الدليل الأغر على أن كتاب "فصوص الحكم" من تأليف محيي الدين ابن عربي الطاغوت الأكبر

من أثبت صحة نسبة فصوص الحكم لمحيي الدين ابن عربي

 

على الرغم من صحة وثبوت نسبة كتاب "فصوص الحكم" لمحيي الدين ابن عربي بحيث أصبح لا يعرف إلا بأردأ كتابين وأخبث مصنفين له وأكثرها انتشاراً، "فصوص الحكم" و"الفتوحات المكية"، فلا يذكر هذا الرجل إلا ويثنى بأنه "صاحب الفصوص والفتوحات المكية"، فقد نبت في هذا العصر الذي كثرت فيه البلايا، وعظمت فيه الرزايا، وفشت فيه البدعة، وخفيت فيه السنة، ونطق فيه الرويبضاء، وتصدر فيه الرؤوس الضلال نابتة همها الأساس نشر البدع والمحدثات، والتلبيس والتدليس على العامة والدهماء، وتبرير الضلالات، وتأويل الكفريات، والذب عن الزنادقة والمرتدين، الذين أبان علماء الإسلام عوارهم، وفضحوا ضلالهم، وهتكوا أستارهم، ونصحوا لله، ولرسوله، ولكتابه، وسنته، وأتباعه، فما أعظم أثرهم على العامة وما أقبح أثر الجهلة والمبتدعة عليهم، ولا تزال طائفة من هذه الأمة ظاهرة على الحق قائمة بأمر الله حتى تقوم الساعة، لا يضرها كيد الكائدين، ولا تلبيس وتدليس الملبسين المدلسين، ولا سطوة المبتدعة وبسط سلطانهم، فالحمد لله أولاً وآخراً، والشكر له ظاهراً وباطناً (الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس وما أقبح أثر الناس عليهم! ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا أولوية البدعة، وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب، ويقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتنة المضلين).1

وبعد..

فقد بلغني أن أحد الدكاترة التجانيين ما فتئ يشكك في نسبة كتاب "فصوص الحكم" للطاغوت الأكبر والبحر الملح الأجاج، وينشر ذلك بين العامة، وطلب مني الرد على هذه الفرية، فقد عجلت بتسطير هذا البيان المختصر الشافي الكافي، حيث لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، مع تحذير الرسول صلى الله عليه وسلم عن كتمان العلم: "من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار يوم القيامة"2، أعاذنا الله وإياكم من النار.

ففزعت إلى كتب العلماء المحققين الكبار، وإلى مصنفات المؤرخين الثقات الأخيار، وإلى دواوين المصنفين في أسماء الكتب والمؤلفين من ذوي هذا الشأن المتخصصين، وإلى كتب تراجم الرجال، حيث أجمع الكل على صحة نسبة هذا الكتاب الرديء والسفر الخبيث المعدي، فمثله وصنوه الفتوحات المكية وما شاكلهما ينبغي أن تمزق وتحرق تعبداً وتقرباً إلى الله، لا أن تحفظ وتقتنى ويطالع فيها.

قال الملك المؤيد إسماعيل أبو الفداء رحمه الله: (ولما دخلت سنة سبعمائة وأربع وأربعين، وفيها مزقنا كتاب "فصوص الحكم" بالمدرسة العصفورية بحلب، عقب الدرس، وغسلناه، وهو من تصانيف محيي الدين3 ابن عربي، تنبيهاً على تحريم قنيته ومطالعته، وقلت فيه:

                    هذه فصوص لم تكن                 بنفيســـة في نفسها

                    أنا قد قرأت  نقوشها                 فثوابها في عكسها).4

ونقل الإمام الشوكاني في "الصوارم الحداد"5 عن جماعة أنهم قالوا في مثل هذه الكتب المحذر منها، منهم البلقيني، وابن حجر، ومحمد بن عرفة، وابن خلدون، ما نصه:

(وحكم هذه الكتب المتضمنة لتلك العقائد المضلة، وما يوجد من نسخها بأيدي الناس، مثل "الفصوص" و"الفتوحات" لابن عربي، و"البُدّ" لابن سبعين، و"خلع النعلين" لابن قيسي، وعلى اليقين لابن برخان، وما أجدر الكثير من شعر ابن الفارض والعفيف التلمساني وأمثالهما أن يلحق بهذه الكتب، وكذا شرح ابن الفرغاني للقصيدة التائبة من نظم ابن الفارض، فالحكم في هذه الكتب كلها وأمثالها6 إذهاب أعيانها متى وجدت بالحريق بالنار والغسل بالماء.

