وهل يتجسس مسلم لصالح كافر ويظاهره لغرض أخروي؟!

أولاً: حكم تجسس المسلم على إخوانه المسلمين لصالح الكفار وموالاتهم

نص كتاب حاطب رضي الله عنه لأهل مكة

من صور الموالاة الكفرية

ثانياً: عقوبة من يرتكب هذا الجرم من المسلمين

التجسس من الأخلاق الذميمة، والصفات الرذيلة، ولهذا نهى الإسلام عنه وذمه قال تعالى: "وَلا تَجَسَّسُوا"[1] وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل الجنة قتات"[2] أي نمام.

ولهذا لا يحل التجسس إلا على الكفار والمشركين في حال الحرب، ولحماية الدين ولتأمين أمة سيد المرسلين، وعلى المبتدعة والمفسدين، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

التجسس غير المشروع دركات بعضها أخس وأرذل من بعض أخسه وأرذله التجسس لصالح الكفار ومظاهرتهم على المسلمين بإدلال الكفار والمنافقين على عوراتهم، ومواطن ضعفهم ولهذا لم يؤت المسلمون في ماضيهم ولا حاضرهم، بقدر ما أتوا من تجسس الأرذال وضعاف النفوس من المنتسبين للإسلام، فكل الكوارث والنكبات التي حلت بالمسلمين قديماً وحديثاً بدءً بضياع الأندلس، ومروراً بتدمير عاصمة الدولة الإسلامية بغداد على أيدي التتار، وبما نشاهده من اغتصاب فلسطين وكشمير وغزو أفغانستان وعراق العروبة والإسلام وغيرها كثير من ديار الإسلام، ناتجة من هذا السلوك المشين، والتعدي اللئيم، هذا بجانب ما صاحب ذلك من قتل الأبرياء والتعدي على العزل الضعفاء بالسجن والتعذيب وانتهاك الحرمات، واستباحة الثروات، وتدنيس المقدسات، وإشاعة الفاحشة في المؤمنين والمؤمنات.

فما حكم تجسس المسلم على إخوانه المسلمين وتظاهره عليهم؟ وهل فاعل ذلك مسلم أم كافر؟ وما جزاء من ضبط متلبساً بذلك؟

هذا ما نريد الإشارة إليه، وبيان حكمه "لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ"[3] في هذا البحث الموجز وقد دفعني لذلك أمور:

أولها: ما عمت به البلوى من تفشي هذا السلوك المشين والعمل الفاسد اللئيم.

ثانيها: ما أصاب الأمة من الغزو والاحتلال لعدد من ديار الإسلام، قديماً وحديثاً، نتيجة لهذا التظاهر والموالاة للكفار.

ثالثها: الفتاوى الباردة، والشبه الداحضة، والأقيسة الفاسدة التي تصدر من بعض المنتسبين إلى العلم مما أوقع الكثيرين في حيرة من أمرهم، عن أي الفتاوى يصدرون؟ وبأقوال من يأخذون؟

رابعها: الخشية من انخداع الناس بهذه الفتاوى وزيادة جرأتهم على هذا السلوك، بسبب الجهل وضعف الوازع الديني.

خامسها: التأثر بردود الأفعال.

لهذه الأسباب وغيرها ونصحاً للأمة، وتبرئة للذمة، أردت أن أبين حكم الشرع في هذه المسألة والله أسأل التوفيق والسداد والعون والرشاد، وأن يرينا وجميع إخواننا المسلمين الحق حقاً ويرزقنا إتباعه والباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه إنه ولي ذلك والقادر عليه.

أما بعد...

فإن حديثنا في هذا الأمر ذو شقين هما:

الأول: عن حكم هذا النوع من موالاة الكفار ومظاهرتهم، هل هو من صور الموالاة الكفرية أم المحرمة؟

الثاني: عن عقوبة من يمارس ذلك من المسلمين  مستصحبين في ذلك الأدلة الشرعية، وأقوال أهل العلم المقتدى بهم.

