الديمقراطية صنم هذا العصر
ما هكذا تورد الإبل يا شيخ الددو
مخالفات
الديمقراطية، ومخاطرها على الإسلام والمسلمين
الدافع للتسويق للنظام الديمقراطي
لم ينقض تعجبنا من تسويق الصُّحفيين والوراقين للديمقراطية تقليداً للكفار
والعلمانيين، تبعاً لتسويق أئمة الكفر والطغيان لها وسط المسلمين في هذا العصر، حتى
فجعنا وفوجئنا بتسويق بعض الدعاة1
لها والتقليل من خطرها ومخالفاتها لشرعنا، وأنها مسألة هينة ليست أساسية، فكما أننا
نستورد من الكفار أجهزة الحاسوب، والجوالات، والسيارات، ونحوها، فما الذي يمنع من
استيرادنا لنظام الحكم والتشريع منهم!!
ساعتها تذكرت ما رواه2
الطبيب الأديب حسين الهراوي نقلاً عن الشيخ حمزة فتح الله: (أن أحد الفرنسيين زار
مصر في أوائل هذا القرن3،
وأخذ يفاوض أعلام الإسلام في فكرة توحيد الأديان، حتى لقي الشيخ حسن الطويل4
– أحد علماء الأزهر البارزين – وكان يتناول طعام الإفطار فولاً مدمساً وبصلاً
وخبزاً، وأخذ المبعوث الفرنسي يحدث الشيخ عن فكرته قائلاًً: إن الفروق بين الأديان
لا يتجاوز مسألة هينة، غير أساسية، وأن الغرض من الأديان هو الدعوة إلى الخير،
والنهي عن الشر؛ والشيخ ماضٍ في طعامه لا يكاد يلتفت إليه، فلما فرغ الفرنسي من
حديثه، وفرغ الشيخ من طعامه، وكرع من قلة ماء بجواره، لم يزد على أن قال: هل لك يا
خواجة في أكلة لذيذة من الفول المدمس؟ فانصرف الداعية الفرنسي خجلاً يجر أذيال
الفشل).
وذلك لأن التهوين من شأن "الديمقراطية" لا يقل خطراً من التهوين من دعوة خلط
الأديان، إذ الديمقراطية نظام لا ديني يقوم على أنقاض الإسلام، فهو نظام متكامل.
ومن العجيب الغريب اختزال د. الددو للديمقراطية التي ما سُوِّق لها إلا لتكون
بديلاً للتشريع الإسلامي، واستبداله بالدساتير والقوانين الوضعية عند الكفار، في
مسائل إجرائية، مَثَّل لها بنحو تنظيم حركة المرور، وتحديد بعض الأسعار، ومراقبة
الأسواق التي تقوم بها شُعَب صغيرة في المحليات، وإدارات المرور وغيرها.
وقد برر لذلك بأن "الديمقراطية" مجرد مصطلح، ولا مشاحة في المصطلحات، فيمكن أن
نستبدل الذي هو أدنى – الديمقراطية - بالذي هو خير – الشورى - من غير حرج.
وفي هذا الكلام نظر أي نظر، إذ هذه القاعدة ليست على علاتها، حيث يجوز أن تطلق على
المصطلحات التي ليس لها ظلال ولا آثار ولا تبعات، أما المصطلحات التي لها آثار
وتبعات وظلال ومعتقدات، مثل مصطلح "الديمقراطية"، فهذه مخالفة شرعية، وليست مجرد
مشاحة في إطلاق هذا على الشورى الإسلامية التي أمرنا بها ربنا في قوله:
"وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ"5،
والتي أمر بها رسوله المؤيد بالوحي: "وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ".6
إذا كان الله عز وجل نهى المؤمنين أن يتشبهوا بالكفار في المقال، والفعال،
والمظاهر، فكيف بتقليد الكفار والتشبه بهم في التشريعات؟ لقد عدد شيخ الإسلام ابن
تيمية رحمه الله الأمور التي أمرنا الشارع أن نخالف فيها الكفار من اليهود والنصارى
وغيرهم، حتى بلغت ثلاثة وستين.7
وأبلغ من هذا وذاك نهي الجيل الأول من المؤمنين عن مخاطبة الرسول صلى الله عليه
وسلم بـ"رَاعِنَا"، لما لها من الظلال السيئة والمقاصد الخبيثة عند اليهود، وأن
يقولوا "انظُرْنَا"، قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ
رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ْوَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ"8.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في بيان9
المراد من هذه الآية: (والغرض أن الله تعالى نهى المؤمنين عن مشابهة الكافرين قولاً
وفعلاً، فقال: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ.." الآية، وروى الإمام أحمد عن ابن
عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد
الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري،
ومن تشبه بقوم فهو منهم"10،
وروى أبو داود11:
"ومن تشبه بقوم فهو منهم"، ففيه دلالة على النهي الشديد، والتهديد والوعيد على
التشبه بالكفار في أقوالهم، وأفعالهم، ولباسهم، وأعيادهم، وعباداتهم، وغير ذلك من
أمورهم التي لم تشرع لنا ولم نقر عليها).
