|
|
||
ألا إن للجاه والمروءات زكاة: الشفاعة الحسنة وقضاء الحاجاتالأمر بالشفاعة الحسنة وقضاء حوائج الناس والحض على ذلك الأمر بالشفاعة الحسنة وقضاء حوائج الناس والحض على ذلك أقوال العلماء في الترغيب في الشفاعة الحسنة وفي قضاء الحاجات واصطناع المعروف مجالات الشفاعة الحسنة واصطناع المعروف إلى الخلق الشافع مأجور قبلت شفاعته أم لم تقبل ليس أحد من الخلق أدى زكاة جاهه في الدنيا وسيؤديها في الآخرة مثل رسولنا صلى الله عليه وسلم
أصحاب المروءات الوافرة، والهمم العالية، والقلوب السليمة الرحيمة، والنفوس الأبية الكريمة، لم يقصروا اهتمامهم وعنايتهم بأنفسهم ومن يعولون، بله ولا بالأقارب دون الأباعد. بل شُغلت قلوبُهم بحاجات الآخرين، وحملت نفوسهم هموم الفقراء والمساكين، وتعبت أجسادهم في مواساة ورفع الضيم والظلم عن الضعفاء والمغمورين. لسان حالهم ما قاله الشاعر العربي: فلا هطلت عليَّ ولا بـــأرضي سحائب ليس تنتظم البــــلادا وصدق عليهم قول الآخر: قوم إذا حاربوا ضروا عدوهـم أوحاولوا النفع في أشياعهم نفعوا سجية تلك منهم غير محــدثة إن الخلائق فاعلم شرهــا البدع إن كان في الناس سباقون بعدهم فكل سبق لأدنى سبقهـــم تبع لا يرفع الناسُ ما أوهت أكفهـم عند الدفاع ولا يوهون ما رفعـوا على العكس والنقيض من هؤلاء – وبضدها تتميز الأشياء – أولئك أصحاب الهمم الواطية، والقلوب القاسية، والنفوس اللئيمة، التي قصرت همها وحصرته فيما يخصها دون من سواها، حجبتها الأثرة والأنانية عن حاجات الآخرين، وعمتها عن الاشتغال والاهتمام بتنفيس كرب المكروبين، وصدق الرسول المصطفى والحبيب المجتبى حين قال: "الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا"1، و"إنما الناس كإبل مائة، لا تجد فيها راحلة"، منهم من إذا غاب لم يفقد، وإذا حضر لم يَخفِض ولم يَرْفع، وإذا مات لم يذكر بخير. اعلم أخي الحبيب، كما أن في المال زكاة، وفي العلم زكاة وهي بذله للمتعلمين، وللجسد3 زكاة، فإن للجاه والمروءات زكاة وصدقات، وحقوقاً وواجبات، وهي بذلها لمن يحتاج إليها، ينبغي أن يرعاها أرباب الجاه والمروءات، وأن يؤدوها حق الأداء. أما بعد.. فهذا بحث عن زكاة الجاه والمروءات، متمثلاً في الشفاعة الحسنة، والسعي في قضاء الحاجات، وتنفيس الكربات، ورد الظلامات، في تعريف الشفاعة والوساطة الحسنة، وفي الأمر بها وفضلها، مع إيراد نماذج لمن قاموا بهذا الواجب، وأدوه، ورفعوا الإثم والحرج عن مجتمعاتهم، والإشارة والتنبيه إلى أنه لم يوجد أحد في الوجود أدى زكاة جاهه كما أداها رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى آله، وصحبه، ومن اقتفى أثرهم وسار على طريقهم إلى يوم يبعثون. فنقول وبالله التوفيق: لغة الشفاعة من الشَّفْع، وهو الزوج في العدد، ومنه الشفيع، لأنه يصير مع صاحب الحاجة شفعاً. اصطلاحاً قال الجرجاني5: هي السؤال في التجاوز عن الذنوب من الذي وقع الجناية في حقه. وقال القرطبي: فالشفاعة إذاً ضم غيرك إلى جاهك ووسيلتك، فهي في التحقيق: إظهار لمنزلة الشفيع عند المشفِّع، وإيصال المنفعة للمشفوع له. وقال ابن عاشور6: الشفاعة الوساطة في إيصال خير أودفع شر، سواء كانت بطلب من المنتفع أم لا. تنقسم الشفاعة في الدنيا إلى قسمين: 1. شفاعة حسنة، وهي المطلوبة والمأمور بها، وهي التعاون على البر والتقوى. 