رؤية شرعية في الحوار الإسلامي المسيحي
دعوى التقريب بين الأديان
تمهيد
أولاً: نبذة
تاريخية عن دعوى خلط الأديان
ثانياً: إبطال الخلط بين دين الإسلام وغيره من الأديان
ثالثاً: الآثار الخطيرة لهذه الدعوة على المسلمين والكفار
أ. على الإسلام والمسلمين
ب. آثارها على الكفار
رابعاً: وبضدها تتميز الأشياء، إعطاء نماذج رائعة لحوارات علماء
الإسلام للكفار في العصور الزاهرة
تمهيد
الحمد لله القائل: "وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ
النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ"1،
والقائل: "قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا
وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ
يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ
فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ"2.
وصلى الله وسلم وبارك على محمد الرسول الخاتم، صاحب الشرع الحاكم،
الذي أنزل عليه الكتاب المهيمن الناسخ، القائل: "لو كان موسى حياً لما وسعه أن
يتبعني"، والقائل: "والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة4،
يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار"5،
ممن هو موجود في زمنه وبعده إلى يوم القيامة وبلغته الدعوة أوسمع بها، وقد ذكر
اليهود والنصارى تنبيهاً على من سواهما من المشركين.
من الأمور التي عمت بها البلوى، وكثر فيها الافتراء والتقول على
الله بغير حق، التشكيك في الثوابت والمسلمات، والطعن في المرجعيات، ورحم الله
مالكاً حيث قال: "ما لم يكن في ذاك اليوم ديناً فلن يكون اليوم ديناً"، والقائل:
"لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها"، وقد صلح أولها بالتمسك بالكتاب
والسنة، والاعتصام على ما كان عليه سلف الأمة.
من تلكم البلايا العظام والفتن الجسام دعوى تخليط الأديان، حيث لا
يكون فرق بين ناسخها ومنسوخها، وحقها وباطلها، دفعاً لقوله تعالى: "إِنَّ الدِّينَ
عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ"6،
وقوله: "وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ
فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ"7،
تحت شعارات مختلفة، وعناوين متباينة، ذات مدلول واحد، ولتحقيق هدف معين، بغرض
التلبيس والتدليس على العامة.
وبعد..
فهذا بحث عن تلك الدعوة الكفرية الخبيثة، ذات الأضرار والمخاطر
الجسيمة العديدة، دعوى خلط الأديان والتسوية بين حقها وباطلها، وناسخها ومنسوخها.
نود حصر الحديث فيها في المجالات الآتية:
-
إعطاء نبذة تاريخية موجزة عن تاريخ هذه الدعوة وعن بطلتها.
-
التدليل على بطلان دعوى خلط الأديان، وبيان أنها من الدعوات
الكفرية تحت أي مسمى من مسمياتها.
-
الآثار الخطيرة لهذه الدعوة على المسلمين والكفار سواء.
-
وبضدها تتميز الأشياء: إعطاء نماذج رائعة لجدل وحوار بعض أئمة
السلف للكفار، للمقارنة بينها وبين خلط الخلف.
والله أسأل التوفيق، والسداد، والعون، والرشاد، وصلى الله وسلم على
محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم إلى يوم التناد.
ã
أولاً: نبذة تاريخية عن دعوى
خلط الأديان
ما فتئ اليهود والنصارى والمشركون وإخوانهم من المنافقين يكيدون
لهذا الدين ولرسوله الكريم، ويمكرون المكر الكبار منذ فجر الإسلام وإلى أن يرث الله
الأرض: "وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ
إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ
فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ
أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ"8.
لقد استحكم مكرهم واشتد عداؤهم في هذا العصر، حيث شرعوا في حربهم
الصليبية الشاملة للقضاء على الإسلام، متمثلة في غزو ديار الإسلام، نتيجة لخضوع
المسلمين، واستكانتهم، وضعفهم، وموالاة كثير منهم للكفار، ومعاداتهم لأهل الإسلام،
حيث أضحى بعضهم يقاتل تحت رايتهم ويحكم نيابة عنهم.
يتمثل مكر اليهود والنصارى والمشركين والمنافقين للإسلام منذ ظهوره
في الآتي:
-
محاولة اليهود سم الرسول صلى الله عليه وسلم وقتله عدة مرات.
-
اشتراك اليهود والنصارى والمجوس في قتل الخليفة الراشد عمر رضي
الله عنه.
-
إثارة الشبه، نحو ما حدث عند تحويل القبلة.
-
زرع حركات هدامة، نحو ما قام به اليهودي عبد الله بن سبأ، وما
فعله "إخوان الصفا"، وأئمة عقائد الاتحاد ووحدة الوجود من زنادقة الصوفية.
-
تآمر الرافضة وتعاونهم مع التتار الأول للقضاء على الخلافة، كما
تعاون أحفادهم اليوم في تدمير عراق العروبة والإسلام من تتار هذا العصر.
وفي الجملة، ما من كارثة أومصيبة حلت بالإسلام في ماضيه أوحاضره،
أوتحل به في مستقبله إلا وتجد محركيها اليهود والنصارى والمنافقون أوبعضهم، بطريق
مباشر أوعن طريق عملائهم.