وقال الشيخ أحمد محمد شاكر12:
(فانظر إلى ما يفعل المسلمون – بل المنتسبون للإسلام – في عصرنا من التشبه بالكفار
في كل شيء، حتى ليريد الوقحاء من الكتاب أن يدخلوا شعائرهم أوما يشبهها في
عباداتنا، وحتى ضربوا على أنفسهم الذلة والصغار باصطناع تشريع أوربا الوثنية
الملحدة في قوانينهم الوضعية المجرمة الكافرة، أعاذنا الله من الفتن، وأعاد
للمسلمين عقولهم ودينهم).
أقول لو عذرنا الطهطاوي وخير الدين التونسي بعد عودتهما من البعثة المشؤومة من
فرنسا، وانبهارهما بزخارف الحضارة المادية الكافرة، حيث ناديا بوجوب13
الأخذ بالنظام الديمقراطي الغربي، فهل يعذر أحد من أمثال الدكتورين الفاضلين
القرضاوي والددو وغيرهما بعد الممارسات اللا أخلاقية ضد "الديمقراطية"، من رعاتها
في أمريكا، وفرنسا، وبريطانيا، وغيرها، المتمثلة في القضاء عليها في الجزائر،
وتركيا، وباكستان، وأفغانستان، وفلسطين، وغيرها، عندما اختارت الأغلبيات الساحقة
وجاءت بحكام لا يريدهم الكفار، وبعد التدخل السافر في الحرية الشخصية لمنع المسلمة
من الحجاب؟! وبعد الشروع في الحرب الصليبية على الدول الإسلامية، وغزو ديار الإسلام
داراً تلو الأخرى، كما هو كائن في أفغانستان، والعراق، وغيرهما؟ هذا بجانب تبني
المنظمات الدولية – مجلس الأمن والأمم المتحدة – لرعاية وحماية سياسة الغاب،
المتمثلة في البقاء للأقوى.
يقول الأستاذ محمد قطب حفظه الله: (أليس العقل الأوربي هو الذي يبيح لخمس دول من
الطغاة – التي تسمي نفسها "الدول العظمى"، أن تمتنع عن الرضوخ للحق البين إذا كان
على غير هواها عن طريق "الفيتو"، الذي يوقف كل عدل، ويحمي كل جبروت؟!).14
العاقل من اتعظ بغيره ولم ينسق وراء هذه الشعارات الجوفاء الكاذبة الفاجرة، وإذا
راج ذلك على السذج والمغفلين فلا يحل أن يروج على من له أدنى علم بشرعنا الحكيم.
بداية الصفحة
مخالفات
"الديمقراطية"، ومخاطرها على الإسلام والمسلمين
مخاطر التسويق "للديمقراطية" أكثر من أن يحاط بها في هذه العجالة، ولكن نشير إلى ما
يسره الله:
أولاً: استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير، ولو لم يكن في التسويق إليها إلا هذا
لكفى، لأن الرضا والتحاكم لهذا النظام بدلاً عن الإسلام ردة وانسلاخ عن دين الله،
شعر المسوقون بذلك أم لم يشعروا، مهما كانت مبرراتهم ومسوغاتهم: "فَلاَ وَرَبِّكَ
لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ
يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا"15.
