صلاح الدين والدنيا بصلاح الراعي واستقامة الرعية معاًأولاً: ما يدل على أن صلاح الراعي صلاح لرعيته وفساده فساد لرعيته ثانياً: ما يدل على أن استقامة الرعية ينتج عنها صلاح الحكام واستقامتهم غالباً، والعكس كيف المخرج؟ وبمَ يكون الإصلاح؟
المسؤولية في الإسلام فردية في جانب، ولهذا قال تعالى: "وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا"1، وتضامنية في جانب آخر، كما قرر ذلك الشارع الحكيم: "كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، والأمير راع، والرجل راع على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده، فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته"2، فقد عمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث وخص. فالإسلام يقوم على مبدأ الحقوق والواجبات، بين الخالق والمخلوقين، فقد صح3 عن معاذ رضي الله عنه قال: "كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار، فقال لي: يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً"، فالله حكم عدل، وبين المخلوقين بعضهم مع بعض. فالعلاقة بين الحاكم والرعية، وبين الوالد والولد، والزوج والزوجة، والمسلم والمسلم، كلها تقوم على هذا المبدأ. الشرائح الرئيسة التي يتكون منها المجتمع المسلم شريحتان في القرون الثلاثة الفاضلة، هما: 1. ولاة الأمر، وهم العلماء، لأن الحكم كان فيهم. 2. والرعية. وعندما حصل الانفصام، وتولى الحكم غير العلماء، أضحت الشرائح ثلاثة: 1. الحكام. 2. والعلماء. 3. والعامة. فكل شريحة من هذه الشرائح الثلاثة لها حقوق وعليها واجبات، مع تفاوت فيما بينها. فواجبات الحاكم أكبر وأخطر من واجبات العلماء، وواجبات العلماء أكبر من واجبات الرعية أوالعامة، وهكذا، ولهذا أمرنا الشارع بالتعاون على البر والتقوى، وبالتناصح، وبالأمر والنهي، في حال التقصير في الحقوق والواجبات في الشرائح المختلفة. مرت الأمة الإسلامية – بقدر التزامها وتمسكها بهذه الحقوق والواجبات في شرائح المجتمع الأساسية – بثلاث مراحل متباينة ومتفاوتة أشد التباين، وهي: تمثل هذه المرحلة خلافة النبوة، ومدتها ثلاثون سنة كما في حديث سَفينة.4 قال تعالى: "كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ باللهِ".5 وقال صلى الله عليه وسلم: "خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"، قال عمران: فما أدري قال النبي صلى الله عليه وسلم مرتين أوثلاثة، "ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يُستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن".6 من بعد خلافة النبوة إلى سقوط الدولة العثمانية في 1925م. وهي متفاوتة تفاوتاً كبيراً، في حال الناس رعاة ورعية، في عهد الدولة الأموية كان الحال أفضل وأصلح لقرب عهدهم بخلافة النبوة، وكذلك حال العصر العباسي الأول يختلف عن حال العصر التالي، وهكذا. من بعد سقوط الدولة العثمانية وهيمنة الكفار على ديار الإسلام، وعزل الإسلام عن مناحي الحياة المختلفة، وهي المرحلة التي نعيشها الآن حيث أخلت كل الشرائح بواجباتها، إلا من رحم الله. هذه المراحل تدل على صدق نبوءة رسولنا صلى الله عليه وسلم، حيث أخبر بها وحدثت كما أخبر بها. فعن حذيفة رضي الله عنه قال: "كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن. قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر. قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها. قلت: يا رسول الله، صفهم لنا. قال: هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا. قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت، وأنت على ذلك".7 قال الحافظ ابن حجر: (قال عياض: المراد بالشر الأول الفتن التي وقعت بعد عثمان، والمراد بالخير الذي بعده ما وقع في خلافة عمر بن عبد العزيز، والمراد بالذين تعرف منهم وتنكر الأمراء بعدهم، فكان فيهم من يتمسك بالسنة والعدل، وفيهم من يدعو إلى البدعة، ويعمل بالجور. قلت: والذي يظهر أن المراد بالشر الأول ما أشار إليه من الفتن الأولى، وبالخير ما وقع من الاجتماع بعد علي ومعاوية، وبالدخن ما كان في زمانهما من بعد الأمراء كزياد بالعراق، وخلاف ما خالف عليه من الخوارج، وبالدعاة إلى أبواب جهنم من قام في طلب الملك من الخوارج وغيرهم).8 خرج البخاري في صحيحه9 بسنده إلى الزبير بن