على الرغم من أن الدعوى إلى خلط الأديان بدأت مع بداية الإسلام،
تظهر وتخبو حسب قوة المسلمين وضعفهم، متخذة أساليب عدة وصور شتى وأسماء مختلفة، إلا
أنها استحكمت وأسفرت عن وجهها الكالح، وأبدت ما كانت تخفيه من قبل في منتصف القرن
الرابع عشر الهجري9،
واتخذت لذلك وسيلتين:
أ. إنشاء منظمات وجمعيات وأحزاب علمانية، نحو10:
ب. عقد مؤتمـرات وتكوين جمعيات للتقريب، والتوحيد، والتعايش السلمي
تحت مسميات مختلفة، نحو:
-
"جمعية التأليف والتقريب" التي أنشئت ببيروت، اشترك في تكوينها
الشيخ محمد عبده، ومحمد باقر الإيراني، وممثلاً لجمال الدين الأفغاني، وبعض
الإنجليز واليهود.11
-
كما كان لمحمد عبده مراسلات مع بعض القسس للمضي قدماً في هذه
الدعوة.12
-
ما كتبه محمد فريد وجدي، ومحمد عرفة، وعبد الله الفيشاوي الغزي،
وبين بعض القسس في شكل مقالات في صحيفة "الهلال"، في الأعداد 484 – 485، تحت
عنوان: "هل يمكن توحيد الإسلام والنصرانية".13
-
فتح مراكز بمصر تحت شعارات: "الدعوة إلى التقريب بين الأديان"،
"التقارب بين الأديان"، "نبذ التعصب الديني"، "الإخاء الديني"، "مجمع الأديان"،
"التضامن الإسلامي المسيحي ضد الشيوعية"، "الصداقة الإسلامية المسيحية".14
أما المؤتمرات فقد عقد منها15:
-
مؤتمر بلتمور في 1942م، كان يهدف إلى بث الحركات السرية في
الإسلام.
-
مؤتمر برنستون بأمريكا لدراسة الشؤون الثقافية والاجتماعية في
الشرق الأدنى، وقد ترجمت بحوثه إلى العربية.
-
مؤتمر الثقافة الإسلامية والحياة المعاصرة بجامعة برنستون بأمريكا
في صيف 1953م، شارك فيه بعض المسلمين: الشيخ مصطفى الزرقا، واشتياق حسين، وفضل
الرحمن الهندي.
-
مؤتمر لاهور بباكستان في 1955م، وقد دعي إليه عدد من المسلمين
والمستشرقين، ولكنه فشل بعد أن ظهرت أغراضه الخبيثة.
-
مؤتمر التأليف بين الإسلام والمسيحية في بيروت 1953م.
-
مؤتمر الإسكندرية 1954م.
من الذين تولوا كبر هذه الدعوة في هذا العصر، ممن يوصفون بالمفكرين
الإسلاميين على سبيل المثال16:
وتتمثل مجهودات هذا الأخير في الآتي:
ثم ما برحت المؤتمرات والندوات تعقد لهذا الغرض من حين لآخر، وكان
آخرها ثالثة الأثافي: الحوار الإسلامي المسيحي الذي عقد في الخرطوم في الفترة ما
بين 4-6/ 7/ 2007م، الذي تمخضت عنه توصيات جلها كفرية، منها على سبيل المثال
الأهداف والتوصيات التالية:
الهدف (2): [تعزيز دور المسجد، والكنائس، والمؤسسات، والطوائف
الدينية في إذكاء روح العيش المشترك والتواصل بين المسلمين والمسيحيين].
التوصية في الصفحة الثالثة: [الدعوة للتعاون بين المؤمنين في كل دول
العالم والمؤسسات الدينية للارتقاء بأسس الحوار لدعم المعتقدات وتوطيد السلام
والوحدة]، وفي ذلك رفع للكفر عن اليهود والنصارى، وكذلك المشركين، وفي ذلك رد لكتاب
الله: "لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ"17،
وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا ناقض من نواقض الإسلام: من لم يكفر الكفار
أوشك في كفرهم أوصحح مذهبهم، بل في هذه التوصية جرأة وتقول على الحق حتى بالنسبة
للمسلمين، فهل كل مسلم مؤمن؟!! دعك عن عبدة الثالوث الضالين.
من التوصيات ( ص 3): [يطالب المؤتمر بكتابة ميثاق للتعدد الديني في
السودان، يلتزم باحترام ثوابت الإسلام والمسيحية].
هل للمسيحية ثوابت بعد أن نسخت؟ ورحم الله ابن القيم18
عندما قال: "ما بأيدي النصارى من الدين باطله أضعاف أضعاف حقه، وحقه منسوخ".
ومن توصياته: [يدعو المؤتمر إلى إدخال مادة التعايش الديني والحوار
كمادة دراسية ضمن المنهج الدراسي لتنشئة الأطفال على قيمة التسامح وقبول الآخر].
هل هناك خلط ومسخ لدين الإسلام أكثر من ذلك، وصدق من وصف هذه
المؤتمرات بأنها مؤامرات على الإسلام والمسلمين.