ثانياً: في التسويق للنظام "الديمقراطي"، والتحاكم إليه، والرضا به، تضييع للأمانة
التي تحملها الإنسان: "إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ
وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا
وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا"16،
وهل هناك تضييع للأمانة أخطر وأكبر من تحكيم الكفار، والمنافقين، والفاسقين في مصير
الأمة – بالتشريع لها؟
قال صلى الله عليه وسلم للأعرابي الذي سأله عن الساعة قائلاً: متى الساعة؟ "إذا
ضيعت الأمانة فانتظر الساعة"، قال: كيف إضاعتها؟ قال: إذا أسند الأمر إلى غير أهله
فانتظر الساعة".17
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في شرحه لهذا الحديث ومناسبته لكتاب العلم: (ومناسبة
هذا المتن لكتاب العلم أن إسناد الأمر إلى غير أهله إنما يكون عند غلبة الجهل ورفع
العلم).18
ثالثاً: التسوية بين أهل الحل والعقد الذين يعلمون وبين رجل الشارع – الذين لا
يعلمون.
في الإسلام الأمر إذا كان فيه نص من قرآن أوصحيح السنة لا يجوز الاجتهاد فيه، وإن
لم يكن هناك نص رد إلى أولي الأمر وهم العلماء، قال تعالى: "وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى
الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ
يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ"19،
وقال: "فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ"20،
وقال: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ
وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ"21.
وأقر رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذاً عندما بعثه إلى اليمن معلماً وقال:
"اجتهدُ رأيي ولا آلو"22،
يعني إن لم يجد نصاً في كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أما في النظام
"الديمقراطي" الجائر الظالم فالجميع سواء، بل ربما كان حظ الجاهل أوفر من حظ
العالم، وقد تنبأ الرسول صلى الله عليه وسلم بحدوث هذا الخلل في آخر الزمان، وهو من
معجزاته الخبرية، حيث قال: "سيأتي على الناس سنوات خداعات، يصدق فيها الكاذب، ويكذب
فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة"، قيل:
وما الرويبضة؟ قال: "الرجل التافه يتكلم في أمر العامة".23
قال الشيخ الدكتور المقدم حفظه الله: (فمن مظاهر "الديمقراطية" تحكيم رجل الشارع في
قضايا الأمة المصيرية، في حين أن الإسلام يجعل الحكم في ذلك إلى أولي الأمر، أهل
الحل والعقد المؤهلين للنظر في هذه القضايا دون غيرهم).24
رابعاً: التمكين "للغثائية" الغوغائية التي ذمها الرسول صلى الله عليه وسلم.
من مخاطر النظام "الديمقراطي" التمكين للغثائية وتوسيع دائرتها، بالتسوية بين الذين
يعلمون والذين لا يعلمون، بين العقلاء والسفهاء، بين المصلحين والمفسدين، بين
المتقين والفجار، حتى تشمل بعض الدعاة والمنتسبين للعلم.
قال صلى الله عليه وسلم: "يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة على قصعتها"،
قالوا: أمن قلة نحن يومئذ؟ قال: "بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل!
ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوَهْن"، فقال
قائل: يا رسول الله، وما الوَهْن؟ قال: "حب الدنيا وكراهية الموت".25
قال الأستاذ محمد الراشد: (إن الغوغائية التي صنعتها الديمقراطية" الحديثة في
الشعوب يمكن أن تظهر بصورة أخرى في أوساط دعاة الإسلام إذا أسرفنا في الشورى،
ونحن.. نعيب الاستبداد والفردية، ولكن الشيء إذا تجاوز حده آذى).26
لقد ذقنا وذاق غيرنا الأمرين في الحركة الإسلامية من قَبْلُ من هذا الأسلوب التعيس
الظالم، حيث كانت الأمور الشرعية المجمع عليها تسقط وترد بسبب هذه الغوغائية،
فالحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به غيرنا.
خامساً: التسويق والدعوة لمثل هذه الأفكار المخالفة للشرع أخطر من قولها واعتناقها،
سيما من الدعاة والمنتسبين إلى العلم الشرعي، لما في ذلك من التدليس والتلبيس على
الشباب، ويزداد الأمر خطورة وضرراً إذا بث ذلك في وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة
والمشاهدة.
ولهذا لا يصلح الارتجال، والاستعجال، والحكم، والتقرير في مثل هذه الأمور.
لله در عبد الرحمن بن عوف عندما قال ناصحاً لأمير المؤمنين عمر رضي الله عنهما،
عندما أراد أن يتحدث في موسم الحج عن السقيفة: "لا تفعل! فإن الموسم يجمع رعاع
الناس وغوغاءهم، فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أن
تقوم فتقول مقالة يطيِّرُها عنك كل مُطير، وألا يعوها، ولا يضعوها على مواضعها،
فأمهل حتى تقدم المدينة، فإنها دار الهجرة والسنة، فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس،
فتقول ما قلت متمكناً، فيعي أهل العلم مقالتك، ويضعونها على مواضعها"27،
ما أعمق علم الصحابة، إذا كان هذا التحوط والحذر في ذلك العهد الزاهر، فكيف بنا نحن
في هذا العصر الذي كثرت فيه البلايا، وعظمت فيه الرزايا، وقل فيه العلم، وفشا
الجهل؟!
