أيحل للمسلم أن يعلِّم أبناء الكفار
القرآن، والعلوم الشرعية، والعربية،
أويدع أبناءه يتعلمون منهم؟
هل يحل للمسلم أن يعلِّم أبناء الكفار القرآن والعلوم الشرعية
والعربية؟
شبه ودحضها
الخلاصة
"إن هذا العلم دين، فانظروا ممن تأخذون دينكم".
هذه الكلمة العظيمة، والقاعدة المتينة التي خرجت من في عدد من أهل
العلم المعتبرين، منهم على سبيل المثال؛ ابن سيرين، ومالك رحمهما الله، لم نستبن
قيمتها ويتضح لنا خطرها إلا بعد الاطلاع على الآثار الوخيمة والنتائج السيئة لذلك
في هذا العصر.
إذا كان تحذير العلماء من الاختلاط بأهل الأهواء والمبتدعة
المنتسبين للإسلام، وأهل الفضل غير المتخصصين في ذلك، فكيف يكون الأمر بالنسبة
لإرسال بعض المسلمين بصغارهم وفلذات أكبادهم إلى المدارس التبشيرية، والمحاضن
الكنسية، أوابتعاث شباب المسلمين إلى ديار الكفار، ليتلقوا العلم ومنه العلوم
الشرعية والعربية على أيدي أئمة الكفر من المستشرقين وغيرهم؟
لا شك أن هذا يكون أعظم ضرراً، وأشد خطراً من تلقي العلم من أهل
الأهواء.
ولنضرب لذلك مثالين، أحدهما ناتج من مخالطة والاقتراب من أهل البدع
الذين أمرنا بالفرار منهم كالفرار من الأسد والمجذوم، ويمثل ذلك الخارجي عبد الرحمن
بن ملجم قاتل أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، فالذي أوقعه في هذا الجرم ودفعه
لارتكاب هذا الإثم هو زعمه أنه يريد أن ينقذ امرأة خارجية من هذه البدعة، فما كان
منها إلا أن أثرت فيه وأضلته عندما عزم على زواجها، حيث شرطت أن يكون مهرها قتل علي
بن أبي طالب رضي الله عنه، حيث أضحى من أشقى العالمين بارتكابه لهذا الجرم الأثيم،
وحيل بينه وبينها إلى أبد الآبدين.
والمثال الثاني يمثله رفاعة رافع الطهطاوي الذي قذف به محمد علي إلى
براثن الحضارة الفرنسية ليكون مشرفاً ومرشداً وحامياً لأفراد البعثة التي ابتعثها
إلى هناك من التأثر بها، ومن الانغماس في مستنقعاتها الآسنة، فعاد بعد خمس سنوات
(من 1826-1831)1،
مسخاً مشوهاً، وداعياً للتشبه بالكفار وتقليدهم، ومادحاً لما وصلوا إليه، وداعياً
قومه للسير على طريقتهم.
لهذا صدق من لقب محمد علي باشا بأبي العلمانية في الشرق الأوسط،
فعليه وزرها ووزر من سار على دربه إلى يوم الدين، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً.
وعلى هذا قس ما جناه الابتعاث إلى ديار الكفار وتلقي العلم من
المبتدعة الأشرار على الأمة الإسلامية.
لا ينبغي لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقدم على أي عمل صغيراً
كان أم كبيراً، وفي أي مجال من المجالات، إلا بعد أن يعلم حكم الشرع في ذلك، وهل
هذا الأمر مشروع أم غير مشروع، وهل فعل ذلك السلف الصالح أم لم يفعلوه؟
وبعد..
فهل يحل للمسلم أن يقوم بتدريس وتعليم أبناء الكفار والمشركين
القرآن الكريم، والعلوم الإسلامية، والعربية أم لا؟ وهل يحل لمسلم أن يدفع بصغاره
للإرساليات والروضات التابعة لها أويبعث أبناءه ليدرسوا في جامعات ومعاهد الكفار
على أيدي أساتذة كفار؟
هذا ما نود بيان حكم الشرع وأقوال أهل العلم المقتدى بهم فيه،
ومناقشة الشبه التي ترفع في هذا المجال.