ã
ثانياً: إبطال
الخلط بين دين الإسلام وغيره من الأديان
محاولة الخلط والدمج والتسوية بين الإسلام والمسيحية والنصرانية
المنسوختين، والتلبيس والتدليس على الناس في ذلك مهما كانت المببرات19،
من الدعاوي الكفرية البينة التي لا يختلف فيها من له أدنى معرفة بدين الإسلام.
فالدين الذي ارتضاه الله سبحانه وتعالى لجميع رسله وعباده هو
الإسلام، وما من رسول إلا وقد بعثه الله بالإسلام وإن اختلفت شرائعهم، فالأنبياء
إخوة لعلات: "إنا معشر الأنبياء إخوة لعلات"20.
قال تعالى: "لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا"21.
وقال: "قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ
دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ"22.
وقال: "مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا
وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ"23.
وقال: "وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ
مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ"24.
فالإسلام له معنيان25:
أ. عام: ويتناول إسلام كل أمة تبعت نبيها الذي بعث إليهم، فيكونون
مسلمين حنفاء حتى نسخ شريعتهم بمجيء من بعده من الأنبياء، وهكذا الحال إلى أن بعث
النبي الخاتم.
ب. خاص: فهو ما جاء به محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، حيث لا يطلق
هذا الاسم إلا على من اتبع دينه وسلك شريعته.
فلا ينبغي أن يوصف اليوم أحد بأنه مؤمن أوعلى ملة إبراهيم إلا إن
كان من أتباع هذا الرسول الأمين.
وهكذا الحال إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فمن شاء فليؤمن ومن
شاء فليبق على ضلاله وكفره، يهودياً كان أم نصرانياً أم مشركاً.
إذ من أركان الإيمان الإيمان بجميع رسل الله، قال تعالى: "آمَنَ
الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ
باللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن
رُّسُلِهِ"26.
وقال: "إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ باللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ
أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ
وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً.
أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا
مُّهِينًا. وَالَّذِينَ آمَنُواْ باللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ
أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللهُ
غَفُورًا رَّحِيمًا"27.
وقال: "وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ
أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ
فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ"28.
لقد بين الله كفر أهل الكتابين اليهود والنصارى نتيجة لهذا التفريق
بين الأنبياء: "وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنزَلَ اللهُ قَالُواْ
نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ وَهُوَ الْحَقُّ
مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ"29.
وقال: "فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ
اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ
اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ"30.
لقد لخص رسول الله صلى الله عليه وسلم عقيدة المسلم التي تنجيه من
الخلود في النار كما جاء في حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال: "من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده
ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق،
والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل".31
هذا مع العلم أن النصارى لا يوحدون الله، بل يشركون معه غيره.
قال العلامة ابن حزم رحمه الله: (النصارى وإن كانوا أهل كتاب،
ويقرون بنبوة بعض الأنبياء عليهم السلام، فإن جماهيرهم وفرقهم لا يقرون بالتوحيد
مجرداً، بل يقولون بالتثليث.
إلى أن قال: ولولا أن الله تعالى وصف قولهم في كتابه إذ يقول تعالى:
"لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ"32،
وإذ يقول الله تعالى حاكياً عنهم: "إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ"33،
ويقول: "أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ
اللهِ"34،
لما انطلق لسان مؤمن بحكاية هذا القول العظيم الشنيع، السمج السخيف، وتالله لولا
أنا شاهدنا النصارى ما صدقنا أن في العالم عقلاً يسع هذا الجنون، ونعوذ بالله من
الخذلان).35
وقال العلامة ابن القيم رحمه الله واصفاً النصارى بما هم أهله: (المثلثة،
أمة الضلال، وعباد الصليب، الذين سبوا الله الخالق سباً ما سبه إياه أحد من البشر،
ولم يقروا بأنه الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً
أحد).36
وعليه فلا يحل لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسعى لتجميع
المسلمين مع أصحاب الأديان المحرفة المنسوخة، فإن فعل فقد باء بغضب الله، وكفر بما
جاء به جميع الأنبياء والرسل.
ã
ثالثاً: الآثار
الخطيرة لهذه الدعوة على المسلمين والكفار
الدعوة إلى خلط الأديان والتسوية بين الدين الحق وما سواه من
المنسوخ المحرف ومحاولة الجمع بين المؤمنين حقاً والكافرين قطعاً وجزماً لها آثار
خطيرة، ومضار عديدة، ونتائج وخيمة، على المسلمين من ناحية، وعلى الكافرين من ناحية
أخرى، لا يعلم مدى هذه الأضرار والمخاطر إلا الله والراسخون في العلم، وسنشير إلى
أهم تلك المخاطر والأضرار.37
ã
أ. على الإسلام والمسلمين
أما على الإسلام فهي الطامة الكبرى، والجريمة العظمى، وسنشير إشارات
سريعة إلى آثارها الخبيثة ونتائجها الوخيمة على الإسلام والمسلمين:
الأولى
محاولة رفع الكفر عن أهل الكتابين، ووصفهم بالمؤمنين، وهذا ناقض من
نواقض الإسلام، فمن لم يكفر الكفار أوشك في كفرهم أوصحح مذاهبهم فقد كفر: "فَمَاذَا
بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ"38.