2. وشفاعة سيئة، وهي المنهي والمحذر منها، وهي التعاون على الإثم والعدوان. دليل ذلك قوله تعالى: "مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا"7. ذكر القرطبي في تفسيرها أقوالاً لأهل التأويل في المراد بالشفاعة الحسنة والسيئة، ملخصها8: 1. هي في شفاعات الناس بينهم في حوائجهم، فمن يشفع لينفع فله نصيب، ومن يشفع ليضر فله كفل – أي وزر. 2. الحسنة في البر والطاعة، والسيئة في المعاصي. 3. وقيل المراد بالحسنة الدعاء للمسلمين، وبالسيئة الدعاء عليهم. 4. من يكن شفعاً لصاحبه في الجهاد يكن له نصيبه من الأجر، ومن يكن له شفعاً لآخر في باطل يكن له نصيبه من الوزر. 5. وعن الحسن: الحسنة ما يجوز في الدين، والسيئة ما لا يجوز فيه. وقال عن قول الحسن هذا: إنه جامع. هذه الأقوال متقاربة، والآية تسعها جميعاً، لكن الراجح القول الأول، أن الآية نزلت في الشفاعات بين الناس. قال النووي: (والجمهور على أنها هذه الشفاعة المعروفة، وهي شفاعة الناس بعضهم في بعض).9 وقال ابن كثير: (نزلت هذه الآية في شفاعات الناس بعضهم لبعض).10 الأمر بالشفاعة الحسنة وقضاء حوائج الناس والحض على ذلك لقد أمر الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم الأمة بالشفاعات الحسنة، ورتبا على ذلك الأجر والمثوبة، وحذرا من الشفاعات السيئة. من القرآن
ومن السنة
الآثار17 الآثار التي تحض على الشفاعة الحسنة وعلى السعي في قضاء حوائج الناس لا تحصى كثرة، نذكر منها ما تيسر:
أقوال العلماء في الترغيب في الشفاعة الحسنة وفي قضاء الحاجات واصطناع المعروف قال ابن حجر الهيثمي في شرح الأربعين: (فعلم عظيم فضل قضاء حوائج المسلمين، ونفعهم بما تيسر من علم، أومال، أوجاه، أوإشارة، أونصح، أودلالة على خير، أوإعانة بنفسه، أوسفارة ووساطة، أوشفاعته، أودعائه بظهر الغيب، ومما يعلمك بعظيم الفضل في هذا وما بعده أن الخلق عيال الله، وتنفيس الكرب إحسان إليهم، والعادة أن السيد والمالك يحب الإحسان لعياله وحاشيته). وقال البيجاني رحمه الله: (وإذا أراد الله بعبد خيراً جعل قضاء الحوائج على يديه، وفي الناس موفقون لا يدخلون في شيء إلا أصلحوه، وإذا تناولوه أتقنوه، وإذا شفعوا شفعوا، وإذا سعوا في حاجة قضوها. أولئك هم الميسَّرون لما خلقوا له، وبفضل مساعيهم، وحسن نياتهم تقضى الحوائج بلا عناء، ومن استعان بهم بعد الله تعالى وجد عندهم الفرج بعد الشدة، والمخرج الواسع بعد الضيق).21 وقال الإمام النووي: (اعلم أنه تستحب الشفاعة إلى ولاة الأمر وغيرهم من أصحاب الحقوق والمستوفين لها ما لم تكن شفاعة في حد، أوشفاعة في أمر لا يجوز تركه كالشفاعة إلى ناظر على طفل، أومجنون، أووقف، أونحو ذلك، في ترك بعض الحقوق التي في ولايته، فهذه كلها شفاعات محرمة تحرم على الشفاع، ويحرم على المشفوع إليه قبولها، ويحرم على غيرهما السعي فيها إذا علمها).22 مجالات الشفاعة الحسنة واصطناع المعروف إلى الخلق مجالات الشفاعة الحسنة وإسداء المعروف إلى العباد كثيرة ومتنوعة، وتختلف باختلاف حاجاتهم، وسنشير في هذه العجالة إلى أهم تلك المجالات، فكل ميسر لما خلق له. من تلك المجالات: 1. رفع حاجة من لا يستطيع رفعها إلى الحكام والمسؤولين: وما أكثر من لا يستطيع رفع حاجته إلى المسؤولين، بل أغلب الخلق محجوبون عن ذلك. وهذا من أوجب واجبات الوزراء، والمستشارين، والعلماء الداخلين عليهم، وإلا فما فائدة دخول العلماء إن لم يشفعوا في الضعفاء ويرفعوا حاجاتهم إلى من يدخلون عليهم؟ كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري: "أنه لم يزل للناس وجوه يرفعون حوائج الناس، فأكرم وجوه الناس، فبحسب المسلم الضعيف من العدل أن ينصف في العدل والقسمة".23 2. تزكية من يحتاج إلى تزكية: سيما من يود الالتحاق بالجامعات والمعاهد الدينية، ممن تقبل تزكيتهم وشفاعتهم لدى الجهة المعنية. 3. تعليم الجاهل وإرشاد الضال: فيجب على العلماء أن يبذلوه على من سأله ورغب فيه، بل يجب أن يطرح عليهم قبل السؤال. 4. نصح المستشارين وتوجيههم إلى ما فيه خيرهم في دينهم ودنياهم، فالمستشار مؤتمن. 5. الشفاعة في المرضى من الأقارب، والجيران، والطلاب الغرباء الوافدين، وهذا من شأن الأطباء ومن له منزلة عندهم. 6. المرافعة عن المظلومين المعدمين لدى المحاكم: وهذا من شأن المحامين ولمن له جاه ومنزلة عند من ظلمهم. لم يغفل عن هذا الأخيار من مشركي العرب في جاهليتهم، فكيف بالمسلمين؟! فهم أحق بذلك وأولى، سيما في هذا العصر الذي فشا فيه الظلم وانحسر فيه العدل. روى الحافظ ابن كثير في السيرة النبوية24 عن ابن عيينة عن عبد الله عن محمد وعبد الرحمن ابني أبي بكر قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد شهدت في دار عبد الله بن جُدعان حلفاً لو دعيت به في الإسلام لأجبت، تحالفوا أن يردوا الفضول على أهلها، وألا يعزَّ25 ظالم مظلوماً". وقال: وكان هذا الحلف قبل المبعث بعشرين. وكان حلف الفضول أكرم حلف سُمِع به وأشرفه في العرب، وكان أول من تكلم به ودعا إليه الزبير بن عبد المطلب، وكان سببه أن رجلاً من زبيد قدم مكة ببضاعة فاشتراها منه العاص بن وائل، فحبس عنه حقه، فاستعدى عليه الزبيدي الأحلاف؛ عبد الدار، ومخزوماً، وجمحاً، وسهماً، وعدي بن كعب، فأبوا أن يعينوا على العاص بن وائل، وزبروه – أي انتهروه – فلما رأى الزبيدي الشر أوفى على أبي قيس عند طلوع الشمس، وقريش في أنديتهم حول الكعبة، فنادى بأعلى صوته: يا آل فهر لمظلوم بضــاعته ببطن مكة نائي الدار والنفــر ومحرم أشعثٍ لم يقض عمرته يا للرجال وبين الحِجْر والحَجَر إن الحرام لمن تمت كـرامته ولا حرام لثوب الفاجر الغـدَر فقام في ذلك الزبير بن عبد المطلب، وقال: ما لهذا مترك. فاجتمعت هاشم، وزهرة، وتيم بن مرة في دار عبد الله بن جُدْعان، فصنع لهم طعاماً فتحالفوا في ذي القعدة في شهر حرام، فتعاقدوا وتعاهدوا بالله ليكونن يداً واحدة مع المظلوم على الظالم حتى يؤدى إليه حقه. فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول، وقالوا: لقد دخل هؤلاء في فضل من الأمر، ثم مشوا إلى العاص بن وائل، فانتزعوا منه سلعة الزبيدي فباعوها إليه. وقال الزبير بن عبد المطلب في ذلك: حلفتُ لنعقدت حلفــاً عليهم وإن كنا جميعـــاً أهل دار ويعلم من حَـوَالِي البيت أنا أباة الضيم نمنـــع كل عار 7. تفقد حال المحرومين الذين لا يسألون الناس إلحافاً، ومد يد العون لهم بما تيسر، وتذكر أخي المسلم نصيحة رسولك صلى الله عليه وسلم لنساء المسلمين: "يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فِرَسن شاة"26، والفِرسن من البعير كالحافر من الدابة. وقال صلى الله عليه وسلم: "لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق".27 فمن استحى من بذل اليسير وقع في ما هو شر منه، وهو المنع. 