ولله در الإمام الصنعاني7 فقد صح عنه8 أنه أصيب بإسهال حاد استعصى علاجه، فجيء له بكتابين: "الإنسان الكامل" للجيلي، و"المضنون به على أهله" للغزالي9، قال: فطالعتهما فوجدت فيهما كفراً صريحاً، فأمرت بإحراقهما بالنار وأن يطبخ على نارهما خبز لي؛ فأكل من ذلك الخبز بنية الشفاء، فما شكا رحمه الله بعد ذلك الأكل مرضاً).

لا شك إذا صلحت النية فإن الشفاء الموجود بإذن الله في حرق أمثال "الفصوص" و"الفتوحات" لا يدانيه "الكيماوي" المؤذي المضر لعلاج السرطانات ونحوها، فإن لله أدوية غير العقاقير الطبية.

ã

من أثبت صحة نسبة "فصوص الحكم" لمحيي الدين ابن عربي

الذين أثبتوا صحة نسبة كتاب "فصوص الحكم" لابن عربي الطائي كثر، ولكن من تيسر لنا الرجوع إلى كتبهم هم:

1. شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله المتوفى 728ﻫ

فقد نسب هذا الكتاب إلى محيي الدين ابن عربي في العديد من كتبه، منها على سبيل المثال:

أ. مجموع الفتاوى في المجلدين الثاني10 والحادي عشر11.

ب. جامع المسائل المجموعة الرابعة12.

ج. منهاج السنة النبوية13 .

2. مؤرخ الإسلام الإمام الذهبي رحمه الله المتوفى 748ﻫ

قال الذهبي في ترجمته لمحيي الدين ابن عربي في السير14: (ومن أردأ تواليفه كتاب "الفصوص"، فإن كان لا كفر فيه فما في الدنيا كفر، نسأل الله العفو والنجاة، فواغوثاه بالله).

3. الملك المؤيد إسماعيل أبو الفداء رحمه الله

قال في كتابه "أخبار البشر"15: (ولما دخلت سنة سبعمائة وأربع وأربعين: وفيها مزقنا كتاب "فصوص الحكم" بالمدرسة العصفورية بحلب عقب الدرس وغسلناه، وهو من تصانيف محيي الدين ابن عربي، تنبيهاً على تحريم قنيته ومطالعته).

4. حاجي خليفة (1017ﻫ - 1067ﻫ)

قال في كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون16: ("فصوص الحكم" للشيخ محيي الدين أبي عبد الله محمد بن علي المعروف بابن عربي الطائي، وله كتاب "النقوش"، وهو نقوش الفصوص على منواله لكنه هو مختصر، وهو على سبعة وعشرين فصاً).

5. إسماعيل باشا البغدادي رحمه الله (المتوفى 638 ﻫ)

قال في كتابه "هدية العارفين: أسماء المؤلفين وآثار المصنفين"17 وهو يعدد في مؤلفات ابن العربي المولود 569هـ بالأندلس، والهالك بدمشق 637هـ: ("الفتوحات المكية في معرفة أسرار المالكية والملكية".. و"فصوص الحكم").

6. خير الدين الزركلي

قال في "الإعلام"18: (ابن عربي [560-638ﻫ = 1165 – 1240م]، محمد بن علي بن محمد ابن عربي الحاتمي الطائي الأندلسي المعروف بمحيي الدين ابن عربي، الملقب بالشيخ الأكبر.. استقر بدمشق وتوفي بها، وهو كما يقول الذهبي: قدوة القائلين بوحدة الوجود، له نحو أربعمائة كتاب ورسالة، منها الفتوحات المكية ط- عشر مجلدات في التصوف وعلم النفس.. وفصوص الحكم – ط).