عدي قال: "أتينا أنس بن مالك فشكونا إليه ما يلقون من الحجاج، فقال: اصبروا، فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده أشر منه، حتى تلقوا ربكم، سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم". قال الحافظ ابن حجر معلقاً على هذا الحديث: (وقد حمله الحسن البصري على الأكثر الأغلب، فسئل عن وجود عمر بن عبد العزيز بعد الحجاج، فقال: لابد للناس من تنفيس. وأجاب بعضهم أن المراد بالتفضيل مجموع العصر على مجموع العصر، فإن عصر الحجاج كان فيه كثير من الصحابة في الأحياء، وفي عصر عمر بن عبد العزيز انقرضوا، والزمان الذي فيه الصحابة خير من الزمان الذي بعده، لقوله صلى الله عليه وسلم: "خير القرون قرني").10 وعن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة على قصعتها"، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: "بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل! ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوَهْن"، فقال قائل: يا رسول الله! وما الوَهْن؟ قال: "حب الدنيا وكراهية الموت".11 صلاح هذه الأمة واستقامتها بصلاح هذه الشرائح الثلاثة: الحكام، والعلماء، والعامة، وفسادها بفسادها كلها أوبعضها. قال تعالى: "ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ"12، وقال: "وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ"13 المسؤولية في الإسلام تضامنية، والوضع المأساوي الذي تعيشه الأمة في هذا العصر هو نتاج تقصير جميع شرائح المجتمع، حكاماً، وعلماء، ومحكومين، مع تفاوت بينهم، ولهذا لا ينبغي للرعية أن تحمل ولاة الأمر من العلماء والحكام كل المسؤولية، وتبرئ نفسها من ذلك، ولا ينبغي كذلك لولاة الأمر من العلماء والحكام أن يرموا باللائمة كلها على الرعية، رافعين في وجوههم: "كما تكونوا يولَّ عليكم، عمالكم أعمالكم"، لأن الجميع راع وهو مسؤول نوع مسؤولية، مع يقيننا التام أن مسؤولية ولاة الأمر من الحكام والعلماء تفوق مسؤولية العامة. الأدلة على ذلك كثيرة من القرآن، والسنة، والآثار، وسنشير في هذه العجالة إلى طرف من ذلك، فنقول: أولاً: ما يدل على أن صلاح الراعي صلاح لرعيته وفساده فساد لرعيته
قال الحافظ ابن حجر: (قوله "أئمتكم" أي لأن الناس على دين ملوكهم، فمن حاد من الأئمة عن الحال مال وأمال).16 قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (ومعلوم أنه إذا استقام ولاة الأمور الذين يحكمون في النفوس والأموال استقام عامة الناس كما قال أبوبكر الصديق17.. إلى أن قال: وكذلك من جهتهم يقع الفساد، كما جاء في الحديث مرفوعاً، وعن جماعة من الصحابة).18
نسأل اللهَ صلاحــاً للولاة الرؤســــاء فصلاح الدين والـد نيا صلاح الأمــراء فبهم يلتئم الشمـــ ــل على بعد التنـاء وبهم قامت حدود الله في أهل العــــداء وهم المغنون عنــا في مواطين العنــاء وذهاب العلم عنــا في ذهاب العلمـــاء فهـم أركان دين الله في الأرض الفضــاء فجزاهم ربهم عنـا بمحمود الجــــزاء
رأيت الذنوب تميت القلـوب ويورث الذل إدمانهــــا وترك الذنوب حياة القلـوب وخير لنفسك عصيانهـــا وهل بدَّل28 الدين إلا الملوكُ وأحبارُ سوء ورهبانهــــا وباعوا النفوس فلم يربحـوا ولم يغل في البيع أثمانهـــا لقد رتع القوم في جيفـــة يبين لذي العقل إنتانهـــا
ثانياً: ما يدل على أن استقامة الرعية ينتج عنها صلاح الحكام واستقامتهم غالباً، والعكس
قال المسور: ما تذكر إلا الذنوب. قال معاوية: فإنا نعترف لله بكل ذنب أذنبناه، فهل لك يا مِسْور ذنوب في خاصتك تخشى بأن تهلك إن لم تغفر؟ قال: نعم. قال: فما يجعلك الله برجاء المغفرة أحق مني؟ فوالله ما ألي من الإصلاح أكثر مما تلي، ولكن والله لا أخير بين أمرين، بين الله وبين غيره إلا اخترت الله على ما سواه، وإني على دين يقبل فيه العمل، ويجزى فيه بالحسنات، ويجزى فيه بالذنوب إلا أن يعفو الله عنها. قال المسور: فخصمني. قال عروة: فلم أسمع المِسْوَر ذكر معاوية إلا صلى عليه42).43
صدق ابن القيم رحمه الله وأجاد، فإن الفساد العقدي، والخلقي، والسلوكي، عند قطاع من الرعية اليوم نحو العقائد الفاسدة – عقيدة: وحدة الوجود، الاتحاد، الشيوعية، القاديانية، وما شاكلها، والظلم والتعدي في المعاملات، وانتهاك محارم الله والمجاهرة بها، قد لا توجد عند كثير من الحكام.
