أيها الحاج اختر لنفسك ما تبرأ به ذمتك ويصح به حجك
الحمد لله الذي فرض الحج على المستطيعين، وصلى الله وسلم وبارك على خاتم رسل رب
العالمين، أفضل من صلى وصام وحج واعتمر، القائل: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من
أبى"، قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى"1،
والقائل: "لتأخذوا عني مناسككم، لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا".2
أما بعد..
فعليك أيها الحاج أن تختار أن تحج كما حج نبيك صلى الله عليه وسلم، وخلفاؤه، والسلف
الكرام، حتى يكون حجك مبروراً، وسعيك مشكوراً، وذنبك مغفوراً، وترجع من ذنوبك كيوم
ولدتك أمك بإذن الله، أوأن تحج متبعاً ومقلداً لزلات وهفوات وسقطات بعض أهل العلم
ليتجمع فيك الشر كله، وتكون من الركب الكثير وليس من الحاج القليل.
بداية الصفحة
|
الحج كما حج رسول الله صلى الله عليه وسلم، القائل: "لتأخذوا عني مناسككم" |
حج المتتبع لزلات
وهفوات وسقطات العلماء |
|
1. تحرم إذا حاذيت الميقات عندما يخبرك ملاحو الطائرة أوالباخرة، لأن الإحرام
هو نية الدخول في النسك، مقروناً بعمل من أعمال الحج كالتلبية، ومجتنباً
فيه محذورات الإحرام. |
1. تتخطى الميقات، وتحرم من جدة متى شئت، ولك أن تبيع وتشتري وتجلس في مدينة
الحجاج ما تريد وأنت عازم على الحج من بلدك. |
|
2. إذا كنت تريد العمرة في أشهر الحج تمتعت، أحرمتَ بالعمرة أولاً ثم تتحلل،
وفي يوم الثامن تحرم بالحج من منزلتك، فإن كنت مستطيعاً ذبحت هدياً، وإلا
صمت ثلاثة أيام بعد هلال ذي الحجة، وإن لم تتمكن صمت أيام التشريق الثلاثة
وسبعة أيام إذا رجعت، عملاً بقوله تعالى: "فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ
إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ
فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ"3. |
2. إذا كنت تريد أن تعتمر في أشهر الحج فحجَّ مفرداً هرباً من الهدي
أوالصيام، واعلم أنك لست متبعاً لمالك الإمام، لأن الإفراد الذي فضله مالك
وغيره أن يفرد الحج بسفرة والعمرة بسفرة في غير أشهر الحج، حتى يعمر البيت
في كل وقت وحين. |
|
3. تتحرك إلى منى ضحى يوم الثامن لتصلي بها الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء،
وصبح يوم عرفة قصراً، كما فعل رسولك صلى الله عليه وسلم. |
3. تذهب إلى عرفة مباشرة، بحثاً عن الراحة، وتلبية لرغبة أصحاب الحافلات
والمطوفين، وتاركاً لسنة الرسول الكريم. |
|
4. تبيت بمزدلفة بعد أن تجمع فيها المغرب والعشاء جمع تأخير، وبعد صلاة الفجر
تقف بالمشعر الحرام تدعو إن تيسر لك ذلك إلى الإسفار، وإلا ففي مكانك الذي
بتَّ فيه، أما إن كنت من أصحاب الأعذار فلك التحرك من مزدلفة بعد منتصف
الليل. |
4. تمر على المزدلفة مرور الكرام، ريثما تصلي بها المغرب والعشاء، ثم تتحرك
مباشرة لرمي الجمرة الكبرى والتحلل، فإن شئت رجعت إلى منزلتك بمنى، وإن
