ضوابط الأمر والنهيأولاً: تغليب النظرة الشمولية للإسلام سادساً: ضابط الأمر والنهي درء المفاسد وجلب لمنافع سابعاً: الحذر من التعامل بردود الأفعال ثامناً: الإنكار باليد لا يشمل إشهار السلاح تاسعاً: مراعاة الأضرار المتعدية
الفقه في الدين من النعم العظيمة والآلاء الجسيمة، ولهذا قال رسول الإسلام: "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين"1، وبمفهوم المخالفة من لم يرد الله به خيراً يدعه يتخبط في ضلالات الجهل والتيه، ولذات السبب خص رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عمه حبر الأمة عبد الله بن عباس بهذه الدعوات: "اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل"2. وكذلك قصر صلى الله عليه وسلم الكرم عندما سئل عن معادن الناس، فقال: "خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا".3 قال الحافظ ابن حجر في شرح الحديث: "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين": (مفهوم الحديث أن من لم يتفقه في الدين – أي يتعلم قواعد الإسلام وما يتصل بها من الفروع – فقد حرم الخير، وقد أخرج أبو يَعُلى حديث معاوية من وجه آخر ضعيف، وزاد في آخره: "ومن لم يتفقه في الدين لم يبال الله به"، والمعنى صحيح، لأن من لم يعرف أمور دينه لا يكون فقيهاً ولا طالب فقه، فيصح أن يوصف بأنه ما أريد به الخير، وفي ذلك بيان ظاهر لفضل العلماء على سائر الناس، ولفضل التفقه في الدين على سائر العلوم).4 يتعين على المشتغلين بأمر الدعوة والحسبة والجهاد أن يتعلموا أحكامها، ويتفقهوا في الأهداف والأغراض التي من أجلها شرعت، وفي الوسائل التي تسلك لتحقيقها، والضوابط والمحاذير المتعلقة بها، كما يتعين على من وجبت عليه الزكاة والحج أن يتعلم أحكامهما، وكذلك على من يشتغل بالتجارة أوالزراعة أن يعلم ما يصح وما لا يصح من ذلك، وهكذا سائر الأعمال والحرف، وإلا كانت العواقب وخيمة، والخسائر جسيمة، والآثار ضعيفة، وربما غلبت المفاسد على المصالح، لأن الله عز وجل لم يأمر بشيء أوينه عنه إلا لحكمة، وإلا بعد أن شرع له على لسان رسوله الوسائل الموصلة إليه، وحذر ونهى عما يفسده ويذهب بثمرته. من أكثر الأمور حساسية وأدقها مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد زلت فيها أقدام، وضلت فيها أفهام، وانحرفت بسببها أقوام، على الرغم من أهميته وخطورته: (إذ هو القطب الأعظم للدين، وهو المهم الذي بعث به النبيين، ولو طوي بساطه لاضمحلت الديانة، وظهر الفساد، وخربت البلاد).5 فالخوارج مع صدقهم، وإخلاصهم، وتجردهم، وتلقيهم العلم عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ضلوا في هذا الأمر، لعدم اقتدائهم بالسنة، واستنكافهم عن قبول توجيهات الأئمة، بما تولد فيهم من الغرور، فقد كبدوا الأمة خسائر فادحة، وقتلوا نفوساً زاكية، وارتكبوا جرائم قدحت في عدالتهم بقتلهم لأهل الإسلام، وموالاتهم لأهل الأوثان، كما قال حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس رضي الله عنهما. لو لم ينتج من غلوهم هذا إلا ظهور عقيدة الإرجاء المضلة، لأنها ثمرة خبيثة وردة فعل خسيسة من فعالهم لكفى، لما عانته الأمة من هذا الفكر الإرجائي المنحرف في ماضيها، وما