قال القرطبي: (قال علماؤنا: حكمت هذه الآية بأنه ليس بين الحق
والباطل منزلة ثالثة في هذه المسألة التي هي توحيد الله تعالى).39
الثانية
موالاة الكفار، ويجب البراءة منهم ومن دينهم، وهذه أيضاً من نواقض
الإسلام المجمع عليها، قال تعالى: "لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ
أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ
فِي شَيْءٍ"40.
وقال: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً
مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ
الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ"41.
وقال: "لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ
أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ"42،
وهل هناك موالاة أكبر من الدعوة إلى التقارب معهم، والتعايش معهم في حب وسلام،
وإنشاء حلف يجمع بين المسلمين وبينهم؟
وقال: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ
الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن
يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ
الظَّالِمِينَ"43.
الثالثة
كسر الحاجز النفسي بين المسلمين والكفار واتخاذهم أصدقاء نتشاور
ونتناصح معهم.
الرابعة
من آثار هذه الدعوة الخبيثة الفاجرة تعطيل الجهاد وإبطاله، بنوعيه
جهاد الطلب وجهاد الدفع، حتى يعيش الجميع في وئام ومحبة، ووصف جهاد الدفع بأنه
إرهاب.
الخامسة
ومن آثارها السيئة كذلك إبطال فريضة الأمر والنهي، لمنافاة ذلك
لحرية الاعتقاد، والحرية الشخصية، والاعتراف بالآخر كما يزعمون.
خيرية هذه الأمة مرتبطة بأدائها لهذه الفريضة: "كُنتُمْ خَيْرَ
أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ
الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ باللهِ"44.
السادسة
ومن مخالفاتها حرمان المسلمين من القيام بواجبهم، وهو دعوة الكفار
للدخول في الإسلام.
السابعة
ومن أخبث آثارها كذلك الدعوة إلى بناء مجمع للأديان الثلاثة: مسجد،
كنيسة، معبد، هكذا:

الثامنة
ومن مخالفات هذه الدعوة الكفرية الدعوة إلى طبع القرآن الكريم
والإنجيل والتوراة في كتاب واحد، تحت شعار "وحدة الكتب السماوية".
التاسعة والعاشرة
أن البابا الهالك قدم نفسه إلى العالم بأنه القائد الروحي لجميع
الأديان، وأنه حامل رسالة السلام العالمي للبشرية، واعتبر يوم 27/ 10/ 1986م عيداً
لكل الأديان، وأول يوم من شهر يناير هو يوم التآخي.
الحادية عشرة
ومن آثارها السلبية الفاجرة اتخاذ نشيد يردده الجميع، أسموه: "نشيد
الإله الواحد رب وأب".
هذا قليل من كثير، وغيض من فيض للآثار الخبيثة، والنتائج الخطرة على
الإسلام من جراء دعوى خلط الأديان والتسوية بينها.
فليتق الله القائمون على أمر هذه الدعوة من المسلمين المنخدعين،
وعليهم أن يراجعوا أنفسهم، وأن يتوبوا إلى الله توبة نصوحاً من ذلك، وليعلموا أنهم
هم الخاسرون الظالمون لأنفسهم إن لم يرجعوا عن هذا المسلك المشين.
ã
ب. آثارها على الكفار
ومن آثارها السيئة على الكفار في الآخرة على الرغم من المكاسب
الكبيرة التي نالوها في الدنيا ما يأتي:
أولاً
خداعهم وغشهم أنهم على حق، وأن ما هم عليه لا يختلف مما عليه
المسلمون، وفي ذلك ظلم ليس بعده ظلم.
ثانياً
حرمانهم من الدخول في الإسلام، لسعي هذه الدعوة لإخماد راية الجهاد،
التي هي في حقيقتها لصالح الكفار بإخراجهم من ضلالتهم إلى الهدى.
ثالثاً
في تعطيل الدعوة إلى الله ووضع عوائق في طريقها ضرر بليغ على الكفار
لا يعرفونه إلا عندما يحال بينهم وبين ما يشتهون.
ã
رابعاً: وبضدها تتميز الأشياء، إعطاء نماذج رائعة لحوارات علماء الإسلام للكفار في
العصور الزاهرة
حتى نتمكن من مقارنة ما كان عليه سلفنا وخلفنا الصالح من العز
والاعتداد بدينهم، ومن النصيحة لربهم ورسولهم، وبين ما آل إليه الحال الآن عند
الخلف من الخضوع والاستكانة والانجرار خلف ما يهواه الكفار، والمساومة بدين الله.
ولا أدل على ذلك من التنازل عن الأبجديات: "بسم الله الرحمن
الرحيم"، التي غيرت واستبدلت بـ"بسم الله العلي القدير"، التي روس بها ميثاق
وتوصيات المؤتمر الأخير هذا.
من الأمثلة الرائعة والحوارات الناجحة التي قام بها علماؤنا في الرد
على كفريات وضلال وشبه النصارى، التي كان الهدف منها دعوتهم إلى الإسلام، وبيان ما
هم عليه من الكفر والخسران، وإزالة الشبه التي زينها لهم بعض شياطين الإنس والجن،
وليس التنازل عن المسلمات والثوابت، ما يلي:
ã
1. مجادلة جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه للنجاشي في عيسى عليه السلام
من المجادلات الرائعة والحوارات النافعة التي ينبغي أن تكون نبراساً
لمن يريد الجدل الحق مع الكفار.