أفتاك مسئولو الحملات أوأحد سائقي الحافلات واصلت إلى مكة لتطوف وتسعى
وتتحلل التحلل الأكبر، مبطلاً بذلك لحجك، ومذهباً لأجرك، قبل التاسعة
والعاشرة ليلاً. |
|
5. رميتَ جمرة العقبة ضحى إن تيسر لك إلى الزوال، وإلا إلى الغروب، وإن لم
تتمكن رميتها في اليوم التالي للعيد، مع رمي جمار أيام التشريق، كل هذا
أفضل من رميها ليلاً، أما رميها قبل فجر يوم العيد فغير مجزئ. |
5. رميتَ جمرة العقبة متى شئتَ من ليل أونهار، متبعاً لزلة الشيخ فلان. |
|
6. رميتَ الجمار أيام التشريق بعد الزوال، بادياً بالصغرى، ثم الوسطى، ثم
الكبرى، وإن تيسر لك دعوتَ بعد رميك للصغرى والوسطى. |
6. رميتَ الجمار في أيام التشريق قبل الزوال بل بعد الفجر، غير متقيد بترتيب
ولا بسنة الرسول الحبيب، فقد استعضت عنها بسقطات وزلات بعض أهل العلم، حيث
وجدت فيها من السعة ما لم تجده في سنته صلى الله عليه وسلم، كما يدل على
ذلك لسان حالك، ومن لم يسعه ما وسع الرسول وصحبه والتابعين لهم بإحسان فلا
وسع الله عليه. |
|
7. دعوتَ في طوافك وسعيك سراً بما تشاء من خيري الدنيا والآخرة، لك ولإخوانك
المسلمين. |
7. التزمت بكتيبات الأدعية البدعية، لكل شوط من الطواف والسعي، ورفعتَ بذلك
صوتك، وأزعجت إخوانك، وأحلت صحن الطواف إلى تظاهرة. |
|
8. التقطتَ من مزدلفة سبع حصيات فقط مثل حصى الخذف، كما فعل رسولك صلى الله
عليه وسلم لرمي جمرة العقبة. |
8. التقطتَ من مزدلفة سبعين حصاة كباراً أوتزيد، وغسلتها، واحتفظتَ بها،
وحرصتَ عليها أكثر من حرصك على الدراهم والدنانير. |
|
9. عند التحلل من الإحرام حلقتَ بالموسى، والحلق أفضل وأولى، أوقصرتَ جميع
شعرك. |
9. اكتفيتَ بقص بضع شعرات من مقدمة الرأس، راغباً بذلك عن سنة رسولك الحبيب. |
|
10. بعد الفراغ من السعي والطواف رجعتَ إلى منى لتبيت فيها أيام التشريع،
وترمي الجمار أيام التشريق متعجلاً كنت أم متأخراً، والتأخر أفضل. |
10. بعد الفراغ من السعي والطواف اتجهتَ مباشرة إلى المطار، حتى تضحي مع
أولادك، تاركاً المبيت بمنى، ورمي الجمار أيام التشريق، وطواف الوداع،
وكلها واجبات في أرجح قولي العلماء. |
|
11. رخص بعض الأئمة للمرأة أن تخرج لحجة الإسلام فقط مع الرفقة المأمونة، وهو
قول مرجوح. |
11. الترخيص للمرأة أن تحج وتعتمر تطوعاً مع الرفقة متى شاءت، لا حرج عليها
في ذلك كما زعم البعض. |
|
12. رخص الشارع في تقديم وتأخير بعض أعمال يوم النحر، وكان يقول إذا سئل عن
ذلك: "لا حرج".
|
12. تعميم "لا حرج" على كثير من ترك الواجبات والسنن، بغية التسهيل، مستخفاً
بما قاله البشير النذير. |
بداية الصفحة
لكل من هاتين الطريقتين دعاة ومناصرون ومجادلون، ولكن الحق عند الله تعالى واحد لا
يتعدد، وكل مجتهد مأجور إن كان أهلاً للاجتهاد، وليس متطفلاً عليه، وليس كل مجتهد
مصيب، والحق يعرف بالدليل وليس بالرجال وكثرتهم، إذ لم يتعبدنا ربنا باختلافات
العلماء.