8. من له جاه ومنزلة لدى المسؤولين عن توزيع الزكوات، أوبعض الموسرين، فليسع للحصول على قدر من ذلك لتوزيعها على المحرومين العفيفين من الفقراء، سيما طلاب العلم الشرعي. 9. الشفاعة للإصلاح بين الأزواج من الأهل ولمن له مكان عندهم، وهي من أفضل أنواع الشفاعات، فقد شفع في ذلك سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم. 10. الشفاعة للمعسرين لدى الغرماء. وكما قلت، فطرق وسبل الشفاعات الحسنة كثيرة ومتنوعة، وكل ميسر لما خلق له، وينبغي على كل من له جاه أن يؤدي زكاة هذا الجاه، وألا يبخل على إخوانه المسلمين بذلك، وعليه أن لا يتضايق، وليكن له في رسول هذه الأمة وسلفها الصالح الأسوة الحسنة. قال العلامة ابن القيم رحمه الله وهو يعدد أنواع الجود: (الخامسة: الجود بالنفع والجاه، كالشفاعة، والمشي مع الرجل إلى ذي سلطان ونحوه، وذلك زكاة الجاه المطالب بها العبد، كما أن التعليم وبذل العلم زكاة).28 الشفاعة الحسنة مشروعة ومحمودة ومرغوب فيها، وحكمها في الجملة الندب، وقيل فرض كفاية، وقد تصل إلى درجة الوجوب في بعض الحالات، على من تعينت عليه. ودليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "اشفعوا تؤجروا" الحديث. قال المناوي في شرح هذا الحديث: (وهذا من مكارم أخلاق المصطفى صلى الله عليه وسلم، ليصلحوا جناح السائل، وطالب الحاجة، وهو تخلق بأخلاقه تعالى، حيث يقول لنبيه: اشفع تشفع، وإذا أمر بالشفاعة عنده مع استغنائه عنها لأنه عنده شافعاً من نفسه وباعثاً من وجوده، فالشفاعة عند غيره مما يحتاج إلى تحريك داعية للخير أولى، وفيه حث على الشفاعة، ودلالة على عظم ثوابها، والأمر للندب، وربما يعرض له ما يصير الشفاعة واجبة).29 الشافع مأجور قبلت شفاعته أم لم تقبل على الشافع أن يحسن نيته، ويبتغي بذلك الأجر والثواب من رب الأرباب، وليتأسى بمن مدحهم الله بقوله: "إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا"30. فالأعمال بالنيات، فبقدر صدق المرء وإخلاصه واتباعه للسنة، وبقدر نصبه وعنائه في أي أمر من الأمور الحسنة، يكون أجره وثوابه، فكذلك الأمر للشافع. ومما يدل على أن الشافع مأجور إن سعى في سبيل الخير، وخلصت نيته، وطهرت سريرته، قبلت شفاعته أم ردت، قوله تعالى: "مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا"، لأنه قال: "مَّن يَشْفَعْ"، ولم يقل: "من يُشفَّع"، وكذلك الأمر للساعي في الشفاعة السيئة، فهو مأزور قبلت شفاعته أم ردت، إلا أن يلطف به ربه. قال القرطبي رحمه الله: (والشافع يؤجر فيما يجوز، وإن لم يشفَّع، لأنه تعالى قال: "مَّن يَشْفَعْ"، ولم يقل: "من يُشفَّع").31 سنورد عدداً يسيراً من النماذج الطيبة والمساعي الحميدة من الشفاعات الحسنة، والسعي لإيصال الخير إلى الضعفاء والمحتاجين وإزالة الضر عنهم، بجانب ما مر منها لسيد الشفعاء المشفعين محمد صلى الله عليه وسلم، وبعض الصحابة، ومن تبعهم بإحسان من سلف هذه الأمة، لعل الله ينفع بها ويجعلها حافزاً ودافعاً لنا ولمن اطلع عليها، من باب الذكرى التي تنفع المؤمنين، وتنبه الغافلين، وتنشط الكسالى، وتزجر المثبطين. 