ã

أولاً: حكم تجسس المسلم على إخوانه المسلمين لصالح الكفار وموالاتهم

قولان لأهل العلم

(أ) ذهب جمهور أهل العلم إلى أن من تجسس على المسلمين لصالح الكافرين لغرض دنيوي لم يكفر.

قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ ... الآية"([4] : {من كثر تطلعه على عورات المسلمين، وينبه عليهم، ويعرف عدوهم بأخبارهم، لم يكن بذلك كافراً إذا كان فعله لغرض دنيوي، واعتقاده على ذلك سليم، كما فعل حاطب حين قصد بذلك اتخاذ اليد ولم ينو الردة عن الدين}([5].

عمدة الجمهور في هذا قصة حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه.

خرج البخاري رحمه الله في صحيحه[6] بسنده إلى عبيد الله بن أبي رافع يقول: {سمعت علياً رضي الله عنه يقول: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنا والزبير، والمقداد، فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ[7]، فإن بها ظعينة[8] معها كتاب فخذوا منها. قال: فانطلقنا تعادي بنا خيلنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، قلنا لها: أخرجي الكتاب، قالت: ما معي كتاب. فقلنا: لتُخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب. قال: فأخرجته من عقاصه[9]، فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا فيه:

(من حاطب بن أبي بلتعة ـ إلى ناس من مكة من المشركين ـ يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي أنه ينوي الخروج إليهم.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا حاطب ما هذا؟ قال: يا رسول الله لا تعجل عليَّ، إني كنت امرءاً ملصقاً في قريش ـ يقول: كنت حليفاً ـ ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين من لهم قرابات يحمون أهليهم وأموالهم، فأحببت إذا فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يداً، يحمون قرابتي، ولم أفعله ارتداداً عن ديني ولا رضاً بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما إنه قد صدقكم. فقال عمر: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال: إنه شهد بدراً، وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدراً، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. فأنزل الله سورة الممتحنة: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاء مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ"[10]}.

هذه القصة ليست فيها دلالة إلى ما ذهبوا إليه وذلك للأسباب التالية:

1. أن التجسس على المسلمين فيها لم يتم وهذا من رحمة الله تعالى بحاطب رضي الله عنه حيث نزل الوحي فتدورك الأمر.

2. شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم لحاطب بالإيمان والصدق لا يوجد لها نظر بعد انتقال الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الدار الآخرة.

3. ما خص به أهل بدر على غيرهم، حيث لا يساويهم في هذه الخصوصية أحد غيرهم (لعل الله اطلع على من شهد بدراً، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) وبهذا رد رسول الله صلى الله عليه وسلم على عمر عندما اتهم حاطباً بالنفاق واستأذنه في ضرب عنقه.

4. رسالة حاطب نفسها تدل على صدق إيمانه برسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه مؤيد بالوحي فهي رسالة نارية، وحرب نفسية، وتهديد ووعيد، لو وصلتهم لفعلت فيهم ما لم تفعله السيوف، غير أنها فيها كشف لسر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ã

 نص كتاب حاطب رضي الله عنه لأهل مكة

قال الحافظ بن حجر في الفتح[11]: {وذكر بعض أهل المغازي وهو في "تفسير يحيى بن سلام" أن لفظ الكتاب:

 (أما بعد، يا معشر قريش فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاءكم بجيش كالليل، يسير كالسيل، فوالله لو جاءكم وحده لنصره الله وأنجز له وعده، فانظروا لأنفسكم والسلام)}.

أين هذا مما فعله ابن العلقمي والطوسي الرافضيان وأحفادهما من بعدهما وغيرهم من المرتدين الخبثاء، ذوي النفوس الضعيفة التعساء، حيث أبرزوا الجوانب السلبية، ووضحوا مواطن الضعف لدى المسلمين، زللوا الطرق، وهونوا على الأعداء خطورة قتل الخليفة والعلماء وعباد الله الأتقياء، ووالوا ونصروا الكفار، وخذلوا وسلموا خليفة المسلمين وعاصمة الدولة الإسلامية بغداد التليدة للطاغية هولاكو كما فعل أحفادهم في هذا العصر بمظاهرة الكفار والتجسس لصالحهم  بل والقتال معهم جنباً إلى جنب مما نتج عنه غزو أفغانستان، وعراق العروبة والإسلام، والشيشان، والصومال وغيرها من ديار الإسلام.