7. الشيخ عبد الرحمن بن عبد الخالق حفظه الله

قال في رسالته: (ابن عربي صاحب كتاب "فصوص الحكم" إمام من أئمة الكر والضلال).19

هذا هو الثابت المشهور الذي يوجب القبول أن كتاب "فصوص الحكم" من تأليف محيي الضلالة ابن عربي، ما لم يثبت خلافه، وأنى له أن يثبت، مما يزيد الأمر ثبوتاً وتأكيداً أن هذا الكتاب من تأليفه ما قام به المحققون من مقابلة هذين الكتابين20 من ضلالات على نسخ خطية معتمدة، فوجد الأمر كما هو في المطبوع21، ولله الحمد والمنة، فهل بعد كل ذلك يلتفت إلى أقوال بعض الصوفية أمثال النابلسي والشعراني ومن تبعهم من الناعقين، وهم صادرون ومقلدون وممجدون للحلاج وابن عربي وأمثالهما، ومعلوم في الشرع أن الظنين22 لا تقبل شهادته.

قال مؤلف كتاب "كتب حذر منها العلماء"23: (وذكر صاحب "الدر المختار في شرح تنوير الأبصار"24 مع حاشية ابن عابدين: أن في الكتاب – أعني "فصوص الحكم" مخالفات شرعية، ونص كلامه عنه: "فيه كلمات تباين الشريعة، وتكلف بعض المتصلفين لإرجاعها إلى الشرع، لكنا تيقنا25 أن بعض اليهود افتراها على الشيخ، فيجب الاحتياط بترك مطالعة تلك الكلمات، وقد صدر أمر سلطاني بالنهي، فيجب الاجتناب من كل وجه" انتهى.

قال مؤلف الكتاب الآنف الذكر: ولي على كلامه26 الملاحظات التالية:

أولاً: الحكم على "الفتوحات المكية" و"فصوص الحكم" وما تضمنت من ضلالات، بقطع النظر عمن نسبت إليه، مع ملاحظة أن الحقائق هي الأمور المشهورة ما لم يثبت خلافها.

ثانياً: إذا عرف هذا فلا قيمة لمن قال: إن بعض العبارات مدسوسة على صاحبيهما، وإن جنح إليه عبد الغني النابلسي في كتابه "الرد المتين" والشعراني في "اليواقيت والجواهر"27).

وأخيراً أحب أن أذكر إخواني من أهل السنة بأن هذا العلم28 دين فلينظر أحدهم ممن يتلقى دينه، كما أثر ذلك عن ابن سيرين ومالك رحمهما الله، فلا يحل لأحد أن يجلس إلى مبتدع أويأخذ عنه شيئاً من أمور الدين، بل الواجب الفرار منهم كالفرار من الوحوش الضارية ومن المصابين "بالإيدز" والجذام، بل والله مجالسة أولئك أفضل من مجالسة أصحاب البدع.

وتذكر أخي الحبيب قول أحد السلف الأخيار: من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام، ورحم الله مالكاً الإمام حيث ما كان يسمح لأحد من أهل البدع التي هي أمثل من بدع هذا الزمان بعشرات المرات أن يحضر درسه، وكان يطرده ويأمر بإخراجه.

ولله در أيوب السختياني عندما أبى أن يستمع لشيء من القرآن ولا الحديث من أحد المبتدعة، وعندما قال له: اسمع مني كلمة؛ قال: ولا نصف كلمة، إما أن تقوم وإما أن أقوم.

فلا يصلح آخر هذه الأمة كما قال مالك الإمام إلا بما صلح به أولها، وقد صلح أولها بالاتباع، فالويل ثم الويل لمن استبدل الذي هو أدنى – الابتداع – بالذي هو خير – الاتباع.

اللهم هل بلغت؟ اللهم فاشهد.

اللهم وسِّع على من وسعهم ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وضيِّق وعنِّت على من لم يسعهم ما وسع سيد الخلق محمداً وصحبه الكرام، والتابعين لهم بإحسان، في الدنيا وبعد الممات.

اللهم أحينا مسلمين، وتوفنا مؤمنين، غير خزايا ولا مبدلين مبتدعين، وصلى الله وسلم على رسولنا القائل: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"، وعلى آله، وأصحابه، والتابعين لهم إلى يوم الدين. 

ã