لم تعد هناك صوفية معتدلة بعد محيي الدين ابن عربيأخطر العقائد والأعمال التي جاء بها ابن العربي
من المسلمات البدهيات أن الصوفية من الأمور الحادثة في الأمة، حيث نبتت تلك النبتة في نهاية القرن الثاني وأوائل القرن الثالث.1 ومن المسلمات كذلك أن نسبة الصوفي إلى لبس الصوف، وليس إلى الصفاء، ولا إلى أهل الصفة، ولا إلى الصف الأول كما يتوهم الكثير، لأن اللغة لا تعين على ذلك، وواقع الصوفية الأوائل يدل على ما قرره العلماء المحققون، حيث اتخذوا لباس الصوف شعاراً لهم، فكانوا يلبسونه لظنهم أنه من علامات الزهد. وسيد الزهاد محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم كان يلبس ما يجده، ولا يتكلف المعدوم، ولا يتكلف لبس نوع معين، فقد لبس القطن والكتان والصوف. فنوعية ما يلبسه أهل كل بلد من البلاد يتحكم فيه جو ومناخ ذلك البلد. بل المداومة على لبس الصوف أوعلى لون معين كاللون الأخضر أوالأسود من لباس الشهرة الذي نهى عنه صاحب الشريعة، هذا بجانب أن لبس السواد أصبح شعاراً للرافضية، واللون الأخضر أضحى شعاراً للطرقية، فالواجب تجنبه. ومن المسلم به كذلك أن الصوفية في بداية ظهورهم كان منهم المعتدلون، أمثال شيخ الطريقة الجنيد2 بن محمد، والفضيل بن عياض، وأضرابهما رحمهم الله، وكان منهم من هو دون هذه الطبقة، وكان منهم منحرفون عن الجادة، وهم متفاوتون في ذلك ومتباينون تبايناً واضحاً. قال الجنيد رحمه الله لما سئل عن التوحيد: (التوحيد إفراد الحدوث عن القدم). قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله معلقاً على مقالة الجنيد هذه ومادحاً لها وله: (كان عارفاً، ورأى أقواماً ينتهي بهم الأمر إلى الاتحاد، فلا يميزون بين القديم والمحدث، وكان أيضاً طائفة من أصحابه وقعوا في الفناء في توحيد الربوبية الذي لا يميز فيه بين المأمور والمحظور، فدعاهم الجنيد إلى الفرق الثاني، وهو توحيد الألوهية، الذي يميز فيه بين المأمور والمحظور، فمنهم من وافقه، ومنهم من خالفه، ومنهم من لم يفهم كلامه).4 فبالجملة كانت درجة الانحراف عن الكتاب والسنة في أوائل هذه الطائفة ضيقة ثم اتسعت وازدادت حتى بلغت مداها عند أصحاب عقيدة الحلول والاتحاد والفناء، من أمثال الحلاج، وابن عربي، وابن سبعين، وابن الفارض، ومن لف لفهم، حتى أمست عندهم زندقة وإلحاد. من الذين تولوا كبر هذا الانحراف، وباءوا بوزره محيي الدين ابن عربي الطائي الأندلسي، عليه من الله ما يستحقه، فقد أفسد بما بثه وخلفه من عقائد كفرية ومقالات إلحادية الدين والدنيا. قال الحافظ الذهبي في ترجمته: (علق شيئاً كثيراً في تصوف أهل الوحدة، ومن أردأ تواليفه كتاب "الفصوص" فإن كان لا كفر فيه، فما في الدنيا كفر، نسأل الله العفو والنجاة، فواغوثاه بالله. إلى أن قال: وقد حكى العلامة ابن دقيق العيد شيخنا أنه سمع الشيخ عز الدين بن عبد السلام يقول عن ابن عربي: شيخ سوء كذاب، يقول بقدم العالم ولا يحرم فرجاً). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية مبيناً خطورة مقالات وكفريات ابن عربي: (فهذه المقالات وأمثالها من أعظم الباطل، وقد نبهنا على بعض ما به يعرف معناها وأنه باطل، والواجب إنكارها، فإن إنكار هذا المنكر الساري في كثير من المسلمين أولى من إنكار دين اليهود والنصارى الذي لا يضل به المسلمون، لا سيما وأقوال هؤلاء شر من أقوال اليهود والنصارى وفرعون، ومن عرف معناها واعتقدها كان من المنافقين الذين أمر الله بجهادهم بقوله تعالى: "جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ"5، والنفاق إذا عظم كان صاحبه شراً من كفار أهل الكتاب، وكان في الدرك الأسفل من النار. وليس لهذه المقالات وجه سائغ، ولو قدر أن بعضها يحتمل في اللغة معنى صحيحاً فإنما يحمل عليها إذا لم يعرف مقصود صاحبها، وهؤلاء قد عرف مقصودهم كما عرف دين اليهود والنصارى والرافضة، ولهم في ذلك كتب مصنفة، وأشعار مؤلفة، وكلام يفسر بعضه بعضاً. وقد علم مقصودهم بالضرورة، فلا ينازع في ذلك إلا جاهل لا يلتفت إليه، ويجب بيان معناها وكشف مغزاها لمن أحسن الظن بها، وخيف عليه أن يحسن الظن بها أوأن يضل، فإن ضررها على المسلمين أعظم من ضرر السموم التي يأكلونها ولا يعرفون أنها سموم، وأعظم من ضرر السراق والخونة الذين لا يعرفون أنهم سراق وخونة. فإن هؤلاء غاية ضررهم موت الإنسان أوذهاب ماله، وهذه مصيبة في دنياه قد تكون سبباً لرحمته في الآخرة، وأما هؤلاء فيسقون الناس شراب الكفر والإلحاد في آنية أنبياء الله وأوليائه، ويلبسون ثياب المجاهدين في سبيل الله، وهم في الباطن من المحاربين لله ورسوله، ويظهرون كلام الكفار والمنافقين في قوالب أولياء الله المحققين، فيدخل الرجل معهم على أن يصير مؤمناً ولياً لله فيصير منافقاً عدواً لله).6 لقد تمكن ابن عربي من فعل ذلك كله وغيره من الإفساد والخراب للعقائد والسلوك للعديد من الصفات التي وهبها، فكانت نقمة ووبالاً عليه وعلى من قلده فيما يقول ويعتقد، لعدم استضاءته بنور الكتاب والسنة والاقتداء بسلف هذه الأمة، إذ ملاك هذا الأمر أن يرزق المرء قلباً سليماً من الشبه والشهوات، وأن يوفق للاستضاءة بنور الكتاب والسنة. قال شيخ الإسلام معلقاً على ما قاله الشيخ سعد الدين وقد سئل عن ابن عربي وعن الشيخ شهاب الدين، فقال: "أما ابن العربي فبحر لا ساحل له، ولكن نور متابعة النبي صلى الله عليه وسلم في جبين الشيخ شهاب الدين شيء آخر": (وهذا كلام صحيح، فإن شهاب الدين شيخ مسلم محب لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وشريعته، سالك طريق أمثاله من المشايخ أهل المعرفة والدين، عظيم القدر في وقته، رضي الله عنه. أما قوله عن ابن العربي "بحر لا ساحل له"، فلعمري إنه بحر، لكن ملح7 أجاج، فإنه كثير الخوض في أحوال العالم، وطبقات الكائنات، واسع الخيال، قادر على الكلام، وهو في باطله أشد تمكناً من الشيخ شهاب الدين في حقه).8 أخطر العقائد والأعمال التي جاء بها ابن العربي سنشير في هذه العجالة إلى أخطر العقائد والأفكار، وأضر الأعمال والأقوال التي صدرت من هذا الرجل، التي كانت