كيف المخرج؟ وبمَ يكون الإصلاح؟ مما سبق يتضح لنا أن الحالة التي عليها المسلمون اليوم من الفساد العقدي والأخلاقي والتخلف المادي مرده إلى جميع شرائح المجتمع: حكاماً، وعلماء، وعامة. وأن حالنا هذا لا ينصلح إلا بالسعي الجاد لإصلاح هذه الشرائح جميعاً، فقد كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء ومع ذلك كانوا في شقاء وتعاسة وخسران بسبب فساد الرعية وظلمها وتمردها على خالقها وأنبيائه ورسله. هل المخرج من ذلك بإلقاء كل من هذه الشرائح اللوم على الأخرى؟ هل يكون بالخروج المسلح؟ وبكثرة الشكوى والتظلم للخلق؟ هل يكون بالدفاع عن الحكام واختلاق المببرات لهم في تخليهم عن شرع الله ونبذهم له، بأن من نبذ منهم شرع الله واستبدله بالذي هو أدنى لا يكفر إلا: 1. إذا اعتقد ذلك بقلبه. 2. أونسب ذلك إلى الله. هل بتبادل الاتهامات: مرجئة، خوارج؟ هل بالهجر والقطيعة لبعض العلماء والدعاة؟ هل بالرد على البدعة ببدعة مثلها؟ أم أن الخلاص يكون بالسعي لرد الأمة جمعاء إلى كتاب ربها وسنة رسولها صلى الله عليه وسلم؟ إذا لا صلاح لها إلا بما صلح به أولها؟ ونذكر الجميع بالقاعدة التي لا تتغير ولا تتبدل: "إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ"، ويكون ذلك بالآتي: أولاً: بالدعاء والتضرع الخالص لله سبحانه وتعالى أن يبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز به أهل الطاعة ويذل به أهل المعصية، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر. ثانياً: بإحياء فريضة الأمر والنهي في الأمة، فهي صمام الأمان لها، وسبب لعودتها إلى دينها، وكان ذلك هو سببه مدحه وثنائه عليها: "كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ باللهِ"49. ثالثاً: بالتوبة الصادقة النصوح من جميع الذنوب والآثام. رابعاً: بالسعي لتصحيح العقائد والمفاهيم، فكل الفساد الخلقي، والاقتصادي، والسياسي، والاجتماعي مرده إلى الفساد العقدي، مما جعل الشارع يمكث في مكة ثلاثة عشر عاماً لبناء هذه القاعدة المتينة. خامساً: بالاشتغال بالعلم الشرعي، حيث كثير من الطوام والأمراض القاتلة التي تعاني منها الأمة سببها الجهل بالشرع. سادساً: الالتفاف حول العلماء والصدور عن فتاواهم، والرجوع إليهم في النوازل. سابعاً: العمل على لمِّ الشمل بالرجوع إلى الكتاب والسنة، على فهم الصحابة رضوان الله عليهم، فكل من سعى لتجميع الأمة على غير هذا الأساس فمصيره إلى الفشل، والانقسام، والتفرق. ثامناً: عدم توسيع دائرة الخلاف، سيما بين أهل السنة والجماعة، أهل الحل والعقد، فالذي يجمع بينهم أكثر وإن اختلفوا في الفروع. والله أسأل أن يؤلف بين قلوب المسلمين، وأن يهديهم سبل السلام، وأن يردهم جميعاً رعاة ورعية إليه رداً جميلاً، وصلى الله وسلم على نبينا القائل: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى"، قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى"50 ، وعلى آله وصحبه ومن والاهم.
|
||
|
|
||