فتاوى وحكم مالك وأصحابه رحمهم الله في السماع الصوفي

 فتاوى مالك وأصحابه وأتباعه في السماع الصوفي

1. فتوى إمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمه الله

2. فتوى الإمام الطرطوشي

3. فتوى الإمام أبي إسحاق إبراهيم بن موسى القرناطي المالكي الشاطبي

4. فتوى الحفار المالكي في هذه النازلة السابقة

5.فتوى القاضي أبي عمران بن منظور في إمامة المتصوف الذي يضرب الكف ويرقص.

6. فتوى الشيخ أبي الحسن العامري في السماع الصوفي

7. فتوى الشيخ أبي عبد الله السرقسطي عن هذا السماع المشؤوم

8. فتوى ابن لب في فعل هذا الرقص في المساجد

 

من الأمور التي عمت بها البلوى، وفشت بها البدعة، وافتتن بها العام والخاص، وشغلت الكثيرين عن كتاب الله والذكر الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشاب عليها الكبير وشب فيها الصغير، السماع الصوفي، الذي ما أنزل الله به من سلطان، ولم يؤثر عن علم من الأعلام، وإنما زينه الشيطان وحسنه، على الرغم من تحذير الأئمة الأخيار والفقهاء الكبار عنه.

قال الشافعي رحمه الله: "خرجت من بغداد، وخلفت فيها شيئاً أحدثه الزنادقة ليشغلوا به الناس عن كتاب الله يسمونه التغبير1".

وكان الإمام أحمد رحمه الله ينهى أصحابه وتلاميذه ويحذرهم من حضور إنشاد القصائد الزهدية التي كان ابتدعها الحارث المحاسبي.

 أما بعد...

فهذه بعض أقوال إمام الأئمة مالك بن أنس وأصحابه وأئمة وفقهاء المذهب المالكي وحكمهم على السماع الصوفي المحدث ليكون الجميع على بينة من أمرهم، وليعلموا أن السماع الصوفي ليس من الذكر المشروع، وأنه لا يقرب المرء من ربه بل يباعد بينه وبينه كما بين المشرق والمغرب، وحتى لا يظن ظان أن النهي عن السماع الصوفي هو من اختلاق السلفيين ومشايخهم المتأخرين أمثال ابن تيمية وتلاميذه رحمهم الله الذين لا يحبون الرسول صلى الله عليه وسلم كما زعموا!!!، كبرت كلمة تخرج من أفواههم، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حيي عن بينة، ومعذرة إلى الله ولعلهم أو بعضهم يراجع نفسه ويستبدل هذا الأدنى بالذي هو خير حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام يذكرون الله وكأنما على رؤوسهم الطير من الوقار والسكينة. وليعلموا كذلك أنهم في سماعهم هذا، بضربهم الطبول، والصياح والرقص والتواجد، مقتدون بالسامري عندما اتخذ لقومه عجلاً جسداً له خوار فقاموا حواليه يرقصون ويتواجدون فهذه عبادة الزنادقة والذين اشربوا في قلوبهم حب العجل، وليس هذا من الذكر الذي شرعه لنا الله عز وجل على لسان صاحب شريعته، ومبلغ دعوته سيدنا وسيد الأنبياء والمرسلين ونبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم فداه أبي وأمي.

 ã

فتاوى مالك وأصحابه وأتباعه في السماع الصوفي

1. فتوى إمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمه الله

قال الونشريسي المالكي تحت عنوان: (ما أجاب به مالك عن حكم الاجتماع للغناء والرقص2):

{وسئل مالك بن أنس عن الغناء الذي يفعل بالمدينة، فقال: إنما يفعله عندنا الغساق3. وهذا محمول على غناء النساء. وأما الرجال فغناؤهم مذموم أيضاً، بحيث إذا داوم أحد على فعله، أو سماعه سقطت عدالته4، لما فيه من إسقاط المروءة،ومخالفة السلف.

حكى عياض5 عن التنيسي أنه قال: كنا عند مالك وأصحابه حوله. فقال رجل من أهل نصيين: يا أبا عبد الله، عندنا قوم يقال لهم الصوفية، يأكلون كثيراً، ثم يأخذون في القصائد، ثم يقومون فيرقصون.

فقال مالك: أصبيان هم؟! قال: لا. قال: أمجانين هم؟! قال: لا، قوم مشايخ وغير ذلك عقلاء. فقال مالك: ما سمعت أحداً من أهل الإسلام يفعل هذا.

