إلا بالذهب أو الفضة، وخالف في ذلك طاوس وطائفة قليلة فقالوا: لا يجوز كراء الأرض مطلقاً وذهب إليه ابن حزم، وقواه واحتج له بالأحاديث المطلقة في ذلك، وحديث الباب دال على ما ذهب إليه الجمهور، وقد أطلق ابن المنذر أن الصحابة أجمعوا على جواز كراء الأرض بالذهب والفضة، ونقل ابن بطال40: اتفاق فقهاء الأمصار عليه).41

 ã 

الخلاصة

أن المزارعة، والمساقاة، والمحاقلة، والمخابرة جائزة ومشروعة، ودليلها السنة العملية والتقريرية، وإجماع الصحابة، والقياس الصحيح، والنظر السديد، وعمل المسلمين المستمر، إذا خلت من الغرر والخطر، باستثناء شيء من التمر والأرض.

 ã 

تنبيه

لا يحل لأحد أن يفتني في شرع الله عز وجل إلا إن كان من أهل العلم الملمين بالخاص والعام، والناسخ والمنسوخ، والمطلق والمقيد، وبمذاهب أهل العلم واختلافهم، وإلا فهو موعود ومحكوم عليه بقول الله عز وجل: " وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ".42

كذلك لا يسع أحد يؤمن بالله واليوم الآخر إلا الرجوع إلى الحق إذا تبين له، ويحرم عليه الاستنكاف والاستكبار عن قبول الحق، أو التقليد، أوالتعصب لبعض أقوال أهل العلم، أو أن يضيق على الناس وسعاً.

والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من بعث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه والتابعين. 

 ã