|
|
||
عرفة ما عرفه المصلون، ووقف في يومه الواقفون في الموسم
ما كان المرء يتوقع أن تصل درجة الاختلاف عند بعض المسلمين حتى يختلفوا في يوم عرفة ويوم العيد الأكبر، فيكون هناك أكثر من يوم لعرفة، سوى اليوم الذي يقف فيه الحجيج على صعيد عرفة، وأكثر من يوم سوى يوم الحج الأكبر. ولكن كما قال صلى الله عليه وسلم: "وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين.. وإياكم ومحدثات الأمور"1 الحديث. متكأ الذاهبون إلى هذا القول الشاذ شبهتان2، هما: 1. قياس عرفة على ثبوت هلال رمضان وشوال، حيث ذهب بعض أهل العلم إلى أن لكل أهل بلد مطلعه، ومن ثم يختلف الناس في بدء صيامهم وفي عيد الفطر، لأثر ابن عباس رضي الله عنهما الذي رواه عنه كريب، وقد ذهب إلى ذلك الشافعي ومن وافقه، وذهب الجمهور إلى أن هلال رمضان وعيد الفطر إذا ثبت في بلد من بلاد المسلمين برؤية مستفيضة أوبرؤية عدل في هلال رمضان وعدلين في هلال شوال، صام المسلمون وعيدوا بذلك، لما في ذلك من مظهر الاجتماع والوحدة، بجانب أن المسافة بين غروب الشمس في أقصى بلد في الشرق وأقصاه في الغرب أقل من أربع وعشرين ساعة. هذا قياس مع الفارق، فثبوت بدء الصيام وانتهائه يختلف عن ثبوت عرفة، لأنه قياس شيء مختلف عليه على شيء له حظ من الشرع والنظر. 2. ما نقل عن سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه وقف بعرفة في غير اليوم الذي وقف فيه الحاج. فعن عمر بن محمد قال: "شهد نفر أنهم رأوا هلال ذي الحجة، فذهب بهم سالم إلى والي الحجاج وهو ابن هشام، فأبى أن يجيز شهادتهم، فوقف سالم بعرفة لوقت شهادتهم، فلما كان اليوم الثاني وقف مع الناس".3 أما ما أثر عن سالم بن عبد الله رحمه الله، فليس فيه حجة، لعدة أسباب هي: 1. عدم التأكد من ثبوته وصحته عنه. 2. إن ثبت عنه فهو مخالف لإجماع أهل العلم قديماً وحديثاً. 3. لعل رد شهادة من شهدوا عند سالم عند والي الحجاج من الأمور الكيدية، ووقوف سالم بعرفة وكان حاجاً من باب الحيطة. 4. وقوفه مع الجماعة في اليوم التالي بعرفة يدل على عدم اعتداده بوقوفه منفرداً. يثبت يوم عرفة باجتماع شيئين: 1. ثبوت هلال ذي الحجة برؤية مستفيضة، أوبرؤية عدل أوعدلين، حسب الاختلاف الوارد في ذلك. 2. وقوف الحاج فيه. فإذا ثبت الهلال عند البعض ولم يقف أمير الموسم كما فعل ابن هشام فليس هذا يوم عرفة. وإن وقف واقف من غير تثبت من رؤية هلال ذي الحجة فليس هذا يوم عرفة كذلك. وضح من ذلك أن اليوم الذي ورد فضل صومه لغير الحاج أنه يكفر السنة الماضية والباقية أنه اليوم الذي يقف فيه الحاج، وهو يوم واحد لا يتعدد، وكذلك يوم الحج الأكبر، يوم عيد الأضحى، هو اليوم الذي يلي يوم عرفة. 1. عن أبي هريرة رضي الله عنه يرفعه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون".4 فالوقوف بعرفة، وصوم رمضان، وصوم يوم عرفة وعاشوراء، هذه كلها عبادات جماعية لا فردية. قال الترمذي معلقاً على الحديث هذا: (فسر بعض أهل العلم هذا الحديث، فقال: إنما معنى هذا أن الصوم والفطر مع الجماعة وعظم الناس).5 2. روى أبو داود والبيهقي عن عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يوم عرفة اليوم الذي يعرفه الناس فيه".6 وروي مرفوعاً، والصحيح وقفه على عائشة كما قال مؤلف7: "عرفة يوم يعرِّف الإمام، والأضحى يوم يضحي الإمام، والفطر يوم يفطر الإمام".8 3. وقال ابن جريج: "قلت لعطاء: رجل حج أول ما حج فأخطأ يوم النحر، أيجزئ عنه؟ قال: نعم، أي لعمري أنها تجزئ"، ثم ذكر الحديث السابق. قال ابن عبد البر في التمهيد9: (قد أجمعوا على أن الجماعة لو أخطأت الهلال في ذي الحجة، فوقفت بعرفة في اليوم العاشر أن ذلك يجزيها، فكذلك الفطر والأضحى). قال الشعبي والنخعي كما نقل عنهم ابن عبد البر في المصدر السابق: (قال الشعبي والنخعي: لا يصوم أحد إلا مع الجماعة. وقال الحسن: يفعل الناس ما يفعل إمامهم). وقال الخطابي: (أن الخطأ مرفوع عن الناس فيما كان سبيله الاجتهاد، فلو أن قوماً اجتهدوا فلم يروا الهلال إلا بعد ثلاثين، فلم يفطروا حتى استوفوا العدد، ثم ثبت عندهم أن الشهر كان تسعاً وعشرين، فلا شيء عليهم من وزر أوعتب.. وكذلك الحجيج إذا أخطأوا يوم عرفة فوقفوا يوم العاشر صح حجهم). عن مسروق أنه دخل هو ورجل على عائشة يوم عرفة، فقالت عائشة: "يا جارية، خوضي لهما سويقاً وحليه، فلولا أني صائمة لذقته". قال: أتصومين يا أم المؤمنين، ولا تدرين لعله يوم النحر؟ فقالت: "إنما النحر إذا نحر الإمام، وعظم الناس، والفطر إذا أفطر الإمام وعظم الناس".10 أن يوم عرفة هو اليوم الذي يقف فيه الحاج بصعيد عرفة، وهذا هو اليوم الذي ورد في صيامه الفضل، وأن صومه يكفر السنة الماضية والباقية، وأنه يوم واحد غير متعدد، وكذلك عيد الأضحى هو الذي يلي هذا اليوم. على المسلمين أن يتقوا الله ويتجنبوا الشذوذ، ويحذروا الخلاف، وليعلموا أن صوم أحدهم لرمضان، ويوم عرفة، وعاشوراء، وعيدهم مع جماعة المسلمين أحب إلى الله عز وجل من انفرادهم بذلك، فالخير مع الجماعة، فإن يد الله على الجماعة، ومن شذ شذ في النار. هذا الدين شعاره الجماعة في الصلاة، وفي الحج، وفي الأعياد، وفي مواسم الخير كلها. هذا ما كان عليه سلف هذه الأمة الصالح، وسيظل عليه خلفها الفالح، ومن شذ وخالف فلا يضرن إلا نفسه. اللهم ألف بين قلوب المسلمين، واجمع شملهم، وجنبهم الفتن ما ظهر منها وما بطن، كما ألفت بين قلوب الصحب الكرام، ومننت عليهم وعلى رسولهم: "لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ"11. والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي الأعلى.
|
||