وبالاً عليه في حياته ووزراً جارياً عليه بعد مماته، فويل لمن مات من أهل البدع والأهواء وبقيت بدعته بعده، فمن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أوزار مقلديه شيئاً. من ذلك: كما أن الحلاج أصل وقعد لعقيدة الاتحاد، فإن صنوه في السوء وقرينه في الضلالة ابن العربي أصل لعقيدة وحدة الوجود. هاتان العقيدتان الكفريتان مع ثالثتهما عقيدة الفناء من العقائد الكفرية والمقالات الباطلة الردية. حقيقة عقيدة وحدة الوجود: (أن وجود الكائنات هو عين وجود الله، ليس وجودها غيره ولا شيء سواه البتة).9 قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ما تضمنه كتاب "فصوص الحكم" وما شاكله من الكلام، فإنه كفر باطناً وظاهراً، وباطنه أقبح من ظاهره، وهذا يسمى مذهب أهل الوحدة، وأهل الحلول والاتحاد، وهم يسمون أنفسهم المحققين. وهؤلاء نوعان: نوع يقول بذلك مطلقاً كما هو مذهب صاحب الفصوص ابن عربي وأمثاله، مثل ابن سبعين، وابن الفارض، والقونوي، والششتري، والتلمساني، وأمثالهم ممن يقول: إن الوجود واحد، ويقولون: إن وجود المخلوقين هو وجود الخالق، لا يثبتون موجودين خلق أحدهما الآخر، بل يقولون: الخالق هو المخلوق، والمخلوق هو الخالق. ويقولون: إن وجود الأصنام هو وجود الله، وإن عباد الأصنام ما عبدوا شيئاً إلا الله. ويقول أعظم محققيهم10: إن القرآن كله شرك، لأنه فرق بين الرب والعبد، وليس التوحيد إلا في كلامنا. فقيل له: فإذا كان الوجود واحداً، فلم كانت الزوجة حلالاً والأم حراماً؟ فقال: الكل عندنا واحد، ولكن هؤلاء المحجوبون قالوا: حرام، فقلنا: حرام عليكم. وكذلك ما في شعر ابن الفارض في قصيدته التي سماها "نظم السلوك"، كقوله: لها صلواتي بالمقــــام أقيمها وأشهد فيهــــا أنها لِيَ صلت كلانا مصل واحد ساجـــد إلى حقيقته بالجمع في كل سجــدة وما كان لي صلى سواي ولم تكن صلاتي لغيري في أداء كل سجدة إلى أن قال: أما النوع الثاني فهو قول من يقول بالحلول والاتحاد في معين، كالنصارى الذين قالوا بذلك في المسيح عيسى، والغالية11 الذين يقولون بذلك في علي بن أبي طالب، وطائفة من أهل بيته، والحاكمية الذين يقولون بذلك في الحاكم12، والحلاجية الذين يقولون بذلك في الحلاج).13 قال شيخ الإسلام رحمه الله: (وقد صرح ابن عربي وغيره من شيوخهم بأنه هو14 الذي يجوع، ويعطش، ويمرض، ويبول، ويَنكح، ويُنكح، وأنه موصوف بكل عيب ونقص، لأن ذلك هو الكمال عندهم كما قال في الفصوص).15 ثم قال معتذراً عن نقل هذه الأقوال الكفرية وعن الإكثار من نقولهم: (ولولا أن أصحاب هذا القول كثروا وظهروا وانتشروا، وهم عند كثير من الناس سادات الأنام، ومشايخ الإسلام، وأهل التوحيد والتحقيق، وأفضل أهل الطرق، حتى فضلوهم على الأنبياء والمرسلين، وأكابر مشايخ الدين، لم يكن بنا حاجة إلى بيان فساد هذه الأقوال، وإيضاح هذا الضلال. ولكن اعلم أن الضلال لا حد له، وأن العقول إذا فسدت لم يبق لضلالها حد معقول، فسبحان من فرق بين نوع الإنسان، فجعل منه من هو أفضل العالمين، وجعل منه من هو شر من الشياطين).16 وبين رحمه الله أن من يقبل مثل هذه العقائد الكفرية فهو أحد رجلين17: 1. إما جاهل بحقيقة أمرهم. 2. وإما ظالم يريد علواً في الأرض وفساداً. أوجامع بين الوصفين. وهذه حال أتباع فرعون، الذين قال الله فيهم: "فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ"18، وحال القرامطة19. 2. زعمه أن الولاية أعلى وأرفع من النبوة والرسالة من العقائد الكفرية التي تولى ابن العربي الطائي كبرها وباء بوزرها وأضل بها كثيراً من أتباع الطرق الصوفية، زعمه وادعاؤه أن الولاية أعلى وأرفع من النبوة والرسالة، وادعاؤه أنه هو خاتم الأولياء، وأن الأنبياء والرسل تحت لوائه، ويأخذون من علومه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (ويقولون في النبوة إن الولاية أعظم منها، كما قال ابن عربي: مقام النبـــوة في بـرزخ فويق الرسول ودون الولي20 وقال ابن عربي في "الفصوص"21: وليس هذا العالم إلا لخاتم الرسل وخاتم الأنبياء، وما يراه أحد من الأولياء، إلا من مشكاة خاتم الأولياء، حتى أن الرسل إذا رأوه لا يرونه إلا من مشكاة خاتم الأولياء، فإن الرسالة والنبوة – أعني رسالة التشريع ونبوته – تنقطعان، وأما الولاية فلا تنقطع أبداً، فالمرسلون، من كونهم أولياء، لا يرون ما ذكرناه إلا من مشكاة خاتم الأولياء، فكيف بمن دونهم من الأولياء).22 هذا الزعم الكاذب غر كثيراً من زنادقة الصوفية23 وغيرهم وطمعهم في ادعاء الرسالة والنبوة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه "درء تعارض العقل والنقل"24: (وصار كل من هؤلاء يدعي النبوة والرسالة، أويريد أن يفصح بذلك، لولا السيف. كما فعل السهروردي المقتول، فإنه كان يقول: لا أموت حتى يقال لي: قم فأنذر. وكان ابن سبعين يقول: لقد زرَّب25 ابن آمنة حيث قال: لا نبي بعدي. ويقال إنه كان يتحرى غار حراء لينزل عليه الوحي. وابن عربي ادعى ما هو أعظم من النبوة عنده، وهو خاتم الولاية، وخاتم الأولياء عنده أفضل من خاتم الأنبياء في العلم بالله). 3. أدخل على الصوفية كثيراً من عقائد الفلاسفة، والإسماعيلية، والقرامطة، والرافضة الباطلة من الجرائم الكبيرة والآثام الجسيمة التي اقترفتها يد هذا الرجل، وكانت سبباً لإضلال كثير من الناس ولزهق أنفسهم وضياع أموالهم، وانتهاك أعراضهم، تبنيه لكثير من الضلالات والكفريات، وتقعيده لها، وإدخالها في سلك الفكر الصوفي، حتى أضحت من شعاراته وعلاماته المميزة له، مما أبعد الشقة بينها وبين الإسلام، وزاد من درجة انحرافها، حتى أمست عند كثير منهم زندقة وكفر، نحو فكرة المهدي المنتظر، وألقاب القوس والقطب، بجانب عقيدتي الحلول والاتحاد، مما يؤكد القول بأن الفكر الصوفي هو مأخوذ من الفكر الرافضي، الذي أخذ بدوره من اليهودية الحديثة. يقول العلامة ابن خلدون رحمه الله في مقدمته26: (ثم حدث أيضاً عند المتأخرين من الصوفية الكلام في الكشف، وفيما وراء الحس، وظهر من كثير منهم القول على الإطلاق بالحلول والوحدة، وشاركوا فيها الإمامية والرافضة