عندما هاجر بعض المستضعفين من المسلمين إلى الحبشة، وعلمت قريش
بإكرام النجاشي لهم أرسلت وفداً من عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة، محملاً
بالهدايا الثمينة للنجاشي وبطارقته لإقناعه بتسليم المهاجرين لهم وردهم إلى مكة.
عندما لم تجد محاولاتهم في إقناع النجاشي عمدوا إلى حيلة خبيثة
للإيقاع بين النجاشي والمهاجرين، حيث قال له عمرو: سلهم عن عيسى؟
قالت أم سلمة واصفة ذلك الجدل والحوار بين جعفر والنجاشي رضي الله
عنهم:
(.. فلما خرجنا45
من عنده قال عمرو بن العاص: والله لآتينه غداً أعييهم عنده بما استأصل به خضراءهم46؛
فقال عبد الله بن أبي ربيعة وكان أتقى الرجلين فينا: لا تفعل، فإنا لهم أرحاماً؛
فقال: والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى ابن مريم عبد.
قالت: ثم غدا عليه من الغد، فقال له: أيها الملك، إنهم يقولون في
عيسى ابن مريم قولاً عظيماً، فأرسل إليهم واسألهم عما يقولون فيه.
قالت: فأرسل إليهم يسألهم عنه، قالت: ولم ينزل بنا مثلها، فاجتمع
القوم، فقال بعضهم لبعض: ماذا تقولون في عيسى إذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول والله فيه
ما قال فيه الله عز وجل، وما جاء به نبينا، كائناً في ذلك ما هو كائن.
فلما دخلوا عليه قال لهم: ما تقولون عن عيسى ابن مريم؟ قال له جعفر
بن أبي طالب: نقول فيه الذي جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم، هو عبد الله، وروحه،
ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول، قال: فضرب النجاشي يده على الأرض،
فأخذ منها عوداً ثم قال: ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود، اذهبوا فأنتم سيوم47
بأرضي، من سبكم غرم، ثم من سبكم غرم، ثم من سبكم غرم، ردوا عليهما هداياهما، فوالله
ما أخذ الله مني رشوة حين رد عليَّ ملكي).48
ã
2. مجادلة ابن الباقلاني (توفي 403ﻫ) لملك الروم وأساقفته49
من المجادلات الرائعة كذلك ما قام به الإمام أبو الطيب ابن
الباقلاني عندما بعثه عضد الدولة رسولاً عنه لملك قبرص، فقد دارت معه ومع ملكهم
وبطارقتهم عدة مجادلات، كانت الغلبة حليفة ابن الباقلاني.
قال ابن الباقلاني: (قال الملك: هذا الذي تدعونه في معجزات نبيكم من
انشقاق القمر، كيف هو عندكم؟
قلت: هو صحيح عندنا، وانشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه
وسلم حتى رأى الناس ذلك، وإنما رآه الحضور ومن اتفق نظره إليه في تلك الحال.
فقال الملك: وكيف لم يره جميع الناس؟
قلت: لأن الناس لم يكونوا على أهبة ووعد لشقوقه وحضوره.
فقال: وهذا القمر بينكم وبينه نسبة وقرابة؟ لأي شيء لم تعرفه الروم
وغيرها من سائر الناس، وإنما رأيتموه أنتم خاصة؟
قلت: فهذه المائد بينكم وبينها نسبة؟ وأنتم رأيتموها دون اليهود،
والمجوس، والبراهمة، وأهل الإلحاد، وخاصة "يونان" جيرانكم، فإنهم كلهم منكرون لهذا
الشأن، وأنتم رأيتموها دون غيركم.
فتحير الملك وقال بكلامه: سبحان الله؛ وأمر بإحضار فلان القسيس
ليكلمني، وقال: نحن لا نطيقه؛ لأن صاحبه قال: مافي مملكتي مثله، ولا للمسلمين في
عصره مثله.
فلم أشعر إذ جاء برجل كالذئب أشقر الشعر مسبله، فقعد وحكيت له
المسألة.
فقال: الذي قاله المسلم لازم، هو الحق لا أعرف له جواباً إلا ما
ذكره.
فقلت له: أتقول إن الكسوف إذ كان يراه جميع أهل الأرض لم يره أهل
الإقليم الذي بمحاذاته؟
قال: لا يراه إلا من كان في محاذاته.
قلت: فما أنكرت من اشنقاق القمر إذا كان في ناحية لا يراه إلا أهل
تلك الناحية ومن تأهب للنظر له؟ فأما من أعرض عنه وكان في الأمكنة التي لا يرى
القمر منها فلا يراه.
فقال: هو كما قلت، ما يدفعك عنه دافع، وإنما الكلام في الرواة الذين
نقلوه، وأما الطعن في غير هذا الوجه فليس بصحيح.
فقال الملك: فكيف يطعن في النقلة؟
فقال النصراني: شبه هذا من الآيات إذا صح وجب أن ينقله الجم الغفير
إلى الجم الغفير حتى يتصل بها العلم الضروري به، ولو كان كذلك لوقع غلينا العلم
الضروري به، فلما لم يقع لنا العلم الضروري به دل أن الخبر مفتعل باطل.