يقول مؤرخ الإسلام الحافظ بن كثير وهو يؤرخ لكارثة بغداد الأولى، ويبين ما قام به وزير السوء ابن العلقمي الرافضي ـ الشيعي ـ: {فخرج بأهله وأصحابه وخدمه وحشمه فاجتمع بالسلطان هولاكو خان، لعنه الله، ثم عاد فأشار على الخليفة بالخروج إليه والمثول بين يديه، لتقع المصالحة على أن يكون نصف خراج العراق لهم، ونصفه للخليفة[12]، فاحتاج الخليفة أن خرج في سبعمائة راكب من القضاة، والفقهاء، والصوفية، ورؤوس الأمراء والدولة والأعيان، فلما اقتربوا من مجلس السلطان هولاكو خان، حجبوا عن الخليفة إلا سبعة عشر نفساً، فخلص الخليفة بهؤلاء المذكورين، وأنزل الباقون من مراكبهم، ونهبت أموالهم وقتلوا عن آخرهم، وأحضر الخليفة بين يدي هولاكو، فسأله عن أشياء كثيرة[13] ، فهاله ما رأى من الإهانة والجبروت، ثم عاد إلى بغداد وفي صحبته نصير الدين الطوسي، والوزير ابن العلقمي وغيرهما، والخليفة تحت الحوطة والمصادرة، فأحضر من دار الخلافة شيئاً كثيراً من الذهب، والحلي، والمصاغ، والجواهر والأشياء النفيسة، وقد أشار أولئك الملأ من الرافضة وغيرهم من المنافقين على هولاكو أن لا يصالح الخليفة، وقال الوزير ـ لهولاكو ـ: متى وقع الصلح على المناصفة لا يستمر هذا إلا عاماً أو عامين، ثم يعود الأمر على ما كان عليه قبل ذلك، وحسنوا له قتل الخليفة، فلما عاد الخليفة إلى السلطان هولاكو أمر بقتله، ويقال: أن الذي أشار بقتله الوزير ابن العلقمي، والمولى نصير الدين الطوسي، وكان النصير عند هولاكو قد استصحبه في خمته لما فتح "قلاع الألموت".

إلى أن قال: ومالوا على البلد فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والكهول والشبان.

إلى أن قال: وعادت بغداد بعدما كانت آنس المدن كأنها خراب ليس فيها إلَّا القليل من الناس، وهم في خوف وجوع وذلة وقلة، وكان الوزير ابن العلقمي قبل هذه الحادثة يجتهد في صرف الجيش وإسقاط أسمائهم من الديوان فكانت العساكر في آخر أيام المستنصر قريباً من مائة ألف ... فلم يزل يجتهد في تقليلهم إلى أن لم يبق منهم سوى عشرة آلاف، ثم كاتب التتار وأطمعهم في أخذ البلاد، وسهل عليهم ذلك، وحكى لهم حقيقة الحال، وكشف لهم ضعف الرجال، وذلك كله طمعاً منه أن يزيل السنة بالكلية، وأن يظهر البدعة الرافضية، وأن يقيم خليفة من الفاطميين، وأن يبيد العلماء والمفتين}[14].

 ولقد أعاد التاريخ نفسه في هذا العصر وغزيت عراق العروبة والإسلام، وأفغانستان وغيرهما من البلدان بسبب ارتداد الخبثاء والعملاء عن دينهم، وتجسسهم ومظاهرتهم لأعداء الله فباعوا آخرتهم بدنيا غيرهم.

فهل هناك علاقة بين كتاب حاطب الذي لم يصل إلى أهل مكة وبين صنيع غيره من أحفاد ابن سبأ سيما في هذا العصر الذي كثرت فيه الفتن، وعظمت فيه الكوارث والبلايا على المسلمين، وتعاون فيه المنتسبون للإسلام مع أعداء الله فاشتروا بذلك ثمناً قليلاً فبئس ما يشترون.