لقولهم بألوهية الأئمة، وحلول الإله فيهم، وظهر منهم أيضاً القول بالقطب والأبدال، وكأنه يحاكي مذهب الرافضة في الإمام والنقباء. وأشربوا أقوال الشيعة، وتوغلوا في الديانة بمذاهبهم حتى جعلوا مستند طريقتهم في لبس الخرقة أن علياً رضي الله عنه ألبسها الحسن البصري، وأخذ عليه العهد بالتزام الطريقة، واتصل ذلك عنهم بالجنيد من شيوخهم، ولا يعلم ذلك عن علي كرم الله وجهه27، بل الصحابة كلهم أسوة في طريق الهدى، وفي تخصيص ذلك بعلي دونهم رائحة من التشيع قوية، يفهم منها ومن غيرها من القوم دخولهم في التشيع وانخراطهم في سلكه. وظهر منهم أيضاً القول بالقطب، وامتلأت كتب الإسماعيلية من الرافضة، وكتب المتأخرين من المتصوفة بمثل ذلك في الفاطمي المنتظر، وكان بعضهم يمليه على بعض، ويلقنه بعضهم عن بعض. إلى أن قال: وأكثر من تكلم من هؤلاء المتصوفة المتأخرين في شأن الفاطمي ابن العربي الحاتمي في كتاب "عنقاء مغرب"، وابن قيسي في كتاب "خلع النعلين"، وعبد الحق بن سبعين. إلى أن قال: وقال ابن العربي فيما نقل ابن أبي واصل عنه: وهذا الإمام المنتظر هو من أهل البيت من ولد فاطمة). من العقائد الكفرية التي صدرت عن هذا الرجل بعد أن ابتدع بدعة خاتم الأولياء الموازية والزائدة على رتبة خاتم الرسل والأنبياء ادعى أنه هو خاتم الأولياء، وذلك من مكره الكبار، وخداعه ومراوغته، فعندما شعر أن ادعاءه للرسالة ربما أوقعه في حرج لقوله تعالى: "مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ"28، جاء بهذه الفكرة الشيطانية والمقولة الإبليسية. قال ابن خلدون: (وابن العربي الحاتمي سماه في كتابه "عنقاء مغرب" من تأليفه خاتم الأولياء29، وكنى عنه بلبنة30 الفضة، إشارة إلى حديث البخاري في باب خاتم النبيين قال صلى الله عليه وسلم: "مثلي فيمن قبلي من الأنبياء كمثل رجل ابتنى بيتاً وأكمله حتى إذا لم يبق منه إلا موضع لبنة، فأنا تلك اللبنة"، فيفسرون خاتم النبيين باللبنة التي أكملت البنيان، ومعناه النبي الذي حصلت له النبوة الكاملة، ويمثلون الولاية في تفاوت مراتبها بالنبوة، ويجعلون صاحب الكمال فيها خاتم الأولياء، أي حائز الرتبة التي هي خاتمة الولاية، كما كان خاتم الأنبياء حائزاً للمرتبة التي هي خاتمة النبوة، فكنى الشارح عن تلك المرتبة الخاتمة بلبنة البيت في الحديث المذكور).31 5. كان مضطرباً اضطراباً شديداً ومتناقضاً، ولذلك لبس على الصوفية تلبيساً عظيماً قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وأقوال هؤلاء شر من أقوال النصارى، وفيها من التناقض من جنس ما في أقوال النصارى، ولهذا يقولون بالحلول تارة، وبالاتحاد أخرى، وبالوحدة تارة، فإنه مذهب متناقض في نفسه، ولهذا يلبِّسون على من لم يفهمه).32 وقال الشيخ عبد الرحمن بن عبد الخالق عن أسلوبه: (وبنى ابن عربي كتاباته كلها على الثعلبية والمكر والخداع، وذلك بتحريف الكلم عن مواضعه تحريفاً معنوياً للقرآن الكريم، والحديث الشريف، والكذب وادعاء العلم الإلهي، والرؤى والاطلاع على ما لم يطلع