تعانيه الآن في حاضرها، وما ينتظرها في مستقبل أيامها من قلة العلم وفشو الجهل. إذ كل الكوارث التي حلت بالأمة بعد تقدير الله من هذه البدعة، لما صادفته من هوى في نفوس المتفلتين عن الدين، حيث اختزلوه في مجرد التلفظ بالشهادتين، ولو نقضها بكل ناقض، حيث زعموا أنه لا يضر مع التلفظ بها معصية، ولو أتى بالكفر البواح، نحو التشريع مع الله، واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير، فتحملوا أوزارهم وأوزار من انخدع ببدعتهم هذه إلى يوم الدين. وبعد.. هذه بعض الضوابط لفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي ضيعها كثير من المسلمين، وفرط فيها جل المصلين، ونتج عن ذلك نقض عرى كثير من الدين، سيما نبذ شرع رب العالمين، وظهور الفساد في البر والبحر فيما يتعلق بتفسيق وتضليل وتكفير المعينين من الحكام غير المحكمين لشرع الله، السانين6 لدساتير وقوانين مناهضة له، والمبتدعة والفسقة المجاهرين في هذا العصر، الذي أطاع فيه الناس الشح، واتبعوا أهواءهم، وآثروا دنياهم على أخراهم. فقد جاء في الأثر: "سيصيب أمتي في آخر الزمان بلاء شديد من سلطانهم، لا ينجو منه إلا رجل عرف دين الله بلسانه ويده وقلبه، فذلك الذي سبقت له السوابق، ورجل عرف دين الله فصدَّق به، وللأول عليه سابقة، ورجل عرف دين الله فسكت، فإن رأى من يعمل بخير أحبه، وإن رأى من يعمل بباطل أبغضه عليه، فذلك الذي ينجو على إبطائه".7 روي عن طائفة من الصحابة في قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ"8، قالوا: لم يأت تأويلها بعد، إنما تأويلها في آخر الزمان. وعن ابن مسعود قال: "إذا اختلفت القلوب والأهواء، وألبستم شيعاً، وذاق بعضكم بأس بعض، فيأمر الإنسان حينئذ نفسه، حينئذ تأويل هذه الآية. وعن ابن عمر قال: هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا، إن قالوا لم يقبل منهم.9 هذا مع علمنا التام ويقيننا الكامل أن قول الحق لا يقرب من أجل ولا يباعد من رزق. روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في خطبته: "ألا لا يمنعن رجلاً هيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه"، وبكى أبو سعيد، وقال: قد والله رأينا أشياء فهبنا. وزاد في رواية أحمد: "فإنه لا يقرب من أجل ولا يباعد من رزق أن يقال بحق أويُذكَّر بعظيم".10 فإلى تلك الضوابط والمحاذير وبالله التوفيق: أولاً: تغليب النظرة الشمولية للإسلام الشريعة الإسلامية شريعة كاملة شاملة لكل مناحي الحياة، فلم تغفل جانباً من جوانبها، قال تعالى: "مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ"11. على الرغم من تفاوت هذه الجوانب إلا أنه ليس في الدين قشور ولباب، فعندما جاء جبريل سائلاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومعلماً لأصحابه، جاء في حديثه الطويل مراتب الدين الأساسية، وكذلك جاء فيه عد لبعض أشراط الساعة الصغرى: "أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان"، وعندما ولى قال صلى الله عليه وسلم: "هذا جبريل جاء ليعلمكم دينكم"، لأنه جاء في صورة رجل لم يعرفه الصحابة. روي أن رجلاً استفتى مالكاً في مسألة، فتأنى مالك في الإجابة، فقال له الرجل: هذه