ã

(ب) أن تجسس المسلم على المسلمين لصالح الكفار، ومظاهرته لهم، من نوع الموالاة الكفرية

 سواء فعل ذلك ارتداداً وكفراً، أو فعله لمصلحة دنيوية فانية حيث لم يتجسس منتسب إلى الإسلام لصالح الكفار إلا لمصلحة دنيوية.

 والأدلة على ذلك كثيرة، منها

1. قوله سبحانه وتعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ"[15].

وهل هناك موالاة أكبر من التجسس لصالحهم ضد المسلمين ومظاهرتهم عليهم؟!

قال القرطبي رحمه الله في تفسير "وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ": {بين تعالى أن حكمه كحكمهم، وهو يمنع إثبات الميراث للمسلم من المرتد، وكان الذي تولاهم ابن أُبـَي، ثم هذا الحكم باقٍ إلى يوم القيامة في قطع الموالاة.

إلى أن قال: شرط وجوابه، أي لأنه قد خالف الله تعالى ورسوله كما خالفوا، ووجبت معاداته كما وجبت معاداتهم، ووجبت له النار كما وجبت لهم، فصار منهم أي من أصحابهم}[16].

2. وقوله: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاء مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ"[17].

لقد صرف بعض المفسرين هاتين الآيتين عن مدلولهما الظاهر وهو نفي الإيمان لمن والاهم بالتجسس والتظاهر على المسلمين لصالح الكافرين وأولهما تأويلاً فيه نظر كما قال ابن عاشور:

{ولما كان المؤمن إذا اعتقد عقيدة الإيمان، واتبع الرسول[18]، ولم ينافق كان مسلماً لا محالة، كانت الآية بحاجة[19] إلى تأويل، وقد تأولها المفسرون بأحد تأويلين: إما بحمل الولاية في قوله: "وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ" على الولاية الكاملة[20]، التي هي الرضا بدينهم، والطعن في دين الإسلام، ولذلك قال ابن عطية: ومن تولاهم بمعتقده ودينه فهو منهم في الكفر والخلود في النار.

وأما تأويل قوله: "فَإِنَّهُ مِنْهُمْ" في التشبيه البليغ؛ أي فهو كواحد منهم في استحقاق العذاب، قال ابن عطية: من تولاهم بأفعاله من العضد ونحوه دون معتقدهم ولا إخلال بالإيمان فهو منهم في المقت و المذمة الواقعة عليهم}[21].

هل هناك اخلال بالإيمان أكثر من التجسس لصالح الكفار، والتظاهر معهم، وإدلالهم على عورات المسلمين، ومواطن ضعفهم، وتمكينهم من قتل المسلمين وإذلالهم وإهانتهم وحبسهم إن لم يكن هذا خللاً في الإيمان فأي خلل بعد هذا يعتبر؟

قال ابن عاشور وهو يعدد صور الموالاة مبيناً الكفرية منها وغير الكفرية[22]:

 {الحالة الأولى: أن يتخذ المسلم جماعة الكفار، أو طائفة أولياء له في باطن أمره، ميلاً إلى كفرهم، ونواء لأهل الإسلام الإسلام، وهذه الحالة كفر، وهي حالة المنافقين......

الحالة الرابعة: موالاة طائفة من الكفار لأجل الإضرار بطائفة معينة من المسلمين، مثل الاستنصار بالكفار على جماعة من المسلمين، وهذه الحالة أحكامها متفاوتة، فقد قال مالك في الجاسوس يتجسس للكفار على المسلمين: أنه يوكل لاجتهاد الإمام، وهو الصواب، لأن التجسس يختلف المقصد منه، إذ قد يفعله المسلم غروراً، ويفعله طمعاً، وقد يكون على سبيل الفلتة، وقد يكون له دأباً وعادةً، وقال ابن القاسم: ذلك زندقة[23]  لا توبة فيه، أي لا يستتاب ويقتل كالزنديق، وهو الذي يظهر الإسلام ويسر الكفر، إذا اطلع عليه، وقال ابن وهب: ردة ويستتاب، وهما قولان ضعيفان[24] من جهة النظر.

