ما هكذا تورد الإبل يا أستاذ أبو النجا
تعقيب على ما كتبه الأستاذ صلاح أبو النجا بعنوان "آراء الترابي ورد
جعفر"، بجريدة ألوان العدد [3506]، الثلاثاء 11 ربيع الثاني 1427هـ، الموافق 9 مايو
2006م.
بعد حمد الله والثناء عليه والصلاة والسلام على رسوله.
أود أن أجمل تعقيبي على ما كتبه الأستاذ أبو النجا في النقاط
التالية:
أولاً: أود التذكير والتنبيه – بصفة عامة – إلى أن مسائل التكفير،
والتبديع، والتفسيق من المسائل التي زلت فيها كثير من الأقدام، وضلت فيها كثير من
الأفهام، ولهذا لا ينبغي أن يخوض فيها إلا ذو الاختصاص من العلماء الشرعيين.
ثانياً: أود أن أنبه كذلك إلى خطورة "الحَيْدَة" التي تميزت بها
كتابات كل المدافعين عن الترابي، وأبوالنجا ليس بدعاً منهم، فبدلاً من أن يردوا على
الحجج الدامغة والبراهين الساطعة التي دفعت العلماء الشرعيين دفعاً لبيان كفر
الترابي وإشهاره نصحاً للأمة، وأنى لهم ذلك؟! حادوا عن ذلك، وبدأوا يجترون اعتقاله،
وقيادته للحركة الإسلامية، ونحو ذلك من المسائل التي لا علاقة لها البتة بموضع
النزاع، وهو إنكار الترابي لما هو معلوم من الدين ضرورة، نحو إباحته للردة وإنكاره
لحدها، رفعه الكفر عن اليهود والنصارى، إنكاره لجميع أشراط الساعة الكبرى، إجازته
للكافر الكتابي أن يتزوج المسلمة، ازدراؤه وانتقاصه للأنبياء، والرسل، والصحابة،
والعلماء، ورده لكثير من الأحاديث التي تلقتها الأمة بالقبول والإجماع، وغيرها من
الكفريات والضلالات التي سطرها بنانه أونطق بها لسانه، هل هذه العقائد كفر أم ليست
بكفر مخرج من الملة؟!
فإني والله أربأ بإخواني أن يسلكوا مسلك الكفار وأهل الأهواء، قال
الله عز وجل ذاماً مسلك الحَيْدَة هذا عند الكفار: "وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن
قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا
آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ. قَالَ أَوَلَوْ
جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا
أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ. فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ
عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ"1.
وكذلك فعل الخوارج عندما جاءهم ابن عباس مناظراً لهم، قال بعضهم: لا
تناظروه، إنه من قوم خصمين!!
ورحم الله القائل:
شكونا إليهم خراب العراق فعابوا
علينا لحوم البقـر
فكانوا كما قيل فيما مضى أريها
السها وتريني القمر
فكما أنه لا علاقة بين لحوم البقر وبين خراب ودمار العراق، كذلك لا
علاقة البتة بين إنكار الترابي لما هو معلوم من الدين ضرورة الموجب للكفر والزندقة،
وبين أنه قاد الحركة الإسلامية وما خرج من معتقل إلا ودخل معتقلاً آخر، ونحو ذلك.
ثالثاً: الحكم في الإسلام بالظاهر، أما النيات فعلمها عند علام
الغيوب، فرد الأقوال المعتمدة على الأدلة القاطعة بالتشكيك في النيات أمر لا يقره
الشرع ولا يقبله، فكون جعفر حاقد على الترابي أم ليس بحاقد، هذا الأمر لا يمكن لأحد
أن يطلع عليه، فمن الظلم أن ترد أقواله بموقفه الثابت القديم من ضلالات وكفريات
الترابي، بل ينبغي أن يُشكر ويُحمد من انتبهوا لضلالاته وكفرياته من الستينات
مقارنة بمن لم ينتبه إليها إلى الآن.
رابعاً: أوافق أستاذ "أبو النجا" أن الإسفاف والاستهزاء مرفوض، ولكن
علينا إذا حكمنا بين الناس أن نحكم بالعدل، ونقول لصلاح "البادي أظلم"، وأن الترابي
له اليد الطولى في ذلك، وإليك هذه الأمثلة لازدرائه واستخفافه وانتقاصه للرسل،
والأنبياء، والصحابة، والعلماء، ولا تقل لي هذه سماعات، "فمن علم حجة على من لم
يعلم" كما يقول المحدِّثون، ونحن من هذا المنبر نتحدى الترابي أن ينكر واحدة من تلك
الطوام، حتى يعلم الجميع مكانة أولئك المصطفَين الأخيار في قلب الترابي، وإليك ما
تيسر من ذلك:
1. تكرار الترابي لضلال الرسول محمد صلى الله عليه وسلم.
2. زعمه أن إبراهيم عليه السلام كان شاكاً في ربه وكان يعبد
الكواكب.
3. أن يونس عليه السلام شرد، وأنه كان مغاضباً لربه.
4. تشكيك الترابي في عصمة الأنبياء حتى في التبليغ، إلا من
الناس.
5. تشكيكه في عدالة الصحابة، وتقسيمه لهم إلى عدول ومجروحين.
6. قال عن الإمام الماوردي وكتابه الأحكام السلطانية: (صاحبه راجل
مسكين)، ندوة جامعة البحر الأحمر نقلاً من جريدة ألوان، ووصف الشروط التي وضعها
الفقهاء للخليفة في كتب الفقه بأنها (منحطة) – المصدر السابق.
7. وقال عن شرط النسب: (يا أخوانا ده معقول، ده سخف)، وحديث
"الأئمة من قريش" الذي وصفه الترابي بأنه سخف نطق به رسول الله صلى الله عليه وسلم
– الندوة السابقة.