واعلم أخي الحبيب أن الجماعة المعتبرة هي ما وافق الحق ولو كان عالماً واحداً كما
قال الحبر الرباني والعالم المتفاني ابن مسعود رضي الله عنه.
قال عمرو بن ميمون الأودي: "صحبت معاذاً باليمن، فما فارقته حتى واريته التراب
بالشام، ثم صحبت بعده أفقه الناس عبد الله بن مسعود، فسمعته يقول: عليكم بالجماعة
فإن يد الله على الجماعة. ثم سمعته يوماً من الأيام وهو يقول: سيلي عليكم ولاة
يؤخرون الصلاة عن مواقيتها، فصلوا الصلاة لميقاتها فهي الفريضة، وصل معهم فإنها لك
نافلة. قلت: يا أصحاب محمد، ما أدري ما تحدثون! قال: وما ذاك؟ قلتُ: تأمرني
بالجماعة وتحضني عليها، ثم تقول لي: صلِّ الصلاة وحدك وهي الفريضة، وصلِّ مع
الجماعة فهي نافلة؟! قال: يا عمرو بن ميمون، قد كنتُ أظنك من أفقه أهل هذه القرية،
تدري ما الجماعة؟ قلت: لا. قال: إن جمهور الناس فارقوا الجماعة، وإن الجماعة ما
وافق الحق وإن كنتَ وحدك".
وفي رواية: "فقال ابن مسعود، وضرب على فخذي: ويحك إن جمهور الناس فارقوا الجماعة،
وإن الجماعة ما وافق طاعة الله تعالى".
قال نعيم بن حماد: "يعني إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن
تفسد، وإن كنتَ وحدك، فإنك أنت الجماعة حينئذ".4
وأخيراً أود أن أتوجه بهذه الأسئلة لإخواننا المسئولين عن الحج ولغيرهم:
1. أينا المبدل، الذي ينادي باتباع الدليل وما عليه عامة أهل العلم، وينهى عن
الشذوذ، أم من يتبع سقطات العلماء وزلاتهم وهفواتهم وسقطاتهم؟!!
2 أينا المتشدد، الذي ينادي بالتقيد بالمواقيت التي حدها صاحب الشريعة لهذه
المناسك، نحو رمي الجمار، ومن تعذر عليه ذلك رخص له أن يجمع بينها وبين اليوم
التالي بدلاً من أن يرمي قبل دخول وقتها، أم الذي يرخص في الرمي قبل موعده الذي
حدده صاحب الشريعة؟
3. أي الحجين متقبل، الذي يتبع فيه الحاج صاحب الشرع، أم الذي يقلد فيه الحاج
الأقوال الشاذة والرخص والهفوات؟
واحذر أخي المسلم، مسئولا كنت في إدارة الحج أم لا من الغرور، ومن سلوك أئمة الكفر
والفجور: "مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ
الرَّشَادِ"5،
"إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأرْضِ
الْفَسَادَ"6.
وليحذر المشرفون على الحج أن يلزموا الحجاج بما لم يلزمهم به ربهم ورسولهم، أوأن
يضيقوا عليهم في مسائل الفروع المختلف فيها اختلاف تنوع، فكيف بإلزامهم أوتوجيههم
وإرشادهم إلى الزلات والهفوات والسقطات، وإن صدرت من علماء أخيار أجلاء.
أوأن يحجروا عليهم ويمنعوهم أويحولوا بينهم وبين بعض الكتيبات التي فيها بعض ما
يخالف هواهم، وإن كان هو الحق والراجح، فهذا من الظلم البين، ومن استغلال النفوذ
البغيض، وغمط الحق المشين.
والله أسأل أن يردنا إليه رداً جميلاً، وأن يتجاوز عنا جميعاً، وأن يتقبل حج الحجاج
والمعتمرين، ويردهم سالمين غانمين كيوم ولدتهم أمهاتهم، وصلى الله وسلم على رسولنا
الأمين، وعلى آله وصحبه والتابعين.
بداية الصفحة
|