لا جديد في مواقيت الحج والعمرة
جدة ليست ميقاتاً إلا لأهلها
حكم
الإحرام من الميقات لمن أراد الحج أوالعمرة
أقوال أهل العلم والفتوى المعاصرين بأن جدة ليست ميقاتاً إلا
لأهلها، أولمن أنشأ الحج أوالعمرة منها من غير أهلها
1. الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله
2. الشيخ
محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
3. الشيخ الدكتور صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان وفقه الله
4. اللجنة الدائمة
للبحوث والإفتاء
الخلاصة
درج كثير من الحجاج والمعتمرين، سيما القادمون بالجو من كل أنحاء
العالم أن يتعدوا مواقيتهم ويحرموا من جدة، بل البعض يجلس ما شاء الله له أن يجلس
فيها، ويمارس من الأعمال من بيع وشراء ونحوهما ما يريد، ثم إذا أراد الخروج إلى مكة
أحرم حينئذ.
هذا التهاون بالركن الأول من أركان الحج والعمرة مرده لأسباب، هي:
أولاً: الخلط بين الإحرام الركن وبين التجرد الذي
هو واجب من واجبات الإحرام، حيث إذا تركه المحرم عمداً صح إحرامه وعليه فدية، وهي
إما أن يطعم ستة مساكين، أويصوم ثلاثة أيام، أويذبح شاة، وبعض مستحبات الإحرام.
ثانياً: بعض الرخص التي تصدر من بعض أهل العلم من
جواز الإحرام من جدة لصعوبة الإحرام في الجو.
ثالثاً: الجهل بخطورة ذلك.
لو علم هؤلاء أن الإحرام الركن هو نية الدخول في النسك مع الإتيان
بأي عمل من أعمال الحج، نحو التلبية، وتجنب محظورات الإحرام، لما تجاسروا على تعدي
مواقيتهم.
وكذلك لو تذكروا أن الحج عبادة، وأن العبادات توقيفية لا تجوز فيها
الزيادة ولا النقصان، وتذكروا كذلك قول رسولهم وهو يؤدي حجه: "لتأخذوا عني مناسككم،
لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا"، لعلموا أنه لا جديد في مواقيته.
فالحج له ميقاتان: زماني، وأشهره هي شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي
الحجة، لقوله تعالى: "الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ
الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ"1.
ومكاني، حدده رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل الجهات، كما صح عن
ابن عباس رضي الله عنهما: "وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة ذا
الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرْن المنازل، ولأهل اليمن يلملم2،
وقال: هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك
فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة".3
ولمسلم عن جابر: "ومهل أهل العراق ذات عِرق".4
فمن لم يمر بميقات من هذه المواقيت أحرم إذا حاذى أقربها منه، لقول
الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "فانظروا إلى حذوها من طريقكم".5
يستوي في ذلك القادمون جواً، وبحراً، وبراً، الكل مطالب أن ينوي
الحج أوالعمرة بقلبه ويتلفظ بلسانه بنحو: نويت الحج أوالعمرة وأحرمت لله بهما،
أولبيك حجاً أوعمرة، سواء تمكن من التجرد والاغتسال أوالإحرام دبر صلاة أم لم
يتمكن، فقد صح إحرامه وأتى بالركن الأول من أركان الحج.
قال خليل بن إسحاق المالكي رحمه الله في مختصره المطبوع مع "مواهب
الجليل شرح مختصر خليل"6
للحطاب: (وحيث حاذى واحد – أي من المواقيت السابقة – أومَرَّ ولو ببحر).
قال الحطاب في شرح ما قال خليل "ولو ببحر": (يعني أن من سافر في
البحر فإنه يحرم إذا حاذى الميقات، ولا يؤخر إلى البر، وهكذا قال في مناسكه ونصه:
ومن سافر في البحر أحرم أيضاً في البحر إذا حاذاه).7
أما ترخيص بعض فقهاء المالكية من الأقدمين والمحدثين لراكب البحر أن
يؤخر الإحرام إلى أن يصل إلى البر فهذه رخصة مردودة لتعارضها للنصوص الصحيحة
الصريحة، وإن روي عن بعض الأكابر، والراجح ما ذهب إليه خليل.
