تعقيب على ما
جاء في ندوة "المفهوم الشرعي للتمويل بالقروض" التي أقامها مجمع الفقه
الإسلامي بالسودان
كما جاء ذلك في صحيفتي الانتباهة العدد "918"، وآخر لحظة
العدد "649" بتاريخ الأربعاء 14/جمادى الأولى/1429 هـ الموافق 21/5/2008م
ليس لما حرمه الله من الربا مبيح
لا يدخل جوف ابن آدم
أشر من الربا
الحذر من
استحلال محارم الله بأدنى الحيل
الضرورة التي تبيح أكل الحرام، والميتة، وإزالة الغصة بشرب الخمر
مخاطر القروض الربوية على المفتين بذلك، وعلى المنفذين لها، وعلى
العباد والبلاد في الحال والمعاد
الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى..
لا يدخل جوف ابن آدم أشر من الربا
ذكر ابن بكر قال: "جاء رجل إلى مالك بن أنس فقال: امرأتي طالق إن
كان يدخل جوف ابن آدم أشر من الخمر. فقال له: ارجع حتى انظر في مسألتك، فأتاه من
الغد، فقال له: ارجع حتى أنظر في مسألتك، فأتاه من الغد، فقال له: امرأتك طالق، إني
تصفحت كتاب الله وسنة نبيه، فلم أر أشر من الربا لأن الله أذن فيه بالحرب."1.
قلت صدق مالك رحمه الله فان الوعيد الذي ورد في الربا في كتاب الله
وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لم يرد في غيره من الكبائر، من ذلك:
1. إعلان حرب الله ورسوله على المرابين التعساء، ومن حاربه الله
ورسوله قصم قائلاً :" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَذَرُواْ
مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ
فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ"2.
2. أنهم لا يقومون يوم القيامة كما يقوم العقلاء قائلاً: "الَّذِينَ
يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ
الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ"3.
3. المرابون موعودون بالمحق والإتلاف في الدنيا لان الحرام يذهب
بالحلال والحرام، وبالعقاب الأليم الشديد في الآخرة قائلاً: "يَمْحَقُ اللهُ
الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ"4.
4. المرابون وأعوانهم من الكتبة والشهود وغيرهم ملعونون على لسان
الصادق المصدوق ومطرودون من رحمة الله التي وسعت كل شيء فعن ابن مسعود رضي الله عنه
قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله، وشاهده وكاتبه"5.
5. لا فرق في ذلك اللعن و الطرد بين الآخذ والمعطي، والقليل
والكثير، والفقير والغني فالكل مشترك في الوعيد وإن تفاوتا في الإثم قال الذهبي
رحمه الله: "وليس إثم من استدان محتاجاً لربا كإثم المرابي الغني بل دونه واشتركا
في الوعيد".
ã
الحذر من استحلال محارم الله
بأدنى الحيل
من الأمور التي ينبغي لولاة الأمر من العلماء والحكام أن يحذروها
أشد الحذر الحيل التي تقود إلى استحلال محارم الله عز وجل فقد حذر رسول الله صلى
الله عليه وسلم من ذلك وبين أن هذا المسلك هو الذي سلكه اليهود في تحريف وتبديل دين
الله عز وجل فقال: "لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل"
المراد بذلك الحيل المذمومة والذرائع المشؤومة.
والحيل المذمومة منها ما هو كفر، ومنها ما هو حرام شديد الحرمة ولا
أخال إجازة مجمع الفقه الإسلامي لأخذ قروض ربوية لبناء السدود، وتوليد الطاقة
الكهربائية، وتسليح الجيش وما شاكل ذلك بحجة الحاجة والضرورة إلا من الحيل المحرمة
في أحسن الأحوال.
إذ الضرورة التي تبيح للمضطر أكل الحرام البين الحرمة والميتة هي
التي إن لم يتعاط الحرام ويأكل الميتة هلك، قال تعالى: "إِنَّمَا حَرَّمَ
عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ
لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ
إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ "6.
ã
الضرورة
التي تبيح أكل الحرام، والميتة، وإزالة الغصة بشرب الخمر
قال ابن عاشور: "المضطر هو الذي الجأته الضرورة أي الحاجة إلى أكل
شيء من هذه المحرمات، فلا إثم عليه، وقوله غير باغ ولا عاد حال، والبغي: الظلم،
والعدوان، والمحاربة، والقتال، ومجيء هذه الحال هنا للتنويه بشأن المضطر في حال
إباحتها إليه أن يأكلها، يكون غير باغ ولا عاد، لان الضرورة تلجئ إلى البغي
والاعتداء، فالآية إيماء إلى علة الرخصة، وهي رفع البغي والعدوان عن الأمة، وهي
أيضا إيماء إلى حد الضرورة، وهي الحاجة التي يشعر عندها من لم يكن دأبه البغي
والعدوان بأنه سيبغي ويعتدي، وهذا تحديد منضبط، فان الناس متفاوتون في تحمل الجوع،
ولتفاوت الأمزجة في مقاومته . ومن الفقهاء من يحدد الضرورة بخشية الهلال ومرادهم
الإفضاء إلى الموت)7.
فبان بذلك أن بناء السدود، وتوليد الطاقة الكهربائية، وتسليح الجيش
ليس من الضرورات التي تباح بها المحظورات بل ولا تدانيها.
ã
مخاطر القروض الربوية على المفتين بذلك، وعلى المنفذين لها، وعلى العباد والبلاد في
الحال والمعاد
لا شك أن مخاطر هذه القروض الربوية كثيرة ومتنوعة، منها ما يتعلق
بالمفتين والمنفذين، ومنها ما يتعلق بالعباد في الحاضر والمستقبل والبلاد، ويتمثل
ذلك في الآتي:
1. سن سنة سيئة لمن يأتي بعدهم ومعلوم أن من سن سنة سيئة فعليه
وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أوزار متبعهم شيئاً.
2. محق البركات، ونزول الغضب، وحلول المصائب والنكبات: "ما ظهر
الربا والزنا بقرية إلا ظهر بأهلها الفقر والأمراض المعدية، وظلم السلطان، وبه تذهب
الأموال، وتمحق البركات وان كانت فائدته محسوسة لأول ما يكون"، فالعبرة بالخواتيم.
3. منع إجابة الدعاء: "ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل يطيل
السفر: أشعث أغبر ،يمد يديه إلى السماء يارب يارب ومطعمه حرام، ومشربه حرام،
وملبسه حرام، وغذي بالحرام فأنى يستجاب له؟"8.
4. يمنع نزول القطر ولولا البهائم لحبس الله عن آكلي الربا والحرام
المطر.
5. تغذية الأجيال القادمة بهذا الحرام، فهذا ضرر متعد.
6. إدخال العباد والبلاد في مديونيات كبيرة، مما يؤدي إلى استعباد
تلك البلاد وعدم استقلال قرارها وحيادها.
وأخيرا أقول لو اتقينا ربنا، وعدنا لشرعنا، ورشدنا صرفنا، لرزقنا من
فوقنا ومن تحتنا، ولأبدل الله خوفنا أمناً، ولرزقنا من حيث لا نحتسب.
هذا قليل من كثير، وغيض من فيض من مخاطر ومصادر هذه القروض الربوية
في الحال والمآل، ولهذا وجبت المناصحة، والدين النصيحة، فلا خير فينا إن لم نقلها
ولا خير في المسؤولين إن لم يقفوا عندها، والله اسأل أن يرفع عن بلدنا الغلاء،
والربا، والزنا، والزلازل، والمحن، وسوء الفتن، وعن سائر بلاد المسلمين، والله من
وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.
ã
|