فنقول وبالله التوفيق:
ã
هل يحل للمسلم أن يعلِّم أبناء الكفار القرآن والعلوم الشرعية والعربية؟
بعد أن أجمع أهل العلم على جواز سماع الكافر للقرآن، لقوله تعالى:
"وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ
كَلاَمَ اللهِ"2.
جاء في تفسيرها: (أي من الذين أمرتك بقتالهم، "اسْتَجَارَكَ" أي سأل
جوارك، أي أمانك وذمامك، فأعطه إياه ليسمع القرآن، أي يفهم أحكامه وأوامره ونواهيه،
فإن قبل أمراً فحسن، فإن أبى فرده إلى مأمنه، وهذا ما لا خلاف فيه، والله أعلم).3
منعوا من مس الكافر للقرآن سواء كان بغرض التعلم أوغيره، للآتي:
1. قوله تعالى: "لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ"4.
2. عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم أن في الكتاب الذي كتبه
رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم: "أن لا يمس القرآن إلا طاهر".5
3. وروي عن ابن عمر مرفوعاً: "لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر".
4. قول فاطمة بنت الخطاب رضي الله عنها لعمر عند إسلامه، وقد دخل
عليها ودعا بالصحيفة: "لا يمسه إلا المطهرون"، فقام واغتسل وأسلم.6
5. وقال عكرمة: كان ابن عباس رضي الله عنهما ينهى أن يمكن أحد من
اليهود والنصارى من قراءة القرآن.7
ويقاس على ذلك مس كتب الحديث، والسنن، والسيرة، والفقه، ونحوها.
أقوال أهل العلم في عدم حل تعليم المسلم أبناء الكفار القرآن
والعلوم الشرعية والعربية وتعليم الكفار أبناء المسلمين ذلك
ورد النهي عن ذلك عن عدد من أهل العلم المقتدى بهم، منهم على سبيل
المثال لا الحصر: مالك، والشافعي، وأحمد، وابن القاسم، وسُحنون، وابن حبيب، وغيرهم،
وأجاز أبو حنيفة ذلك.
قال ابن عبد البر رحمه الله: (واختلفوا في هذا الباب في تعليم
الكافر القرآن، فمذهب أبي حنيفة أنه لا بأس بتعليم الحربي والذمي القرآن والفقه،
وقال مالك: لا يعلموا القرآن ولا الكتاب8،
وكره رقية أهل الكتاب، وعن الشافعي روايتان، إحداهما: الكراهة9
والأخرى الجواز).10
وقال النووي رحمه الله: (لا يمنع الكافر من سماع القرآن لقوله
تعالى: "وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى
يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ"، ويمنع من مس المصحف، وهل يجوز تعليمه القرآن؟ قال
أصحابنا: إن كان لا يرجى إسلامه لم يجز تعليمه، وإن رجي إسلامه ففيه وجهان: أصحهما
يجوز رجاء إسلامه، والثاني لا يجوز، كما لا يجوز بيع المصحف منه11،
وإن رجي إسلامه).12
ذكر القابسي المالكي13
رحمه الله في رسالته "الرسالة المفصلة لأحوال المعلمين وأحكام المعلمين والمتعلمين"14
عدداً من الآثار عن مالك وأصحابه15،
هاك طرفاً منها:
(ومن ذلك: قال ابن وهب: سمعت مالكاً سئل عن الذي يجعل ابنه في كتاب
العجم، يعلم به الوقف، فقال: لا، فقيل له: فهل يعلِّم المسلم النصراني؟ فقال: لا،
فقيل له: فيعلِّم أبناء المشركين الخط؟ فقال: لا.
ولابن وهب أيضاً في تاريخ سنة ثلاث وسبعين قال: وقال مالك: لا أرى
أن يترك أحداً من اليهود والنصارى يعلم المسلمين القرآن [48-1]، قال أبو الحسن: إن
كان معنى هذا القرآن الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم فيمكن النهي عن ذلك،
والمسلم ينهى أن يعلم الكافر القرآن، قال الله سبحانه: "إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ.
فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ. لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ"16،
فالكافر نجس، ولذلك ينهى أن يعلموا الخط العربي، والهجاء العربي، لأنهم يصلون بذلك
إلى مس المصحف إذا أرادوه، وإن كان إنما أراد مالك لا يتركوا أن يعلموا كتابهم
المسلمين، فيصح أيضاً منعهم من ذلك، لأنهم غير مأمونين على كتابهم.
قد جاء كعب الأحبار17
إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقام بين يديه، فاستخرج من تحت يده مصحفاً قد
تشرمت حواشيه، فقال: يا أمير المؤمنين، في هذا التوراة، أفأقرؤها؟ فسكت عمر طويلاً،
فأعاد إليه كعب مرتين أوثلاثاً، فقال [48-ب] عمر: إن كنت تعلم أنها التوراة التي
أنزلت على موسى بن عمران يوم طور سينا فاقرأها آناء الليل وآناء النهار، وإلا فلا،
فراجعه كعب فلم يزد عمر على هذا.
وكعب قد بان فضله في الإسلام في فقهه في الدين، فلم يطلق له عمر ما
سأله فيه، وإنما رد الأمر في ذلك إليه، ثم لم يذكر عن كعب أنه دام على دراسة ذلك
المصحف.18
ثم قال القابسي:
وأما المقيم على كفره فهو بعيد أن يؤمن على كتاب الله، أوعلى أولاد
المسلمين، ليعلمهم شيئاً ما، أويخالط صبيان المسلمين صبيان الكافرين في تعليم كل ما
قدمنا، عن ابن وهب عن مالك يمنع من ذلك.
وفي "الموازية"19:
وكره مالك أن يطرح المسلم ولده في كُتَّاب النصارى20،
ولسُحنون قال: ولا يجوز للمعلم [49-1] أن يعلم أولاد النصارى الكتاب21
ولا القرآن.
وقال ابن حبيب: قيل لمالك: أيعلم أبناء المشركين الخط دون القرآن؟
فقال: لا، وعظم فيه الكراهة.
وقال ابن حبيب: وكل من لاقيت يكرهون ذلك، ويرون للإمام العدل أن
يغير ويعاقب عليه، ومن فعله من جهال المعلمين فذلك طارح شهادته، موجب لسخطته، لمسهم
كلامه وكتابه وهم أنجاس.
إلى أن قال:
والذي وصفت لك أيضاً في هذا الفصل صواب كله).
وقال الونشريسي المالكي رحمه الله عن حكم تعليـم أولاد النصـارى
القرآن: (وسئل ابن لبَابة عن رجل مسلم يعلِّم أولاد النصارى القرآن، فأجاب: لا يجوز
ذلك، ولا ينبغي لأحد أن يفعله).22
ã
شبه ودحضها
يرفع المجيزون لتعليم المسلم أبناء الكفار القرآن والعلوم الشرعية
ولجواز تلقي أبناء المسلمين ذلك من الكفار بعض الشبه، منها:
1. كان فداء بعض أسرى بدر الذين يكتبون أن يعلموا عشرة من صبيان
المدينة الكتابة.
وذلك لندرة الكتابة عند العرب، فالضرورات تبيح المحظورات.
قال أحمد أمين في فجر الإسلام23:
(يروي البلاذري أن الكتاب – يريد الكتابة – بالعربية في الأوس والخزرج كان قليلاً،
وكان بعض اليهود قد علم24
كتاب العربية، وكان يعلمه الصبيان بالمدينة في الزمن الأول، فجاء الإسلام وفي الأوس
والخزرج عدة يكتبون، وقد عدهم فكان أحد عشر، ولندرة الكتابة كانوا يلقبون من جمع
بين معرفة الكتابة والرمي والعوم "الكامل").
وكانت قريش أحسن حالاً، فكما قال البلاذري في "فتوح البلدان"25:
(إن الإسلام دخل وفي قريش سبعة عشر رجلاً كلهم يكتب).
فندرة الكتابة، وحاجة المسلمين إليها، هي التي أجازت للمشركين
الكُتَّاب من الأسرى أن يعلم كل واحد منهم عشرة من أبناء المسلمين، ولولا الضرورة
لما مكنوا من ذلك.