قال الحطاب إثر كلامه السابق: (خلافاً لسند في قوله إنه يؤخر للبر،
خوفاً من أن ترده الريح، فيبقى محرماً.. ونقل ابن الحاج عن ابن نافع مثل قول سند،
فقال: وقال ابن نافع: لا يحرم في السفن، ورواه عن مالك).8
الحمد لله الذي لم يتعبدنا باختلاف العلماء ورخصهم، ورحم الله
الإمام سليمان التيمي القائل: "من تتبع رخص العلماء وزلاتهم تزندق أوكاد، وتجمع فيه
الشر كله".
ã
حكم الإحرام من الميقات
لمن أراد الحج أوالعمرة
الوجوب، ومن تعداه رجع إليه، وإلا عليه فدية وهي أن يذبح شاة
لمساكين الحرم.
ã
أقوال أهل العلم والفتوى المعاصرين بأن جدة ليست ميقاتاً إلا لأهلها، أولمن أنشأ
الحج أوالعمرة منها من غير أهلها
1. الشيخ
عبد العزيز بن باز رحمه الله
قال وقد سئل: (بعضهم يفتي للقادم للحج بطريق الجو بأن يحرموا من
جدة، وآخرون ينكرون ذلك، فما هو وجه الصواب في هذه المسألة، أفتونا مأجورين؟!
الجواب: الواجب على جميع الحجاج جواً وبحراً وبراً أن يحرموا من
الميقات الذي يمرون عليه براً أويحاذونه جواً أوبحراً، لقول النبي صلى الله عليه
وسلم: "هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة" متفق عليه، أما
جدة فليست ميقاتاً للوافدين، وإنما هي ميقات لأهلها، ولمن وفدوا إليها غير مريدين
الحج والعمرة، ثم أنشأوا الحج والعمرة منها).9
ã
2.
الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
قال في فتاوى أركان الإسلام10،
جمع وترتيب فهد بن ناصر بن إبراهيم: (ولا يحل له11
تأخير الإحرام إلى أن يصل إلى جدة، كما يفعله كثير من الناس، فإن المحاذاة لا فرق
أن تكون في البر، أوفي الجو، أوفي البحر، ولهذا يحرم أهل البواخر التي تمر من طريق
البحر فتحاذي يلملم أورابغاً يحرمون إذا حاذوا هذين الميقاتين).
وقال في موضع آخر من الكتاب نفسه12:
(فإن أحرم من جدة ونزل إلى مكة، في هذه الحال فإن عليه عند أهل العلم فدية دماً
يذبحه في مكة.. فإن لم يحرم من جدة بعد وصوله إليها وهو ناوٍ العمرة قبل وصوله فإنه
يرجع إلى الميقات ويحرم منه، ولا شيء عليه).
ã
3.
الشيخ الدكتور صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان وفقه الله
قال في "الملخص الفقهي"13
له: (وكذا من ركب طائرة، فإنه يحرم إذا حاذى هذه المواقيت من الجو، فينبغي له أن
يتهيأ بالاغتسال والتنظف قبل ركوب الطائرة، فإذا حاذى الميقات نوى الإحرام، ولبى
وهو في الجو، ولا يجوز له تأخير الإحرام إلى أن يهبط في مطار جدة، فيحرم من جدة
أوبَحْرَة كما يفعل بعض الحجـاج، فإن جدة ليست ميقاتاً، وليست محلاً للإحـرام إلا
لأهلهـا أومن نوى الحج أوالعمرة منها، فمن أحرم منها من غيرهم فقد ترك واجباً هو
الإحرام من الميقات، فتكون عليه فدية.
وهذا مما يخطئ فيه كثير من الناس، فيجب التنبيه عليه، فبعضهم يظن
أنه لابد من الاغتسال للإحرام، فيقول: أنا لا أتمكن من الاغتسال في الطائرة، ولا
أتمكن من كذا وكذا.. الواجب أن يعلم هؤلاء بأن الإحرام معناه: نية الدخول في
المناسك مع تجنب محظورات الإحرام حسب الإمكان.
والاغتسال والتطيب ونحوهما إنما هي سنن، وبإمكان المسلم أن يفعلها
قبل ركوب الطائرة، وإن أحرم بدونها فلا بأس، فينوي الإحرام ويلبي وهو على مقعده في
الطائرة إذا حاذى الميقات أوقبله بقليل، ويعرف ذلك بسؤال الملاحين والتحري
والتقدير، فإذا فعل ذلك فقد أدى ما يستطيع، لكن إذا تساهل ولم يبالِ فقد أخطأ وترك
الواجب من غير عذر، وهذا ينقص حجه وعمرته.