فالتفت إليَّ الملك وقال: الجواب؟
قلت: يلزمه في نزول المائدة ما يلزمني في انشقاق القمر، ويقال له:
لو كان نزول المائدة صحيحاً لوجب أن ينقله العدد الكثير، فلا يبقى يهودي، ولا
نصراني، ولا ثنوي إلا ويعلم هذا بالضرورة، ولما لم يعلموا ذلك بالضرورة دل أن الخبر
كذب.
فبهت النصراني والملك، ومن ضمه المجلس، وانفض المجلس على هذا).
ومن ذلك أيضاً:
قال القاضي: (ثم سألني الملك في مجلس ثانٍ فقال: ما تقولون في
المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام؟
قلت: روح الله، وكلمته، وعبده، ونبيه، ورسوله، كمثل آدم خلقه من
تراب ثم قال له كن فكان؛ وتلوت عليه النص.
فقال: يا مسلم، تقولون: المسيح عبد؟
فقلت: نعم، وكذا نقول، وبه ندين.
قال: ولا تقولون هو ابن الله؟
قلت: معاذ الله: "مَا اتَّخَذَ اللهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ
مِنْ إِلَهٍ"50،
إنكم لتقولون قولاً عظيماً، فإذا جعلتم المسيح ابن الله فمن أبوه، وأخوه، وجده،
وعمه، وخاله؛ وعددت عليه الأقارب.
فتحير وقال: يا مسلم، العبد يخلق، ويحيي، ويميت، ويبرئ الأكمه
والأبرص؟
قلت: لا يقدر العبد على ذلك، وإنما ذلك كله من فعل الله عز وجل.
قال: وكيف يكون المسيح عبداً لله وخلقاً من خلقه وقد أتى بهذه
الآيات؟ فعل ذلك كله؟
قلت: معاذ الله، ما أحيى المسيح الموتى، ولا أبرأ الأكمه والأبرص.
فتحير وقل صبره، وقال: يا مسلم، تنكر هذا مع اشتهاره في الخلق، وأخذ
الناس له بالقبول؟
فقلت: ما قال أحد من أهل الفقه والمعرفة أن الأنبياء عليهم السلام
يفعلون المعجزات من ذاتهم، وإنما هو شيء يفعله الله تعالى على أيديهم، تصديقاً لهم،
يجري مجرى الشهادة.
فقال: قد حضر عندي جماعة من أولاد نبيكم، وأهل دينكم المشهورين
فيكم، وقالوا: إن ذلك في كتابكم.
فقلت: أيها الملك، في كتابنا أن ذلك كله بإذن الله، وتلوت عليه
منصوص القرآن في المسيح: "بِإِذْنِ اللهِ"، وقلت: إنما فعل ذلك كله بإذن الله وحده
لا شريك له، لا من ذات المسيح، ولو كان المسيح يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص من
ذاته لجاز أن يقال: موسى فلق البحر، وأخرج يده بيضاء من غير سوء من ذاته دون إرادة
الخالق، فلما لم يجز هذا لم يجز أن تسند المعجزات التي ظهرت على يد المسيح إليه،
حتى يفعل ما يطلبون إليه.
فقال الملك: وسائر الأنبياء من آدم إلى من بعده كانوا يتضرعون
بالمسيح حتى يفعل ما يطلبون.
قلت: أوفي لسان اليهود عظم، لا يقدرون أن يقولوا: إن المسيح كان
يتضرع إلى موسى؟ وكل صاحب نبي يقول: إن المسيح كان يتضرع إلى نبيه، فلا فرق بين
الموضعين في الدعوى).
وجاء من ذلك أيضاً كما قال ابن الباقلاني رحمه الله: (ثم تكلمنا في
مجلس ثالث، فقلت له: أتحد اللاهوت بالناسوت؟
قال: أراد أن ينجي الناس من الهلاك.
قلت: دري بأنه يقتل ويصلب، ويفعل به كذا، ولم يؤمن به اليهود؟ فإن
قلت: لا يدري ما أراد اليهود به، بطل أن يكون إلهاً، وإذا بطل أن يكون إلهاً بطل أن
يكون ابناً، وإن قلت: قد دري ودخل في هذا الأمر على بصيرة، فليس بحكيم، لأن الحكمة
تمنع من التعرض للبلاء، فبهت).
وجاء من ذلك أيضاً كما قال القاضي عياض نقلاً عن ابن حبان: (أن
الطاغية وعد أبابكر بالاجتماع معه في محفل من محافل النصرانية ليوم سماه، فحضر
أبوبكر وقد احتفل المجلس وبولغ في زينته، وجاء البطريك قيم ديانتهم.. فقال له
الملك: تحفظ منه، وأظهر دينك، فلعلك تتعلق منه بسقطة أوتعثر منه على زلة تقضي
بفضلنا عليه..
فسلم عليه القاضي أحفل سلام، وسأله أحفى سؤال، وقال: كيف الأهل
والولد؟ فعظم قوله هذا عليه وعلى جميعهم وتغيروا له، وصلبوا على وجوههم، وأنكروا
قول أبي بكر عليه.