2. إذن الرسول صلى الله عليه وسلم لزيد بن ثابت فقط أن يتعلم لغة
يهود – السريانية – منهم، لعدم ثقته فيهم، وخشيته صلى الله عليه وسلم من يهود أن
يدلسوا عليه وعلى المسلمين.
فتعلمها في أسبوعين كما صح بذلك الخبر في البخاري26،
فكان يكتب لرسول الله إليهم ويترجم له ما كتبوه وما قالوه ترجمة فورية، وذلك من
نباهته رضي الله عنه.
3. الشبهة الثالثة رفعها أحمد فؤاد الأهواني في كتاب "التربية في
الإسلام"27،
حيث زعم: (فمما لا شك فيه أن المسلمين في القرنين الأول والثاني كانوا يقومون
بتعليم هؤلاء القوم القرآن والكتابة في سبيل الدعوة الإسلامية التي لا يمكن أن تتم
إلا بالتعلم والتعليم).
لا شك أن المسلمين قاموا بتعليم إخوانهم الداخلين في الإسلام القرآن
والكتابة وغيرهما، وذلك بعد دخولهم في الإسلام، وهذا من أولى حقوقهم على الفاتحين.
4. الشبهة الرابعة ما جاء في كتابه صلى الله عليه وسلم إلى هِرَقل،
حيث ورد فيه: (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى هِرَقل عظيم
الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك
الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين28،
"قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا
وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ
يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ
فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ"29
).30
السبب في كتابة هذه الآية لكافر الضرورة ودعوته إلى الإسلام.
قال ابن عبد البر: (فإن قال قائل: أفيجوز أن يكتب المسلم إلى الكافر
كتاباً فيه آية من كتاب الله؟ قيل له: أما إذا دعي للإسلام، أوكانت ضرورة إلى ذلك،
فلا بأس به).31
وقيل: إن ذلك نسخ بالنهي عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو.32
ã
الخلاصة
الراجح من قولي العلماء المقتدى بهم عدم جواز تعليم المسلم أبناء
الكفار والمشركين القرآن والعلوم الشرعية والعربية، وعدم تمكين الكفار من تعليم
أبناء المسلمين أوالاختلاط بهم في دور التعليم، سيما في الكتاتيب ومراحل الأساس،
وكذلك تحريم ابتعاث أبناء المسلمين لديار الكفر، سيما لتعلم العلوم الشرعية
والعربية.
هذا ما ذهب إليه مالك، والشافعي، وأحمد، والنووي، وابن وهب، وابن
حبيب، وسُحنون من أئمة المالكية، فدرء المفاسد مقدم على جلب المنافع، ولأن الإسلام
يعلو ولا يعلى عليه، للأدلة الصريحة في النهي عن تمكين الكافر والمشرك من مس المصحف
لنجاسته حساً ومعنى.
والعلوم الشرعية تقاس عليه لشرفها ومكانتها في الإسلام، فما قارب
الشيء يعطى حكمه، ولما تشتمل عليه من الآيات والأحاديث.
أما النهي عن تمكين الكفار من تعليم أبناء المسلمين فلخطورة ذلك على
عقائدهم وتصوراتهم، وما أفسدته من عقول كثيرة الإرساليات والجامعات، نحو الجامعة
الأمريكية، وكلية فكتوريا، والسربون، ولندن، وغيرها ليس عنا ببعيد، فالعاقل من اتعظ
بغيره.
وتذكروا أيها المؤمنون وصية ربكم إليكم: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ
وَالْحِجَارَةُ"33،
واحذروا إيثار الأولى على الآخرة.
وقبل الختام أود أن أذكر على أهمية اقتصار القبول في معاهد تعليم
اللغة العربية على أبناء المسلمين، وألا يقبل غير مسلم، لقلة المعاهد وحاجة أبناء
الأقليات المسلمة لذلك، فالنفس أولى من الصاحب، والمسلم أحق من الكافر والمشرك،
وبحسب المسلمين إثماً أن يهملوا أبناء إخوانهم المسلمين.
والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
ã
|