ويجب على من تعدى الميقات بدون إحرام أن يرجع إليه ويحرم منه، لأنه
واجب يمكنه تداركه، فلا يجوز تركه، فإن لم يرجع فأحرم من دونه من جدة وغيرها فعليه
فدية، يذبح شاة أويأخذ سُبُع بدنة أوسُبُع بقرة، ويوزع ذلك على مساكين الحرم، ولا
يأكل منه شيئاً.
فيجب على المسلم أن يهتم بأمر دينه بأن يؤدي كل عبادة على الوجه
المشروع، ومن ذلك الإحرام بالحج والعمرة، يجب أن يكون من المكان الذي عينه رسول
الله صلى الله عليه وسلم، فيتقيد به المسلم ولا يتعداه غير محرم).
ã
4. اللجنة
الدائمة للبحوث والإفتاء
سئلت اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء بالمملكة العربية السعودية
بتوجيه من رئيسها الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله: ما حكم اتخاذ جدة ميقاتاً
مكانياً بدلاً من يلملم مع أن بعض العلماء يجوزه؟
الجواب، بعد أن ذكر حديث ابن عباس السابق في تحديد المواقيت: (ومن
هذه المواقيت التي تقدمت يلملم، فمن مر عليه من أهله أومن غير أهله وهو يريد حجاً
أوعمرة فإنه يحرم منه، ويجب أن يحرم من كان في الجو إذا حاذى الميقات، كما يجب على
من كان في البحر أن يحرم من مكان محاذٍ لميقاته.
أما جدة فهي ميقات لأهل جدة وللمقيمين بها إذا أرادوا حجاً أوعمرة.
وأما جعل جدة ميقاتاً بدلاً من يلملم فلا أصل له، فمن مر على يلملم
وترك الإحرام منه وأحرم من جدة وجب عليه دم، كمن جاوز سائر المواقيت، وهو يريد حجاً
أوعمرة، لأن ميقاته يلملم، ولأن المسافة من مكة إلى يلملم أبعد من المسافة التي بين
جدة ومكة).14
علماً بأن هؤلاء العلماء الأجلاء اطلعوا على البحث الجغرافي الذي
اعتمد عليه القائلون بأن جدة ميقات للسودانيين بدلاً من يلملم، واطلعوا كذلك على
ترخيص بعض الأقدمين من فقهاء المالكية للقادم من البحر أن يؤخر إحرامه حتى يصل
البر، ولم يغير ذلك من فتواهم.
ã
الخلاصة
مما سبق نخلص إلى الآتي:
1. أن جدة ليست ميقاتاً لا للسودانيين ولا لغيرهم، وإنما هي ميقات
لأهلها ولمن أنشأ الحج والعمرة منها من غير أهلها.
2. من تخطى الميقات المكاني من غير إحرام ولم يرجع إليه فعليه دم.
3. أن الإحرام هو نية الدخول في النسك والإمساك عن محظورات الإحرام،
أما الاغتسال، والتنظف، والصلاة، والتجرد فهذه إما واجب من واجبات الإحـرام أوسنن
ومستحبات، فلا يحل لأحـد أن يترك الركن الأساس وهو متيسر لكل محرم، لأنه نية وتلفظ
باللسان، فهل يعجز عن ذلك إنسان؟!
4. أنه لا جديد في مواقيت الحج ولا في جميع العبادات، فما لم يكن في
ذاك اليوم ديناً فلن يكون اليوم ديناً.
5. الخير كل الخير في الاتباع والشر كل الشر في الابتداع، ورحم الله
القائل:
وخير أمور الدين ما كان سنة وشر
الأمور المحدثات البدائع
6. أن الله سبحانه وتعالى لم يتعبدنا باختلافات العلماء، ولا
بزلاتهم وسقطاتهم، وإنما تعبدنا بما صح عن صاحب الشرع محمد صلى الله عليه وسلم.
7. أن الرجوع إلى الحق فضيلة لا تدانيها فضيلة، وأن التمادي فيما
سواه رذيلة وكبيرة.
والله أسأل أن يفقهنا في الدين وأن يردنا جميعاً إليه رداً جميلاً،
إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على من ترك أمته على المحجة البيضاء
ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، وعلى آله وأصحابه وأزواجه ومن والاه.
ã
|