مسألة يسيرة! فقال مالك: ليس في الدين أمر يسير، قال تعالى: "إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا"12. فالاهتمام بكل جوانب الشريعة وعدم تغليب جانب على جانب، يجعل المرء متوازناً في اهتماماته، فكما أن الله عاب على الذين آمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض، كذلك يعاب من اهتم بجانب من جوانب الشريعة على حساب الجوانب الأخرى، سيما لو كان أحد هذه الجوانب أهم وأخطر من ذلك الجانب. لا شك أن كلاً ميسر لما خلق له في جانب العمل والالتزام، أما في جانب الاهتمام فلابد أن تتوازن الرؤية للجميع، حتى لا يطغى جانب على الجوانب الأخرى، وينفعل المرء به، ويستوعب همه وتفكيره وسعيه، مما يؤدي إلى التقصير والإخلال بالجوانب الأكثر أهمية. فاهتمام بعض الجماعات بالسياسة والحكم، وحرصها على ذلك، مع تقصيرها في جانب العقيدة وتصفيتها من الممارسات الشركية، وحرص البعض على القتال وصد الغزاة الغاصبين مع التهاون والتساهل في الذب عن العقيدة ومحاربة مظاهر الشرك، أمر لا يقره الشرع ولا يرضاه الرب. على الرغم من أن كل مناحي الشريعة مهمة إلا أن هناك ما هو أهم وما هو مهم، فتقديم الأهم ثم المهم من لوازم الفقه في الدين، ولنضرب لذلك مثالاً لما له تعلق بموضوع بحثنا هذا. لا شك أن شرك العبادة أخطر بكثير من شرك الحاكمية، بل ما شرك الحاكمية إلا سوأة من سوءات شرك العبودية، فالاهتمام بشرك الحاكمية والاشتغال به مع التغافل عن الشرك الأكبر والذنب الأعظم يعتبر قصوراً في الفهم، وقلة فقه وعلم. لا أدل على ذلك من جلوس النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة سنة بمكة يدعو لهذا الأمر، إذ لم يعالج القرآن المكي كله إلا أمر توحيد الله عز وجل وإفراده بجميع أنواع العبادات، ونبذ الشرك وما يتعلق بذلك. وكذلك عندما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن، أول ما وصاه به أن يدعوهم إلى عبادة الله الواحد الأحد، فقال: "إنك ستقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوك في ذلك فأعلمهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة.." الحديث، أوكما قال. وعندما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر خرج رجل من المشركين شديد الشكيمة يريد الغنيمة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتشهد أن لا إله إلا الله"، مرتين، فقال: لا؛ فقال: "إنا لا نستعين بمشرك"، وفي الثالثة شهد بذلك، فأذن له بالخروج معه، هذا على الرغم من حاجته الماسة لذلك، حيث كان ذلك في أول غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم. هناك العديد من العقائد الكفرية التي يدين بها الصوفية – ومما تجدر الإشارة إليه أنه لم تعد هناك صوفية معتدلة وأخرى منحرفة بعد عصر محيي الدين بن عربي المتوفى 638ﻫ - نحو عقيدة الاتحاد، والحلول، والفناء، والاستغاثة بالأحياء والأموات، بذاتهم وجاههم، وابتداع نظام "لرجال الغيب" وضعه ابن عربي وغيره، وجعلهم في مراتب ودرجات، نحو الغوث، والقطب، والأبدال، والأوتاد، مع اختلافهم في عددهم ورتبهم. ولنضرب مثلاً بعقيدة واحدة من هذه العقائد الكفرية التي نسفت أقسام التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، التي يعتقدها كل الصوفية، وهي عقيدة "رجال الغيب".13 · أول من نقل عنه عدد الأولياء ورجال الغيب ومساكنهم أبو بكر محمد بن علي بن جعفر الكتاني (ت322ﻫ)، أحد مشايخ الصوفية: (النقباء ثلاثمائة، والنجباء سبعون، والبدلاء أربعون، والأخيار سبعة، والعمد أربعة، والغوث واحد، فمسكن النقباء المغرب، ومسكن النجباء مصر، ومسكن الأبدال الشام، والأخيار سياحون في الأرض، والعمد في زوايا الأرض، ومسكن الغوث مكة، فإذا عرضت الحاجة من أمر العامة ابتهل فيها النقباء، ثم النجباء، ثم الأبدال، ثم الأخيار، ثم العمد، ثم أجيبوا، وإلا ابتهل الغوث فلا يتم مسألته حتى تجاب دعوته).14 · أما أبو طالب المكي (ت386ﻫ) فعبر عنهم بقوله: (القطب الذي هو إمام الأثافي الثلاثة، والأوتاد السبعة، والأبدال الأربعين، والسبعين إلى ثلاث مائة، كلهم في ميزانه، وإيمان جميعهم كإيمانه، إنما هو بدل من أبي بكر15 رضي الله تعالى عنه. والأثافي الثلاثة بعده، والسبعة هم أبدال السبعة إلى العشرة، ثم الأبدال الثلاث مائة وثلاثة عشر إنما هم أبدال البدريين من الأنصار والمهاجرين).16 · أما الهويجري (ت465ﻫ) فقال: (أهل الحل والعقد، وقادة حضرة الحق جل جلاله، فثلاث مائة يُدْعون الأخيار، وأربعون آخرون يسمون الأوتاد، وثلاثة آخرون يقال لهم النقباء، وواحد يسمى القطب والغوث، وهؤلاء جميعاً يعرفون أحدهم الآخر، ويحتاجون في الأمور لإذن بعضهم البعض).17 · أما كبيرهم الذي علمهم هذا الباطل ابن عربي فقال: (المجمع عليه من أهل الطريق أنهم ست طبقات: أقطاب، وأئمة، وأوتاد، وأبدال، ونقباء، ونجباء).18 هذه العقيدة الكفرية مأخوذة من العقيدة الشيعية التي بدورها أخذت من اليهودية الحديثة، إذ لا يوجد لها مستند في شرعنا، إذ أضفوا على القطب مثلاً صفات الربوبية والألوهية، حيث وصفوه بأنه: 1. يكشف له حقيقة الذات الإلهية. 2. يحيط علماً بصفات الله تعالى. 3. علمه لا حدود له، فلا يخفى عليه شيء من الدنيا والآخرة. 4. يحيط بمعرفة أحكام الشريعة ولو كان أمياً. 5. أكمل الخلق وأفضل جماعة المسلمين في كل عصر. 6. محيط بجميع المراتب. 7. يبصر بجميع أجزاء بدنه إلا العين. 8. لا يطيق رؤيته إلا الخواص. 9. واشترط البعض أن يكون من آل البيت. 10. مستقر بمكة، ومنهم من قال: يدور الآفاق الأربعة من أركان الدنيا كدوران الفلك في أفق السماء. 11. هو بجسده حيث شاء من الأرض. 12. من وظائفه التصرف في الكون والتأثير على حوادثه. 13. وقاية المريدين من السؤال والحساب في الآخرة. 14. لا يجري في عالم المخلوقات شيء إلا بإذنه، حتى ولو كان جريانه في القلوب. أليس من أوجب الواجبات على كل عالم ومتعلم داعية أن يكون شغله الشاغل وعمله الدائب كشف الستار عن هذه العقائد الكفرية، وتبصير الأمة بمخالفتها لدين الإسلام، لأنها سبب لكل الكوارث والبلايا التي حلت بالمسلمين؟! مع عدم تغافلهم عن الجوانب الأخرى كرفع راية الجهاد على الغزاة الغاصبين والمنافقين المعاندين. من الآفات العظيمة التي ابتلي بها كثير من المسلمين استعجال النتائج، وقطف الثمار قبل أوانها، ولو تمعن هؤلاء في سيرة نبيهم وسلفهم الصالح لتخلصوا من تلك الآفة، ولعلموا أن مع العسر يسراً، وأن في العجلة الندامة. ولنذكر جميعاً وصية نبينا لأصحابه الكرام وقد عذبوا وأذوا في ذات الله، سيما المستضعفين منهم. فعن خباب رضي الله عنه قال: شكونا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو لنا؟ فقال: "قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه، فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون".19 فعلى المرء أن يسعى ويجتهد، وليس عليه إدراك النجاح، واستعجال النتائج التي قد تؤخر لحكمة يعلمها هو سبحانه وتعالى. من الخطأ الفاحش أن يرهن الإنسان نفسه لشيخ واحد من شيوخ أهل السنة الأقدمين أوالمحدثين، لا يقرأ إلا له، ولا يطمئن إلا لفتاواه، بل الواجب أن يقرأ المرء لعدد من أهل السنة، وأن يتلقى منهم جميعاً، ثم بعد ذلك يجتهد في أقوالهم ويأخذ ما قوي دليله، وما وافق تأويله تأويل السلف الصالحين، سيما الخلفاء الراشدين والأئمة المهتدين، ولا يقدِّم على أقوالهم قول أحد كائناً من كان، قال صلى الله عليه وسلم: "اقتدوا باللذين من بعدي"20، يعني أبابكر وعمر رضي الله عنهما. خاصة لو كان هذا الشيخ أوالعالم مستوعباً في أمر معين، فإن أكثر ما أوقع الخوارج فيما أوقعهم فيه سيطرة الأمر والنهي عليهم، حتى أعماهم عن الاستضاءة بنور الكتاب والسنة، وولد فيهم غروراً حجبهم عن قول الأئمة من الصحابة ومن دونهم. ومعلوم من دين الله ضرورة أنه لا يحل لأحد أن يقلد أحداً كائناً من كان في كل ما يقوله سوى الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ الكل راد ومردود عليه. من فضل الله علينا أنه لم يكلفنا ما لا طاقة لنا به: "لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا"21، ولهذا قال رسولنا صلى الله عليه وسلم: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان"22. فالأمر والنهي واجب على قدر الاستطاعة، فمن استطاع أن يأمر بيده أمر ونهى، ومن لم يستطع بيده أمر ونهى بلسانه، ومن لم يستطع بلسانه أنكر بقلبه، ولا حرج عليه في ذلك البتة. ولهذا قال الراهب في قصة أصحاب الأخدود للغلام بعد أن أكرمه الله: "أي بني، أنت اليوم أفضل مني، قد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدل عليَّ.." الحديث.23 ولذات السبب كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمر بآل ياسر وهم يعذبون لا يستطيع أن يدفع عنهم، ويقول لهم: "صبراً آل ياسر، فإن موعدكم الجنة". وقال كذلك لأبي ذر رضي الله عنه: "اكتم عليَّ". سادساً: ضابط الأمر والنهي درء المفاسد وجلب لمنافع لا ينبغي لأحد أن يقدم على أمر أونهي إلا إذا غلب على ظنه زوال هذا المنكر بالكلية أونقصانه، أما إذا استوت نظرته في ذلك فقولان لأهل العلم، ولكن إذا غلب على ظنه أن المفسدة أرجح من المصلحة يحرم عليه والحال هكذا أن يأمر أوينهى. لله در الإمام العز بن عبد السلام، حيث رد قواعد الأحكام كلها24 إلى قاعدة واحدة، هي المصلحة والمفسدة. ولهذا السبب امتنع صلى الله عليه وسلم وهو المؤيد بالوحي، لأنه مشرِّع، عن أمور منكرة، خشية ما يترتب على إنكارها وتغييرها من مفاسد. من ذلك: 1. عدم قتل بعض الزنادقة والمنافقين، كابن الصياد وعبد الله بن أبيِّ بن سلول، خشية أن يتكلم الناس أن محمداً يقتل أصحابه، أوخشية أن يثير اليهود على أصحابه وهم في بداية الطريق. 