وقد استعان المعتمد بن عباد صاحب اشبيلية بالجلالقة على المرابطين اللمتونيين. فيقال: أن فقهاء الأندلس أفتوا أمير المسلمين علياً بن يوسف بن تاشفين، يكفر ابن عباد، فكانت سبب اعتقاله، ولم يقتله ولم ينقل أنه استتابه}.

قلت: العبرة بحكم أهل الحل والعقد بكفره أما عدم تنفيذ الحكم والاستتابة إن صحَّا فقد يكون لغرض آخر والله أعلم.

تجسس المسلم لصالح الكفار ومظاهرته لهم ضد الإسلام وأهله ضرره عظيم، وخطره جسيم، وآثاره وخيمة ولهذا بين عز وجل أن من يفعل ذلك ليس من الإسلام والمسلمين في شيء في نص صريح لا يحتاج إلى تأويل: "وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ".

هذا ما قضى به فقهاء الإسلام وأهل الحل والعقد فيه في غابر الأزمان وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيي عن بينة.

ã

 من صور الموالاة الكفرية

لا شك أن موالاة الكفار منها ما هو كفر مخرج من الملة، ومنها ما هو محرم، ومنها ما هو مباح:

فمن صور الموالاة المباحة

الإحسان إلى الفقراء منهم غير المحاربين والمعادين للإسلام خاصة من ذوي الأرحام: "لا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ"[25].

ولهذا أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها عندما استأذنته أن تبر أمها وكانت مشركة وجاءتها تطلب برها.

ومن العجيب الغريب المؤسف استدلال البعض بهذه الآية على موالاة الكفار المحاربين وفي غير مجال الإحسان والصلة، وهذا خلط فاحش، وخطأ واضح يستغفل به البسطاء، ويتعمده الخبثاء الجراء على الله ورسوله.

كذلك من صورها المداراة واتقاء شرور الكفار والمشركين للاستثناء الوارد: "إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً"[26].

كذلك من صور الموالاة غير المحرمة مع تفصيل في ذلك يُرْجَع إليه في كتب الفقه، المعاملات التجارية، وإجراء الصلح والمواثيق بالضوابط الشرعية.

من صور الموالاة المحرمة

مشاركة بعض العوام لهم في أعيادهم واحتفالاتهم ونحوها.

أما من أخطر صور الموالاة الكفرية

1. التجسس لصالحهم والاستعانة بهم على طائفة من المسلمين.

ولهذا السبب أجمع علماء غرناطة منهم: محمد المواق، ومحمد بن الأزرق، وعلي بن داود، ومحمد الجعدالة، ومحمد الفخار، وعلي القلصادي، وأبو حامد بن الحسن، ومحمد بن سرحونة، ومحمد المشذالي، وعبد الله الزليجي، ومحمد الحذام، وأحمد بن عبد الجليل، ومحمد بن فتح، ومحمد ابن عبد البر، وأحمد البقني) على كفر من ركن من القواد في الأندلس ولجأوا إلى صاحب قشتالة (بلاد النصارى) بعد كائنة (اللَّسانة) واستنصروا به على المسلمين واعتصموا بحبل جواره، وسكنوا أرض النصارى، فهل يحل لأحد من المسلمين مساعدتهم.

فأجابوا بأن ركونهم إلى الكفار واستنصارهم بهم قد دخلوا به في وعيد قوله تعالى: "وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ"[27].

2. تسليم أحد من المسلمين للكفار بدعوى محاربة الإرهاب.

3. الحكم نيابة عن الكفار وتنفيذ مخططاتهم وتوجيهاتهم كما هو الحال في أفغانستان والعراق والشيشان والصومال.

4. القتال تحت راية الكفار سواء كان المسلم ممن يحمل جنسيتهم أم غيرها.

ولا ينبغي لأحد أن يتعلل بالخوف والإكراه من قبل الكفار، أو الاضطرار وليكن للجميع الأسوة الحسنة في رد بعض الصحابة الأخيار وهم في غاية الحاجة والاضطرار لجوار بعض المشركين ورضاهم بموالاة الله ورسوله وجوارهما وتحملوا في سبيل ذلك الأمرين، ونالوا بذلك الفوز في الدارين، وسنوا بذلك سنة حميدة حسنة إلى يوم الدين.