1. شفاعته صلى الله عليه وسلم لزوج بريرة: عن ابن عباس رضي الله عنهما في قصة بريرة وزوجها32 قال: "قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: لو راجعتِه؟ قالت: يا رسول الله، تأمرني؟ قال: إنما أشفع. قالت: لا حاجة لي فيه".33 2. شفاعته صلى الله عليه وسلم لجابر بن عبد الله ليوضع عنه من الدَّيْن: خَرَّج البخاري في صحيحه بسنده عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: "أصيب عبد الله34، وترك عيالاً وديناً، فطلبت إلى أصحاب الدين أن يضعوا بعضاً من دينه فأبوا، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فاستشفعت به عليهم، فأبوا. فقال: صَنِّف تمرك كل شيء منه على حدته، عذب بن زيد على حدة، واللين على حدة، والعجوة على حدة، ثم أحضرهم حتى آتيك. ففعلت، ثم جاء صلى الله عليه وسلم فقعد عليه، وكال لكل رجل حتى استوفى، وبقي التمر كما هو كأنه لم يمس".35 أبى أصحاب الدين أن يضعوا من الدين وأن يقبلوا شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم لأنهم كانوا يهوداً. 3. عن عائشة رضي الله عنها قالت: "سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوت خصوم عالية أصواتهما، وإذا أحدهما يستوضع36 الآخر ويسترفقه37 في شيء، وهو يقول: والله لا أفعل. فخرج عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أين المتألي على الله لا يفعل المعروف؟ فقال: أنا يا رسول الله، فله أي ذلك أحب".38 4. وعن سهل بن سعد الساعدي: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه أن بني عمرو بن عوف كان بينهم شر، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلح بينهم في أناس معه، فحبس39 رسول الله صلى الله عليه وسلم وحانت الصلاة، فجاء بلال إلى أبي بكر، فقال: يا أبا بكر، إن رسول الله قد حبس، وحانت الصلاة، فهل لك أن تؤم الناس؟ قال: نعم، إن شئت.." الحديث.40 5. شفاعة العباس بن عبد المطلب عند رسول الله لزوج بريرة: قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (وعند سعيد بن منصور عن هشيم قال: أنبأنا خالد الحذاء نسنده أن العباس كلم النبي صلى الله عليه وسلم أن يطلب إليها في ذلك).41 6. الحر بن قيس يشفع لعمه عيينة بن حصن في الدخول على عمر، رضي الله عنهم جميعاً: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم عيينة بن حصن42 فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر رضي الله عنه، وكان القراء أصحاب مجلس عمر رضي الله عنه ومشاورته، كهولاً كانوا أوشباباً، فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي، لك وجه عند هذا الأمير، فاستأذن لي عليه، فاستأذن فأذن له عمر، فلما دخل قال: هي43 يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجَزْل44، ولا تحكم فينا بالعدل. فغضب عمر رضي الله عنه حتى هَمَّ أن يوقع به، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: "خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ"45، وإن هذا من الجاهلين. والله ما جاوزها عمر حين تلاها، وكان وقافاً عند كتاب الله".46 7. عن الأصمعي قال: حدثنا زرير العُطاردي قال: "صلى بنا أبو رجاء العطاردي47 العتمة ثم أوى إلى فراشه، فأتته امرأة