سادساً: النظام "الديمقراطي" اللا ديني يقوم على غرس الخلاف وتوسيع دائرته، ويؤصل
له بتقسيم هذه المجالس إلى حكومة ومعارضة، ولا يوجد في الإسلام شيء اسمه معارضة،
وإنما فيه التعاون على البر والتقوى، والتناصح، والأخذ بيد الظالم، لا التشهير به
وتتبع عثراته وزلاته وتضخيمها واستغلالها.
سابعاً: من مخاطر ومخالفات النظام "الديمقراطي" البينة للإسلام، التمكين للعصبية
الحزبية، وما ينتج عنها من بغي، وعدوان، وموالاة، ومعاداة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية طيب الله ثراه: (وليس للمعلمين28
أن يحزبوا الناس، ويفعلوا ما يلقي بينهم العداوة والبغضاء، بل يكونوا مثل الإخوة
المتعاونين على البر والتقوى.
إلى أن قال: ومن مال مع صاحبه – سواء كان الحق له أوعليه – فقد حكم بحكم الجاهلية،
وخرج عن حكم الله ورسوله، والواجب على جميعهم أن يكونوا يداً واحدة مع الحق على
الباطل).29
بداية الصفحة
الدافع للتسويق للنظام "الديمقراطي"
لا نشك أن الدافع لهؤلاء الدعاة الحرص على الإسلام وأهله، وتقليل درجة الشرور بقدر
الإمكان، ولكن كما هو معلوم من الدين ضرورة فإنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح
به أولها، وما لم يكن في ذاك اليوم ديناً فلن يكون اليوم ديناً، كما قال الإمام
مالك رحمه الله.
ومن قبل قال عمر: لقد أعزنا الله بالإسلام، فمن أراد العزة في غيره أذله الله.
ومعلوم كذلك في هذا الدين أن الغاية لا تبرر الوسيلة، فكما ينبغي أن تكون الغاية
شرعية فكذلك الوسائل التي يتوصل بها إلى تلك الغاية الشرعية لابد أن تكون شرعية،
وعلينا أن نتحرر من الوهم الذي أصبح مسيطراً على كثير من الدعاة، وهو "مصلحة
الدعوة"، ولنعلم أن للدعوة رباً يحميها، وأن مصلحتها في الاعتصام بالكتاب والسنة،
وما عليه سلف الأمة، لا بالتنازل عن المسلمات، ولا بتقليد أعداء الدين من الكفرة،
والمنافقين، والمعاندين.
رحم الله سيد قطب عندما قال: (إن كلمة "مصلحة الدعوة" يجب أن ترتفع عن قاموس أصحاب
الدعوات، لأنها مزلة ومدخل للشيطان، يأتيهم به حين يعز عليهم أن يأتيهم من ناحية
مصلحة الأشخاص، ولقد تتحول مصلحة الدعوة إلى صنم يعبده أصحاب الدعوة، وينسون معه
منهج الدعوة الأصيل).30
أيها الدعاة، احذروا أن تلدغوا من جحر "الديمقراطية" مرات ومرات، فالمؤمن لا يلدغ
من جحر مرتين كما أخبر الصادق المصدوق، فكيف أن يلدغ مرات عديدة، وتذكروا البلاء
الذي أصاب إخواننا في حماس بسبب هذا الفخ، ونتيجة لهذه اللعبة القذرة والتجربة
الخاسرة.
وأخيراً نقول لشيخ الددو سامحه الله كما قال ابن مسعود لأبي موسى رضي الله عنهما:
إن نحن وافقناك على كل ما ورد في محاضرتك تلك نكن قد ضللنا، وما كنا إذاً من
المهديين، ولا لك ناصرين، ولا بالنصيحة قائلين، نحو:
1. حصرك لكفر المشرِّع والحاكم بغير ما أنزل الله إذا رد هذه التشريعات إلى الله
فقط، أما إن لم يرد ذلك فهو ليس بكافر، حيث فاقت شبهتك هذه شبهة من زعم أن الحاكم
بغير ما أنزل الله لا يكفر إلا إذا اعتقد ذلك فاعلوه.