من النماذج الرائعة والأمثلة الفائقة للبراءة من الكفار مع وجود الرخصة لهم في ذلك ما فعله عثمان بن مظعون رضي الله عنه وقد كان من المستضعفين في رده لجوار الوليد بن المغيرة ورضاه أن يكون جاراً لله عز وجل أسوة بإخوانه المستضعفين الذين لا يجدون من يجيرهم.

قال ابن إسحاق[28] رحمه الله فيما يرويه عن شيوخه: {لما رأى عثمان بن مظعون ما فيه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يغدو ويروح في أمان الوليد بن المغيرة قال: والله إن غدوي ورواحي آمناً بجوار رجل من أهل الشرك، وأصحابي وأهل ديني يلقون من البلاء والأذى في الله ما لا يصيبني لقص كبير في نفسي.

فمشى إلى الوليد بن المغيرة فقال له: يا أبا عبد شمس وفَتْ ذمتك، قد رددت إليك جوارك، فقال له: لم يا ابن أخي؟ لعله آذاك أحد من قومي، قال له: لا، ولكني أرضى بجوار الله ولا أريد أن أستجير بغيره.

قال: فانطلق إلى المسجد ـ الحرام ـ فاردد عليَّ جواري علانية، كما أجرتك علانية، قال: فانطلقا حتى أتيا المسجد، فقال الوليد: هذا عثمان قد جاء يرد عليَّ جواري، قال: صدق، قد وجدته وفياً كريم الجوار، ولكني قد أحببت ألا أستجير إلا بالله، فرددت عليه جواره.

ثم انصرف عثمان، ولبيد بن ربيعة في مجلس من قريش ينشدهم فجلس معهم عثمان، فقال لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل. قال عثمان: صدقت، قال لبيد: وكل نعيم لا محالة زائل. قال عثمان: كذبت، نعيم الجنة لا يزول.

قال لبيد بن ربيعة: يا معشر قريش، والله ما كان يؤذى جليسكم، فمتى حدث هذا فيكم؟

فقال رجل من القوم: إن هذا سفيه في سفهاء معه قد فارقوا ديننا، فلا تجد في نفسك من قوله، فرد عليه عثمان حتى شرى أمرهم[29]، فقام إليه ذلك الرجل فلطم عينه فخضَّره[30] والوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلغ عثمان، فقال: أما والله يا ابن أخي إن كانت عينك عما أصابها لغنية، لقد كنت في ذمة منيعة.

قال: يقول عثمان: والله إن عيني الصحيحة لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها في الله، وإني في جوار من هو أعز منك واقدر يا أبا عبد شمس. فقال له الوليد: هلم يا ابن أخي إن شئت فعد إلى جوارك. فقال: لا}.

هذه القصة غنية عن التعليق، ويظهر فيها الفرق الواسع والبون الشاسع بيننا وبين سلفنا الصالح.

ã

 ثانياً: عقوبة من يرتكب هذا الجرم من المسلمين

ذهب أهل العلم في عقوبة المسلم الذي يتجسس على المسلمين لصالح الكفار مذاهب:

1. يجتهد فيه الإمام.

2. أنه زنديق يقتل ولا يستتاب، وهذا مذهب مالك وسحنون وابن القاسم من المالكية وهذا هو الراجح للأدلة السابقة.

3. لا يقتل، يسجن ويضرب وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد وبعض المالكية.

احتج القائلون بعدم قتل الجاسوس المسلم بقصة حاطب وليس لهم فيها حجة، لأن حاطباً من أهل بدر الذين لعل الله قال لهم: "افعلوا ما شئتم فقد غفرت لكم" كما أخبر الصادق المصدوق وأما ما سوى حاطب فعقوبته القتل من غير استتابة، لأنه زنديق ولا توبة لزنديق.

