إخراج زكاة الفطر نقداً لا تبرأ بها ذمة ولا تحدث بها طُهرة للصائمالشبه التي يثيرها المجيزون لإخراج زكاة الفطر نقداً ودفعها
ذهب عامة أهل العلم المقتدى بهم سلفاً وخلفاً أن زكاة الفطر لا تخرج إلا من الطعام، حباً كان أم مصنوعاً، وأن القيمة لا تجزئ فيها ولا تبرأ بها ذمة المخرج لها. هذا مذهب الصحابة والتابعين وعامة أهل العلم من الأئمة المقتدى بهم، أمثال مالك، والشافعي، وأحمد، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، ومن المشايخ المعاصرين الشيخ عبد العزيز ابن باز، والشيخ العثيمين، رحم الله الجميع، والشيخ الفوزان، وغيرهم كثير، وإليك بعض أقوالهم. قال البراذعي في التهذيب5 تحت باب: "ما تخرج منه زكاة الفطر وما لا تخرج": (مالك: وتؤدى زكاة الفطر من القمح، والشعير، والسَّلت، والذرة، والدخن، والأرز، والتمر، والأقِط6، صاعاً من كل صنف منها، ويخرج أهل كل بلد من جل عيشهم، إلا أن يغلو سعرهم فيكون عيشهم الشعير فيجزيهم. ولا يجزئ في زكاة الفطر شيء من القطنية7، وإن أعطى من ذلك قيمة صاع من حنطة، أوشعير، أوتمر. مالك: ولا يجزيه أن يخرج قيمتها دقيقاً أوسويقاً. إلى أن قال: مالك: ولا يجزئ إخراج قيمتها عيناً ولا عرضاً). قلت: من الحبوب "الرُّبع" يجزئ عن ثلاثة أفراد. وقال النووي في المجموع شرح المهذب8: (لا تجزئ القيمة في الفطر عندنا، وبه قال مالك، وأحمد، وابن المنذر، وقال أبوحنيفة يجوز، وحكاه ابن المنذر عن الحسن البصري وعمر بن عبد العزيز، وقال إسحاق وأبو ثور: لا تجزئ إلا عند الضرورة). وكل يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب الشريعة. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (يخرج من قوت بلده مثل الأرز وغيره، ولو قدر على الأصناف المذكورة في الحديث، وهو رواية عن أحمد وقول أكثر العلماء، وهو أصح الأقوال، فإن الأصل في الصدقات أنها تجب على وجه المواساة للفقراء).9 وقال ابن القيم: (إن النبي صلى الله عليه وسلم فرض صدقة الفطر صاعاً من تمر، أوصاعاً من شعير، أوصاعاً من زبيب، أوصاعاً من أقِط، وهذه كانت غالب أقواتهم في المدينة، فأما أهل بلد أومحلة قوتهم غير ذلك فإنما عليهم صاع من قوتهم، كمن قوتهم الذرة، أوالأرز، أوالتين، أوغير ذلك من الحبوب، فإن كان قوتهم من غير الحبوب كاللبن، واللحم، والسمك أخرجوا فطرتهم من قوتهم كائناً ما كان. هذا قول أحمد وجمهور العلماء، وهو الصواب الذي لا يقال بغيره، إذ المقصود سد خُلة المساكين يوم العيد، ومواساتهم من جنس ما يقتاته أهل بلدهم. وعلى هذا فيجزي إخراج الدقيق10 وإن لم يصح فيه الحديث، وأما إخراج الخبز11 والطعام فإنه وإن كان أنفع للمساكين لقلة المؤنة والكلفة فيه فقد يكون الحب أنفع لهم لطول بقائه، وأنه يتأتى منه ما لا يتأتى من الخبز والطعام).12 وقال الشيخ الدكتور الفوزان: (وأما إخراج القيمة عن زكاة الفطر بأن يدفع بدلها دراهم، فهو خلاف السنة فلا يجزئ، لأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه إخراج القيمة في زكاة الفطر. قال الإمام أحمد: "لا يعطي القيمة"، قيل له: قوم يقولون: إن عمر بن عبد العزيز كان يأخذ القيمة؟ قال: "يدعون قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقولون: قال فلان؟!"