عليه أحد من الخلق سواه.. وقد لا يوجد على البسيطة كلها من هو أكذب منه).33 قلت: هذا الكذب والتعالي على الأنبياء والرسل يدل على الكبر وخبث الطوية، ولهذا صدق من قال: ما ترك أحد شيئاً من السنة إلا لكبر في نفسه. 6. عيبه وشينه لخيار مشايخ الطرق الصوفية كالجنيد مما يدل على غرور ابن عربي واستكباره ذمه لبعض المشايخ الماضين الذين لم يوافقوه على ما جاء به من ضلالات وكفريات. قال ابن عربي في كتابه "التجليات الإلهية"34 الذي نشره الدكتور عثمان يحيى في الذكرى المئوية الثامنة لميلاده بمصر 1389ﻫ: (رأيت الجنيد في هذا التجلي، فقلت له: يا أبا القاسم، كيف تقول في التوحيد، يتميز العبد عن الرب؟ وأين تكون أنت عند هذا التميز؟ لا يصح أن تكون عبداً ولا رباً، فلابد أن تكون في بينونة تقتضي الاستواء والعلم بالمقامين، مع تجردك عنهما حتى تراهما. فخجل وأطرق). 7. خلف بعده شراً مستطيراً من المؤلفات بلغت مؤلفاته أربعمائة كتاب ورسالة، أخطرها وأخبثها على الصوفية كتابا "الفتوحات المكية" و"فصوص الحكم"، وكما قال الإمام الذهبي: إن لم يكن ما في الفصوص كفر فليس في الدنيا كفر. 8. ذم أهل العلم لابن عربي لهذه العقائد الكفرية والطرق الإباحية لهذه العقائد والمقالات والضلالات وغيرها كثير ذمه أهل العلم من أهل السنة والمتصوفة، وكفروه، وحذروا الناس من شره. ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية طيب الله ثراه عدداً من الآثار35 وردت عن بعض العلماء ومشايخ الصوفية في تكفير ابن عربي والتحذير منه، نذكر منها ما يلي: 1. يقول ابن تيمية : وحدثني صاحبنا العالم الفاضل أبوبكر بن سالار عن الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد – شيخ وقته36 – عن الإمام أبي محمد ابن عبد السلام أنهم سألوه عن ابن عربي، لما دخل مصر، فقال: شيخ كذاب مقبوح، يقول بقدم العالم ولا يحرم فرجاً. 2. وقال ابن دقيق العيد: هو صاحب خيال واسع. 3. وحدثني ابن بحير عن رشيد الدين سعيد وغيره أنه قال: كان يستحل الكذب، وهذا أحسن أحواله. 4. وحدثني كمال الدين أنه اجتمع بالشيخ أبي العباس الشاذلي تلميذ الشيخ أبي الحسن، فقال عن التلمساني: هؤلاء كفار، هؤلاء يعتقدون أن الصنعة هي الصانع. 5. وقال ابن دقيق العيد: إنما استولت التتار على بلاد المشرق لظهور الفلسفة فيهم، وضعف الشريعة، فقلت له: ففي بلادكم مذهب هؤلاء الذين يقولون بالاتحاد، وهو شر من مذهب الفلاسفة؟ فقال: قول هؤلاء لا يقوله عاقل، بل كل عاقل يعلم فساد قول هؤلاء – يعني أن فساده ظاهر – فلا يذكر هذا فيما يشتبه على العقـلاء، بخلاف مقالة الفلاسفة، فإن فيها شيئاً من المعقول وإن كانت فاسدة. 6. وحدثني تاج الدين الأنصاري الفقيه المصري الفاضل، أنه سمع الشيخ إبراهيم الجعبري يقول: رأيت ابن عربي شيخاً مخضوب اللحية، وهو شيخ نجس، يكفر بكل كتاب أنزله الله، وكل نبي أرسله الله. 7. وحدثني الشيخ رشيد الدين بن المعلم أنه قال: كنت وأنا شاب بدمشق أسمع الناس يقولون عن ابن عربي والخسروشاهي أن كلاهما زنديق، أوكلاماً هذا معناه. نتيجة لهذه العقائد الكفرية التي بثها ونشرها ابن عربي ومن لف لفه من زنادقة الصوفية، ولبسوا بها على العامة، فكانوا تجاهها أحد خمسة نفر: 1. مصدق بها معتقد لها. 2. متردد فيها مضطرب. 