واحتجوا كذلك بما رواه البيهقي في سننه بسنده عن فرات بن حبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتله، وكان عيناً لأبي سفيان، فمر بمجلس من الأنصار، فقال: إني مسلم، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "إنا نكل ناساً إلى إيمانهم منهم فرات بن حبان"[31].

وليس في ذلك حجة كذلك لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتحاشا في أول الإسلام قتل المنافقين خشية أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه هذا بجانب ضعف الحديث.

قال القرطبي: {والجاسوس المسلم والذمي يعاقبان إلا إن تظاهرا على الإسلام فيقتلان.

وقال: إن قلنا لا يكون بذلك كافراً فهل يقتل بذلك حدا أم لا؟ اختلف الناس فيه.

فقال مالك، وابن القاسم، وأشهب يجتهد في ذلك الإمام. وقال عبد الملك ـ بن الماجشون ـ: إذا كانت عادته تلك قتل، لأنه جاسوس، وقد قال مالك: يقتل الجاسوس ـ وهو الصحيح لإضراره بالمسلمين وسعيه للفساد في الأرض، ولعل ابن الماجشون إنما اتخذ التكرار في هذا لأن حاطباً أُخِذَ في أول فعله. والله أعلم}[32].

وقال ابن القيم: {واختلف الفقهاء في ذلك، فقال سُحنون: إذا كاتب المسلم أهل الحرب، قتل، ولم يستتب، وماله لورثته، وقال غيره من أصحاب مالك رحمه الله: يجلد جلداً وجيعاً، ويطال حبسه، وينفى من موضع يقرب من الكفار. وقال ابن القاسم: يقتل ولا يعرف لهذا توبة، وهو كالزنديق. وقال الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد رحمهم الله: لا يقتل، والفريقان احتجوا بقصة حاطب}[33].

والحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله وسلم وبارك على الصادق الأمين وعلى آله وصحبه والتابعين.

ã



(1)  سورة الحجرات: 12.
(2)  متفق عليه.
(3)  سورة الأنفال: 42.
(4)  سورة الممتحنة: 1.
(5)  الجامع لأحكام القرآن للقرطبي جـ18/52.
(6)  كتاب المغازي، باب غزوة الفتح وما بعث به حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة يخبرهم بغزو النبي صلى الله عليه وسلم رقم [4274].
(7)  موضع خارج المدينة.
(8)  الظعينة: امرأة.
(9)  العقاص: عقدة الشَّعر.
(10)  سورة الممتحنة: 1.
(11)  جـ7/521.
(12)  المستنصر بالله.
(13)  دل الوزير ابن العلقمي هولاكو عليها وأن يسأله عنها.
(14)  البداية والنهاية للحافظ ابن كثير المجلد السابع جـ13/201 ـ 202.
(15)  سورة المائدة: 51.
(16)  الجامع لأحكام القرآن جـ6/217.
(17)  سورة الممتحنة: 1.   
(18)  هل الذي يتجسس لصالح الكفار ويظاهرهم على المسلمين هل هو متبع للرسول صلى الله عليه وسلم، ومن أدرانا أنه لم ينافق؟
(19)  الآية في غاية الظهور ولا تحتاج إلى أدنى تأويل.
(20)  وهل الولاية الكاملة قاصرة على الرضا بدينهم فقط؟!
(21)  تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور جـ6/230.
(22)  المصدر السابق جـ3/217 ـ 219.
(23)  وهذا هو الصواب والأولى.
(24)  قلت: هذا تحكم لا دليل عليه بل هما صحيحان والله من جهة الدليل ومن جهة النظر.
(25)  سورة الممتحنة: 8.
(26)  آل عمران: 28.
(27)  انظر التحرير والتنوير لابن عاشور جـ6/230 ـ 231.
(28)  سيرة بن هشام جـ1/386.
(29)  شرى: ذاع وانتشر.
(30)  فخضَّرها: أذهب ضوءها.
(31)  السنن الكبرى للبيهقي جـ8/197 وفي سننه الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف الحديث.
(32)  الجامع لأحكام القرآن للقرطبي جـ18/52 ـ 53.
(33)  زاد المعاد لابن القيم جـ5/64 ـ 65.

ã