، وقد قال ابن عمر: "فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعاً.." الحديث. الشبه التي يثيرها المجيزون لإخراج زكاة الفطر نقداً ودفعها قياس أهل الرأي – أهل العراق – الزكاة وهي عبادة على الجزية التي تؤخذ من الكفار وهي ضريبة، فقد نقل عن معاذ بن جبل أنه كان يقول لأهل الكتاب في اليمن: "ائتوني بخميص أولبيس أسهل عليكم، وخير لمن في المدينة من المهاجرين والأنصار".13 وهذا قياس مع الفارق الكبير، والقياس كالميتة لا ينبغي أن يصار إليه إلا في حال عدم وجود الدليل، أما مع وجود الدليل فلا يحل القياس أبداً. ترخص بعض أهل العلم في ذلك، ومعلوم من دين الله النهي عن تتبع رخص العلماء وزلاتهم، ولهذا غضب الإمام أحمد على من قـابل مـا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بترخص عمر بن عبد العزيز. سهولة إخراج النقد على الطعام. حاجة الفقير إلى المال أكثر من حاجته إلى الطعام. وهاتان الشبهتان لا علاقة لهما البتة بموضع النزاع، فالسهولة وحاجة الفقير للمال لا علاقة لهما بأداء عبادة من العبادات، ورفع هاتان الشبهتان من باب الحيدة وعوز الدليل. فالمسلم مطالب أن يتعبد ربه بما أوجبه عليه على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وإن أراد أن يعين الفقير فله أن يعينه بما شاء سوى إبطال عبادته أوالإخلال بها. اعتقاد البعض أنه يجوز له أن يتبع من اختلاف العلماء ما شاء بالتشهي، ولو كان مناقضاً وراداً للدليل الصحيح الصريح، ومعلوم أن الخلاف العاري من الدليل لا حجة فيه لأحد. دعوى تحقيق مقاصد الشرع، ومعلوم كذلك أن مقاصد الشريعة لا تقوم على أنقاض الشريعة ورد السنة الصحيحة الصريحة، فنكون لا للشريعة أقمنا، ولا لمقاصدها حققنا، ولا لصيامنا طهرنا، ولا لسنة نبينا اتبعنا. اعتقاد البعض أن الشيء إذا استهواه عدد كبير من المنتسبين للعلم بغض النظر عن أدلتهم وحججهم ينبغي أن يتبع، وهذا من تأثر البعض بالنظام الديمقراطي اللاديني البغيض، فالكثرة والقلة المجردة من اتباع الدليل لا قيمة لها، والجماعة ما وافق الحق ولو كان واحداً، فاعرف الحق تعرف أهله، فالحق لا يعرف بالرجال ولا بكثرتهم، ولا بالهيئات الرسمية، وإنما يعرف بالأدلة الشرعية. نتيجة لهذه الشبه كما يقولون: "رمتني بدائها وانسلت"، فبدلاً أن يُعاب ويثرب على التاركين للسنة الصحيحة، المتبعين لبعض الزلات والهفوات، يُثرب على الملتزمين بالسنة المتمسكين بها، مما يدل على غربة الدين في هذه الأعصار، وانقلاب الموازين، حيث صُوِّر المتمسك بالسنة بأنه متشدد وغالٍ، وتجاهلوا أن هذا الانتقاص يطول الصحابة، والسلف، والأئمة الأخيار، حيث أنا لا نعدو أن نكون متبعين لهم. لا يفوتني أن أحذر إخواني من أهل العلم من منافقة المجتمع، ومن مجاراته على ما يهوى، فإنها من الطوام العظام، وهي أخطر بكثير من منافقة الحكام. التقليد الأعمى، حيث لم يكن المسلمون يخرجون زكاة الفطر إلا من الطعام الحب وغيره في السودان وغيره، ولكن عندما نبتت نابتة استسهلت إخراجها نقداً قلدت، وترك الناس ما كانوا عليه من اتباع سنة نبيهم والاقتداء بسلفهم وأئمتهم. وعليه فإنه لا يحل إخراج زكاة الفطر نقداً لمخالفة ذلك للنص الصحيح الصريح، ولإجماع الصحابة ومن سار على طريقهم، وأن من أخرجها نقداً لا تبرأ بذلك ذمته، ولا يطهر صيامه. لا ينبغي لأحد أن يجمع نقداً من الناس في زكاة الفطر وفي الإطعام، اللهم إلا أن يكون عازماً على شراء الطعام حباً أومصنوعاً وتوزيعه على الفقراء نيابة عنهم. ومن عزم على ذلك يؤجر، وعليه أن يتأكد من وصول هذا الطعام إلى مستحقيه في الوقت الذي حدده الشارع لا قبله ولا بعده، وإلا يكون آثماً مفرطاً غير مأمون على الوكالة. وعلى المسلم أن لا يوكل إلا من يثق بعلمه وحرصه على السنة. والله أسأل أن يردنا إليه رداً جميلاً، وأن يوفقنا للاتباع، ويجنبنا التقليد، والهوى، والابتداع.
|
||
|
|
||