3. محسن للظن بقائلها، حيث لا يخالجه شك أن كل ما صدر منهم فهو حق، بل ابن عربي وأضرابه من زنادقة الصوفية من أتباع الطرق من يتوسل بهم في ورد يومي: "بالشبلي بالحلاج بابن العربي"، نعوذ بالله من الخذلان. 4. مجتهد في تكذيب ما نسب إليهم من هذه المقالات مع ثبوتها عليهم واعترافهم واعتدادهم بها، بل بلغت الجرأة ببعضهم أن شكك في نسبة كتاب "فصوص الحكم" للطاغوت الأكبر ابن عربي. 5. مؤول لكل ما صدر عنهم تأويلاً ما أنزل الله به من سلطان. هذا بجانب العقائد المجمع عليها عند الصوفية الآن، نحو: 1. الاستغاثة والتوسل بذات وجاه الأنبياء والصالحين، أحياء وأمواتاً. 2. ادعاؤهم أن مشايخهم يعلمون الغيب. 3. اعتقادهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم خلق من نور، بل إن آدم ومن دونه خلقوا من نوره. 4. اعتقادهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم يُرى يقظة مع استحالة ذلك بعد انتقاله إلى الدار الآخرة، بل هناك طرق يزعم مؤسسوها أن مرسومها خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. يزعم الشيخ أحمد التجاني أن صلاة الفاتح لما أغلق تعدل القرآن ستة آلاف مرة، ومرة قال سبعة آلاف مرة، وأنه تلقاها من الرسول صلى الله عليه وسلم مكافحة. بل ذكر "ود ضيف الله" في الطبقات أن بعض المشايخ كان يجتمع بالرسول صلى الله عليه وسلم على رأس كل ساعة. 5. اعتقاد جلهم أن بعض المشايخ يمكن أن تسقط عنهم بعض التكاليف الشرعية أوكلها، وأنهم يمكنهم الاستغناء عن شرع محمد صلى الله عليه وسلم، وعندما اعترض على الصوفي الباطني الزنديق محمود محمد طه في زعمه أن الصلاة رفعت عنه قال: هناك ثلاثة من الأولياء الكمل في السودان ما كانوا يصلون، وكان يستغاث بعدم صلاة أحدهم. 6. من مصادر التلقي عند الصوفية الذوق، والهواتف الشيطانية، والرؤى المنامية، والأحاديث الموضوعة. 7. يتعبدون الله بالبدع، والمحدثات، والسماع الصوفي، والرقص، والتواجد، ونحو ذلك. لهذه الأسباب وغيرها كثير لم تعد هناك صوفية معتدلة وأخرى منحرفة، بل كل الصوفية منحرفون عن الجادة، وبعيدون عن السنة، وإن اختلفوا في ذلك، وقد خلطوا عملاً صالحاً بأعمال طالحة وعقائد فاسدة. والواجب على المسلم التقيم بالكتاب والسنة، والتمسك بما كان عليه سلف الأمة. والله أسأل أن يرينا وجميع إخواننا المسلمين الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، والباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، وصلى الله وسلم على محمد القائل: "وتفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قيل ما الواحدة؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي اليوم"، وعلى آله، وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان.
|
||
|
|
||