2. عدم نقضه للكعبة وبنائها على قواعد إبراهيم خشية أن يظن البعض أنه فعل ذلك لينال فضلاً. إذ الهدف الأساس من الأمر والنهي هو الإصلاح، فإذا لم يتغلب جانب الإصلاح على جانب المفاسد فلا تحل المخاطرة في الدخول في الأمر والنهي، ويكفي المرء هنا الإنكار بقلبه. سابعاً: الحذر من التعامل بردود الأفعال من الأمور التي ينبغي أن يحذر منها الدعاة عامة والمحتسبين والمجاهدين خاصة التعامل بردود الأفعال، والاستجابة للاستفزازات، والتشاغل عن كبرى المنكرات بصغرى المخالفات، وأن يتبرأ من الكفار الخلص ويقضي عليهم أولاً بدلاً من انشغاله بأهل البدع المثبطين والمخذلين عن الأمر والنهي وقتال الغزاة الغاصبين من الجهلة والمنافقين ومن والاهم. كان صلى الله عليه وسلم يحب في أول الأمر التشبه ببعض أهل الكتاب، وكذلك كان المسلمون يتمنون انتصار الروم على الفرس في أول أمرهم، ولكن عندما برزت لهم عداوة أهل الكتاب نابذوهم العداء. فجدولة القضاء على الأعداء، وترتيبهم حسب بعدهم عن دين الله، ومحاربتهم وعداوتهم لجند الله، أمر في غاية الأهمية، وبعدم الالتفات إليه تضيع كثير من المصالح، وتطفح كثير من المفاسد. ثامناً: الإنكار باليد لا يشمل إشهار السلاح لا شك أن الإنكار باليد حكمه لولاة الأمر، سيما المتجبرين، يختلف عن حكمه مع غيرهم، من ذلك أن الإنكار باليد لولاة الأمر لا يشمل بحال من الأحوال إشهار السلاح عليهم، لما في ذلك من المفاسد والمخاطر والعواقب التي لا تحمد، ولدخول ذلك في الخروج المسلح على الحكام الذي نهى وحذر منه الشارع الحكيم. قال ابن رجب الحنبلي: (والتغيير باليد لا يستلزم القتال، وحينئذ فجهاد الأمراء باليد أن يزيل بيده ما فعلوه من المنكرات، مثل أن يريق خمورهم، أويكسر آلات الملاهي، ونحو ذلك، أويبطل بيده ما أمروا به من الظلم إن كان له قدرة على ذلك، وكل هذا جائز وليس من باب قتالهم ولا من الخروج عليهم الذي ورد النهي عنه، فإن هذا أكثر ما يخشى منه أن يقتل الآمر وحده، أما الخروج عليهم بالسيف فيخشى منه الفتن التي تؤدي إلى سفك دماء المسلمين).25 وقال ابن العربي المالكي: (فإن لم يقدر إلا بمقاتلة وسلاح فليتركه، وذلك إنما هو إلى السلطان، لأن شهر السلاح بين الناس قد يكون مخرجاً إلى الفتنة، وآيلاً إلى فساد أكثر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).26 تاسعاً: مراعاة الأضرار المتعدية ينبغي للآمر الناهي مراعاة الأضرار السالبة المتعدية على أهله وجماعته وعلى المسلمين عامة، فإن رأى أن إقدامه على الأمر والنهي يضر بالإسلام وأهله أكثر مما ينفع وجب عليه التريث والتأني. ولهذا كان صلى الله عليه وسلم يمتنع عن إزالة بعض المنكر خوف ما يترتب على ذلك من أضرار على أصحابه. هذه بعض الضوابط والمحاذير التي ينبغي مراعاتها في مسألة الأمر والنهي حتى تؤتي أكلها المرجوة وثمرتها المطلوبة، وحتى لا يكون ضرر ذلك أكبر من نفعه. والله أسال أن يهيئ للأمة الإسلامية في كل عصر ومصر أمر رشد يعز فيه أهل الطاعة، ويذل فيه أهل المعصية، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، وصلى الله وسلم على خير من أمر ونهى.
|
||
|
|
||