فقال: يا هؤلاء، تستعظمون لهذا اتخاذ الصاحبة والولد وتربون به عن
ذلك، ولا تستعظمونه لربكم عز وجهه، فتضيفون ذلك إليه؟ سوءة لهذا الرأي ما أبين
غلطه!
فسقط في أيديهم، ولو يردوا جواباً، وتداخلتهم هيبة عظيمة، وانكسروا.
ثم قال الملك للبطريك: ما ترى في أمر هذا الشيطان؟
قال: تقضي حاجته، وتلاطف صاحبه، وتبعث بالهدايا إليه، وتخرج العراقي
عن بلدك من يومك إن قدرت، وإلا لم آمن الفتنة منه على النصرانية.
ففعل الملك ذلك، وأحسن جواب عضد الدولة وهداياه، وعجل تسريحه ومعه
عدة من أسارى المسلمين والمصاحف، ووكل بالقضي من جنده من يحفظه حتى وصل إلى مأمنه،
كان ذلك في سنة نيف وثمانين وثلاثمائة للهجرة.
وفي رواية قال للبطريك: كيف الأهل والأولاد؟ فقال الملك: مه، أما
علمت أن الراهب ينزه عن هذا؟ فقال: تنزهونه عن هذا ولا تنزهون رب العالمين عن
الصاحبة والولد.
ومن ذلك قيل: (إن الطاغية سأله: كيف جرى لزوجة نبيكم؟ يقصد حادثة
الإفك.
فقال: كما جرى لمريم بنت عمران، وبرأهما الله، لكن عائشة كانت ذات
زوج ولم تأت بولد، ومريم ليس لها زوج فأتت بولد؛ فأفحمه).
ã
3. مناظرات51
الشيخ الشاب محمد بن محمد الطيب المالكي (توفي 1191ﻫ) لبعض نصارى مالطة عندما أسر
فيها لمدة سنتين ونيف
قال عنه الشيخ محمد خليل المرادي : (ولد بالمغرب الأقصى وحفظ القرآن
وهو ابن ثمان سنين، ثم اشتغل في حفظ المتون على والده وقرأ عليه الأجرومية وعلى
الشيخ محمد السعدي الجزائري السنوسية ومنظومة في العبادات مختصة في المسائل
الفقهية، ودرّس السنوسية للطلاب قبل أوان الاحتلام ورحل من بلاده في البر إلى
طرابلس الغرب وما وجبت عليه صلاة ولا صيام، ومن طرابلس ركب البحر إلى الجامع الأزهر
فطلب العلم بمصر سنتين وثمانية أشهر.
ثم سافر لزيارة والدته في البحر فأسره الفرنج وذهبوا به إلى مالطة
مركز الكفر، ثم نجاه الله تعالى بعد سنتين وأيام، وناظرته رهبان النصارى مناظرة
واسعة، وكان فيهم راهب له دراية بالمسائل المنطقية والعربية، ويزعم أن همته بارعة،
وكانت مدة المناظرة نحو ثمانية أيام، فأخرسهم الله وأكبتهم ووقعوا في حَيْصَ بَيْص.
فمن جملة مناظرتهم معه في ألوهية عيسى أن قال كبيرهم: يا محمديّ، إن
حقيقة عيسى امتزجت مع حقيقة الإله فصارتا حقيقة واحدة.
قال: فقلت له: لا يخلو الأمر فيهما قبل امتزاجهما أن تكونا قديمتين
أو حادثتين أو إحداهما قديمة والأخرى حادثة، وكل الاحتمالات باطلة، فالامتزاج على
كل الاحتمالات باطل.
أما على الأول فإن الامتزاج مُفْضٍ للحدوث قطعاً لأنه تركيب بعد
إفراد وكل تركيب كذلك لا محالة حادث والحادث لا يصلح للألوهية، وأما الثاني فظاهر
البطلان، وأما الثالث بوجهيه فباطل أيضاً لأن القديمة منهما بعد الامتزاج يلزم
حدوثها والحادثة منهما بعده يلزم قدمها، فيؤدي إلى قلب الحقائق وقلبه محال، ويلزم
أيضاً اجتماع الضدين وهو باطل باتفاق العقول.
ولما سُقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا في هذا الطريق قال لي
كبيرهم: عقولنا لا تصل لهذا الأمر الدقيق، فقلت له: هذا عندنا من علوم أهل البداية
لا من علوم أهل النهاية؛ فبهت الذي كفر وعبس واكفهر؛ قلت لكبيرهم: بالله عليـك،
أعيسى كان يعبد الصليب؟ قـال: لا، وإنما ظهر الصليـب بعد قتله ـ على زعمهم ـ ونحن
نعبد شبيه الإله، فقلت له: بالله عليك ألله شبيه؟ قال: لا؛ فقلت: يجب عليكم حرق هذه
الصلبان بالزفت والقطران؛ فاستشاط غيظاً وقال لي: كنت أوقعك في المهالك وأجعلك عبرة
لكن الله أمرنا بحب الأعداء؛ فقلت له: لكن الله أمرنا ببغض الأعداء؛ فقال لي: إذاً
شريعتنا كاملة؛ فقلت له على طريقة الاستهزاء: شريعتكم كاملة لأنها تعبد الأصنام
والصلبان، وشريعتنا ناقصة لأنها تعبد الله وحده لا شريك له؟ فاشتد غضبه حتى كاد أن
يبطش بي ولكن الله سلم لمزيد اللطف بي.