فقالت: يا أبا رجاء، إن لطارق الليل حقاً، وإن بني فلان خرجوا إلى سفوان – على قدر مرحلة من باب المربد بالبصرة وبه ماء – وتركوا كتبهم وشيئاً من متاعهم. فانتعل أبو رجاء وأخذ الكتب، وأداها، وصلى بنا الفجر، وهو مسيرة ليلة بالإبل، والناس يقولون: إنها أربعة فراسخ".48 8. ذكر أن الحسن بن سهل49 جاءه رجل يستشفعه في حاجة فقضاها، فأقبل الرجل يشكره، فقال له الحسن: "علام تشكرنا، ونحن نرى أن للجاه زكاة كما أن للمال زكاة". وفي لفظ: "ونحن نرى كتب الشفاعات زكاة مروءتنا"، ثم أنشأ يقول: فرضت عليَّ زكاةُ مما ملكت يدي وزكاة جاهي أن أعين وأشفعا فإذا ملكت فجد وإن لم تستطــع فاجهــد بوسعك كله أن تنفعا ليس أحد من الخلق أدى زكاة جاهه في الدنيا وسيؤديها في الآخرة مثل رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم ليس أحد في هذا الوجود من الأنبياء والمرسلين ومن دونهم أدى زكاة جاهه ومروءاته مثل ما أداها رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم في الدنيا، وسيؤديها كما أخبر في الآخرة، ويتمثل ذلك في الآتي:
قال الحافظ ابن كثير: (وهذا لعلمها بما أجرى الله به جميل العوائد في خلقه، أن من كان متصفاً بصفات الخير لا يُخزى في الدنيا ولا في الآخرة).50 ثم عللت ذلك قائلة: "إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكَلَّ51، وتُكْسِبُ المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق"، وفي رواية: "الخير".52 يا أصحاب الجاه، أبشروا أن جعلكم الله واسطة بينه وبين خلقه، فأحسنوا هذه الوساطة. يا أصحاب الجاه، افتحوا قلوبكم، ووسعوا صدوركم لأصحاب الحاجات، قبل أن تفتحوا بيوتكم، ومكاتبكم، وجوالاتكم. يا أصحاب الجاه، احذروا الضيق والضجر بطالبي الشفاعات. يا أصحاب الجاه لا تغبنوا أنفسكم، فهذه النعمة - نعمة الجاه - مغبون فيها كثير من الناس، كغيرها من نعم الله الكثيرة والآلاء العديدة. يا أصحاب الجاه وأهل المروءات، لا تحقروا معروفكم، لعل الله يقضي بكلمة تقولونها، أورسالة تكتبونها، أومحادثة تفتحونها، أوبخطوة تمشونها حاجات كثيرة، ويحل عقداً، ويرد مظلمة، ويصلح أسرة، ويؤلف بين متخاصمين، ويضع عن المدينين. يا أصحاب الجاه تأسوا برسولكم، وأهل بيته الكرام، والسلف العظام، فقد كانوا يفرحون ويسرون بمجيء ذوي الحاجات إليهم، ويسعون في قضائها بنفس أبية، وأخلاق رضية. اعلموا يا أصحاب المروءات أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، وأن ما عند الله خير وأبقى. ورحم الله الحطيئة حين قال: من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس يا أصحاب الجاه، هذا سبب ساقه الله إليكم، وطريق ذللـه لكم، فاسلكوه غير خائفين ولا مترددين. يا أصحاب الجاه، كرروا الشفاعات، وألحوا في قضاء الحاجات، ولا تيأسوا إن ردت شفاعاتكم، فأنتم مأجورون في كل الأحوال إذا صلحت نياتكم وابتغيتم بهذا وجه الله، قبلت شفاعاتكم أم ردت. اللهم اجعلنا مفاتيح للخير، مغاليق للشر، اللهم يسرنا لليسرى، وانفعنا بالذكرى، سلماً لأوليائك، حرباً على أعدائك، شفعاء لضعفاء خلقك. والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أكمل الخلق أجمعين، وعلى آله وأصحابه الأسخياء المحسنين، وعنا معهم بفضلك وإحسانك ورحمتك يا أرحم الراحمين.
|
||