2. زعمك أن آيات المائدة الثلاث31:
"وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ...
وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ... وَمَن
لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ"، من العام
المخصوص، وأن الحاكم بغير ما أنزل الله ليس بكافر، وأن دلالة هذه الآيات ليست
قطعية!!
3. حصرك للكفر في جحود ركن من أركان الإيمان، أواستحلال ما حرمه الله ورسوله،
أوتحريم ما أحله الله ورسوله.
4. أن ساب الدين لا يكفر إن كان سبه ذلك من باب العادة!!
5. يشتم من تهوينك وتقليلك من قيمة أحاديث الآحاد، وإن تلقتها الأمة بالقبول، عدم
الاعتداد بها، وأنه لا يكفر من أنكر حكماً وحداً ثبت بها، نحو حد الردة ورجم الزاني
المحصن، وهذا خلاف ما عليه أهل السنة قديماً وحديثاً.
6. تسليم المسلم الذي لاذ بأخيه المسلم للكفار لقتله، أوحبسه، وتعذيبه، ليس من
الموالاة الكفرية إذا فعلها الحاكم لمصلحة، واستدلالك برد الرسول صلى الله عليه
وسلم لأبي جندل وأبي بصير، هذه حادثة عين، وكان ذلك من جملة الشروط، وصلح الحديبية
سماه الله فتحاً، فالعبرة بالخواتيم، وكان ذلك في أول الإسلام وقد نسخ.
قال صلى الله عليه وسلم فيما صح عن ابن عمر32:
"المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه.." أي لعدوه، وقال صلى الله عليه وسلم:
"لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم".33
7. وهل يحل لمسلم أن يفدي نفسه أونظامه بدم أحد من إخوانه المسلمين؟
عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: (كنا مع رجاء بن حَيْوَة، فتذاكرنا شكر النعم،
فقال: ما أحد يقوم بشكر نعمة. وخلفنا رجل على رأسه كساء، فقال: ولا أمير المؤمنين؟
فقلنا: وما ذكر أمير المؤمنين هنا! وإنما هو رجل من الناس. قال: فغفلنا عنه، فالتفت
رجاء فم يره، فقال: أتيتم من صاحب الكساء، فإن دُعيتم فاستحلفتم فاحلفوا. قال: فما
علمنا إلا بحرسي قد أقبل عليه34،
قال: هيه يا رجاء، يذكر أمير المؤمنين، فلا تحتج له؟ قال: فقلت: وما ذاك يا أمير
المؤمنين؟ قال: ذكرتم شكر النعم، فقلتم: ما أحد يقوم بشكر نعمة، قيل لكم: ولا أمير
المؤمنين؟ فقلتَ: أمير المؤمنين رجل من الناس! فقلت: لم يكن ذلك. قال: آلله؟ قلت:
آلله. قال: فأمر بذلك الرجل الساعي، فضُرب سبعين سوطاً، فخرجت وهو متلوث بدمه،
فقال: هذا وأنت رجاء بن حيوة؟ قلت: سبعين سوطاً في ظهرك خير من دم مؤمن. قال ابن
جابر: فكان رجاء بن حيوة بعد ذلك إذا جلس في مجلس يقول ويتلفت: احذروا صاحب
الكساء).35
8. نقضك وهدمك لناقض من نواقض الإسلام، وهو من لم يكفر الكفار فهو كافر، فماذا بعد
الحق إلا الضلال؟ وتبريرك بتبرير ما أنزل الله بن من سلطان
ولكن نوافقك في ذم الغلو، والتكفير البدعي، وإن كنت قد بالغت في ذلك وغلوت فيه، حتى
وقعت في صنوه في السوء وضده وهو الإرجاء، فالحسنة بين سيئتين، وخير الأمور أوسطها،
فالبدعة لا يرد عليها ببدعة، وكذلك في إنكارك على من تطاول ويتطاول على أئمة
الإسلام، وسرج الظلام، أمثال الحافظ ابن حجر رحمه الله وغيره.
والله أسأل أن يردنا وإياكم وجميع إخواننا من المسلمين إليه رداً جميلاً، وأن
يجعلنا رجَّاعين إلى الحق قوّالين به، والحمد لله أولاً وآخراً، والصلاة والسلام
على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
بداية الصفحة
|