ثم إن كبيرهم قال لي: يا محمديّ، إني رأيت في كتبكم الحديثية أن
نبيكم انشق له القمر نصفين فدخل نصفه من كم ونصفه من الكم الآخر، وخرج تاماً من جيب
صدره، ومساحة البدر مثل الدنيا ثلاث مرات وثلث، وهي ثلاثمائة وثلاث وثلاثون سنة
وثلث، فما هذه الخرافات؟
فقلت له: أما ورد أن إبليس جاء لسيدنا إدريس وهو يخيط بالإبرة وبيده
قشرة بيضة، وقال له: أيقدر ربك كأن يجعل الدنيا في قشرة هذه البيضة؟ فقال لي: نعم
ورد ذلك؛ فقلت له: كيف يقدر؟ فقال: إما أن يكبر القشرة أو يصغر الدنيا؛ فقلت له:
سبحان الله، تحلونه عاماً وتحرمونه عاماً، وإذا سلمت هذا فلم لا تسلمه لنبينا؟ فغص
بريقه واصفر وعبس وتولى فقتل كيف قدّر؛ وهذا الجواب مني من باب إرخاء العنان
للإلزام وإلا فدخول نصفي البدر في الكمين باطل عند جميع المحدثين الأعلام، لكن
كبيرهم لا يعرف اصطلاح علمائنا ذوي المقام العالي، فلو أجبته ببطلانه لقال لي:
رأيته في كتبكم، فلا يصغي لمقالي، فلذلك دافعته بالبرهان القطعيّ العقلي، لأنه لا
يمتثل بعد ما رآه للدليل النقلي.
ثم إن كبيرهم في ميدان البحث أنكر نبوة نبينا السيد الكامل وقال:
إنه عندنا مَلِك عادل، فقلت له: ما المانع من نبوته؟ فقال: نحن لا نقول بها وإنما
نقول بشدة صولته؛ فقلت له: أليس النبي الذي أتى بالمعجزات وأخبر بالمغيبات؟ فقال
كبيرهم: أي معجزة أتى بها وأي مغيبات أخبر بها؟ فسردت له بعض المعجزات وأعظمها
القرآن، وذكرت له المغيبات.
فقال لي: رأيت البخاري من علمائكم ذكر بعضها؛ ثم قال لي: إنما علمه
ذلك الغلام، يشير لقوله تعالى: " إنما يعلمه بشر"52؛
فقلت له: بالله عليك لسان ذلك الغلام ماذا؟ قال: أعجمي؛ فقلت له: بالله عليك لسان
نبينا ماذا؟ قال: عربي؛ قلت له: بالله عليك نبينا يقرأ ويكتب أم أمي؟ قال: أمي لا
يقرأ ولا يكتب؛ فقلت له: بالله عليك هل سمعت عربياً يتعلم من عجمي؟ قـال: لا؛ فأفحم
في الجواب وانقطع عن الخطاب.
ثم قال لي: كيف يقول قرآنكم: "يا أخت هارون"، وبينه وبينها ألف من
السنين؟ فقلت له: أنت أعجمي لا تعرف لغة العرب كيف مبناها؛ فقال لي: وكيف ذلك؟ فقلت
له: يطلق الأخ في لغتهم على الأخ النسبي وعلى الأخ الوصفي، والمراد هنا الثاني،
ومعنى الآية يا أيتها المتصفة عندنا بالعفة والديانة والعبودية مثل هارون الموصوف
بتلك الصفات الكاملة، وهذا المعنى في لسان العرب شائع، وفي مجاراتهم ومجاري
أساليبهم ذائع؛ فوقف حمار الشيخ في الطين.
ولما رآني صغير السن وكان سني إذ ذاك نحو تسع عشرة سنة، قال لي:
تصلح أن تكون مثل ولد ولدي، فمن أين جاءتك هذه المعرفة التامة؟ فقلت له: جميع ما
سألتني عنه هومن علوم البداية، ولو خضت معي في مقام النهاية لأسمعتك ما يصم أذنيك،
وفي هذا القدر كفاية؛ فترك المناظرة ورجع القهقرى، وشاع صيتي في مالطة بين الرهبان
والكبراء، وكنت إذا مررت في السوق يحترموني وما خدمت كافراً قط، وكان سبب خلاصي
رؤيا مبشرة، من يومها ركبت سفينة النجاة متوجهاً للإسكندرية ثم منها لمصر القاهرة.
ثم سافرت الحجاز مراراً، ودخلت اليمن، وعمان، والبحرين، والبصرة،
وحلب، ودمشق، وتوجهت للروم، ثم ألقيت عصا التسيار في بيت المقدس، وجاءتني الفتيا
وأنا لها كاره.
ومراسلاته وأشعاره كثيرة، وكانت وفاته في القدس سنة 1191هـ،
رحمه الله تعالى).
ã
|