8. وقال: (المعركة ضدي محض جهل وقلة معرفة بالدين) - جريدة
الحياة العدد [1080].
9. وقال عن أصول الدين التي يتحدث عنها المسلمون بأنها (ليست من
الدين في شيء).
10. وقال عن أنصار السنة: (يتعرضون للقضايا الهامشية مثل تطويل
اللحى وتقصير الجلباب) – ندوة الميدان الغربي.
11. وقال عن فقهاء السلف: (منهم من هو صالح ومن هو طالح).
12. وقال عن المجددين، ومنهم عمر بن عبد العزيز والشافعي: (كثير من
المجددين يأخذهم الغرور بكسبهم) – كتاب قضايا التجديد للترابي ص 154.
13. وقال: (الفقهاء ما كانوا يعالجون كثيراً من قضايا الحياة
العامة، وإنما كانوا يجلسون مجالس العلم المعهودة، ولذلك كانت الحياة تدور بعيداً
عنهم، ولا يأتيهم إلا المستفتون) – قضايا التجديد ص 196-197.
14. وقال في محاضرة بكلية الطب جامعة الخرطوم في 30/4/1995م،
مستخفاً بالفقهاء وساخراً منهم: (الفقهاء ديل، فرائض الصلاة = 9، فرائض الوضوء = 7،
ثم قال: ما تمسكوا لكم فقه اتعمل زمان).
15. وقال مستخفاً وساخراً من الإمام ابن باز رحمه الله، في كتاب
"المرأة" للترابي: (بعض الدول تحاصر المرأة بين الجدران، ولا تترك لها فرصة في
مشاركة الرجل في الحياة الكريمة، ومن كتَّاب وشيوخ منهم من سلب نعمة البصر، فلم ير
امرأة قط حتى يحكم عليهم من تجربته الواقعية).
16. وقال: (لو جاءته الرسالة لأداها أفضل مما أداها رسول الله صلى
الله عليه وسلم).
17. وقال إنه أعلم من الرسول صلى الله عليه وسلم.
18. وقال: (الرسول صلى الله عليه وسلم لا يمكنه أن يفسر القرآن
لهذا العصر).
هذا قليل من كثير، وغيض من فيض.
خامساً: هل قيام الرجل بأعمال جليلة، لو آمنا بها جدلاً، وتزعمه
لحركة إسلامية، يبيح له الإتيان بالطوام العظام، ورد وإنكار ما هو معلوم من الدين
ضرورة؟
ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم للذي جاهد، وقاتل، وشهد له من
حوله من الصحابة بأنه من أهل الجنة، وكان صلى الله عليه وسلم يقول هو في النار،
فتعجب الصحابة من ذلك، ولم يستبينوا قول نبيهم إلا عندما أثخنته الجراح وقتل نفسه!
حيث لم يفده جهاده مع ارتكابه لتلك الجريمة، وهي معصية، فكيف بمن أنكر العديد من
الأمور المعلومة من الدين ضرورة؟!
وكذلك مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي غل شملة قبل تقسيم
الغنائم في غزوة تبوك، ثم أبلى بلاء حسناً بعدها وقتل، فشهد له البعض بالجنة، فأخبر
الصادق المصدوق أن الشملة التي غلها تشتعل عليه ناراً.
ولهذا قالت عائشة لكعب بن عجرة: لقد أبطلت جهادك مع رسول الله صلى
الله عليه وسلم؛ لمخالفته في أمر فقهي.
لذلك اشتد نكير أهل السنة على أئمة البدع من المعتزلة وغيرهم، مع
أنهم كانوا متزعمين لفرق إسلامية، وكانت لهم مجاهدات لم يأت الترابي بمعشار
معشارها، وكانوا غاية في الزهد، نحو عمرو بن عبيد المعتزلي، حيث أجاز الحسن البصري
وأبو حنيفة لعنه، مع شهادتهما له بالزهد، حيث قالا: "لعنه الله، ما أزهده"، ولذات
السبب كفر الشافعي حفص الفرد، وكان يلقبه بحفص المنفرد عن جماعة المسلمين، وكذلك
طرد مالك الإمام أحد تلاميذ عمرو بن عبيد شر طردة.
ولو فرضنا جدلاً أنه كانت للترابي مجاهدات وسابقة، فالعبرة
بالخواتيم، فأين هو الآن؟!
سادساً: أرجو من إخواني الكرام أن لا يقلدوا دينهم الرجال، وأن لا
تأخذهم الحمية الحزبية، وأن يكون ولاؤهم لله عز وجل، ولرسوله، وللمؤمنين، وأن
يدوروا مع الحق حيث دار، وأن يتمسكوا بدينهم العتيق، ويحذروا الأديان المتطورة
المبدلة.
سابعاً: لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يوالي هذا الرجل،
بأي نوع من أنواع الموالاة، لا بسلام، ولا زيارة، ولا عيادة ونحوها، ولا يدافع عنه،
وإلا فليعلم أنه خان الله، ورسوله، والمؤمنين.
ثامناً: نبشر من صدق الترابي في هذه الكفريات أوشك فيما كان عليه من
المسلمات بما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم الطائي عندما جاءه
قبل أن يسلم، وكان نصرانياً، وكان يتلو: "اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ
وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ"2،
فقال: ما عبدناهم؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألم يحلوا لكم الحرام،
ويحرموا عليكم الحلال، فأطعتموهم؟"، قال: بلى، فقال له: "تلك عبادتكم إياهم".
ولهذا فإنا نقول للموالين للترابي، المجادلين عنه، المشككين في
الثوابت، القابلين لما ابتدعه الترابي: تلك عبادتكم إياه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف
الأنبياء والمرسلين.
ã
|