قال الونشريسي: انظر كيف أنكر مالك، وهو إمام السنة أن يكون في أهل الإسلام من يفعل هذا، إلا أن يكون مجنوناً أوصبياً. فهذا بين أنه ليس من شأن الإسلام، ثم يقال: ولو فغلوه على جهة اللعب كما يفعل الصبيان لكان أخف عليهم مع ما فيه من إسقاط الحشمة، وإذهاب المروءة، وترك هدى أهل الإسلام وأرباب العقول، لكنهم يفعلونه على جهة التقرب إلى الله والتعبد به. وأن فاعله أفضل من تاركه، هذا أدهى وأمر، حيث يعتقدون أن اللهو واللعب عبادة، وذلك من أعظم البدع المحرمات، الموقعة في الضلالة، الموجبة للنار}6.

 ã

2. فتوى الإمام الطرطوشي (451 ـ 520 ﻫ)

روى الإمام القرطبي في تفسير قوله تعالى: "فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ" 7:

قال: {سئل الإمام أبو بكر الطرطوشي رحمه الله: ما يقول سيدنا الفقيه في مذهب الصوفية؟ وأعلم ـ حرس الله مدته ـ  أنه اجتمع جماعة من الرجال، فيكثرون من ذكر الله تعالى، وذكر محمد صلى الله عليه وسلم، ثم إنهم يضربون بالقضيب على شيء من الأديم (النوبة) ويقوم بعضهم يرقص ويتواجد حتى يقع مغشياً عليه. ويحضرون شيئاً يأكلونه. هل الحضور معهم جائز أم لا؟ أفتونا مأجورين، وهذا القول الذي يذكرونه:

 يا شيخ كيف عن الذنوب     قـبل التـفرق والزلـل

 واعـمل لنفسك صالحـا    مـا دام ينفـعك العمـل

 أما الشـباب فقد مـضى    ومـشيب رأسك قد نزل

وفي مثل هذا ونحوه.

الجواب: يرحمك الله. مذهب الصوفية بطالة، وجهالة، وضلالة، وما الإسلام إلا كتاب الله وسنة رسوله.

وأما الرقص والتواجد، فأول من أحدثه أصحاب السامري لما اتخذ لهم عجلاً جسداً له خوار، قاموا يرقصون حواليه ويتواجدون، فهو دين الكفار وعباد العجل.

وأما الضرب بالقضيب ـ على الأديم (النوبة) ـ فأول ما اتخذه الزنادقة ليشغلوا به المسلمين عن كتاب الله تعالى، وإنما كان يجلس صلى الله عليه وسلم مع أصحابه كأنما على رؤوسهم الطير من الوقار.

فينبغي للسلطان ونوابه أن يمنعهم من الحضور في المساجد وغيرها، ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم ولا يعينهم على باطلهم.

هذا مذهب مالك وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل وغيرهم من أئمة المسلمين وبالله التوفيق}8.

 ã

3. فتوى الإمام أبي إسحاق إبراهيم بن موسى القرناطي المالكي الشاطبي 9 المتوفى 790 هـ يستنكر فيها ما أحدث في الدين من بدع ومن بينها الطرق10

{سئل الشيخ أبو إسحاق الشاطبي عن حال طائفة ينتمون إلى التصوف ويجتمعون في كثير من الليالي عند واحد من الناس، فيفتتحون المجلس بشيء من الذكر بصوت واحد، ثم ينتقلون بعد ذلك للغناء11 والضرب بالأكف والشطح، هكذا إلى آخر الليل، ويأكلون في أثناء ذلك طعاماً يعده لهم صاحب المنزل، ويحضر معهم بعض الفقهاء12، فإذا تكلم معهم في أفعالهم تلك يقولون: لو كانت هذه الأفعال مذمومة، أو محرمة شرعاً لما حضرها الفقهاء13.

فأجاب:

الجواب والله الموفق للصواب: أن اجتماعهم للذكر على صوت واحد إحدى البدع المحدثات التي لم تكن في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا في زمن الصحابة، ولا من بعدهم، ولا عرف ذلك قط في شرعة محمد عليه السلام، بل هو من البدع التي سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم ضلالة وهي مردودة. ففي الصحيح أنه عليه السلام قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" يعني فهو مردود وغير مقبول، فذلك الذكر الذي يذكرون غير مقبول، وفي رواية: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" وفي الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول في خطبته: "أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة" وفي رواية: "وكل محدثة بدعة: وكل بدعة في النار". وهذا الحديث يدل على أن صاحب البدعة في النار. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.

وأما ما ذكرتم بشأن الفقيهين الإمامين، فليسا بفقيهين14 إذا كانا يحضران شيئاً من ذلك. وحضورهما ذلك على الانتصاب على المشيخة قادح في عدالتهما، فلا يصلى خلف واحد منهما، حتى يتوبا إلى الله من ذلك، ويظهر عليهما أثر التوبة. فإنه لا تجوز الصلاة خلف أهل البدع، نص على ذلك العلماء.

 وعلى الجملة فواجب من كان قادراً على تغيير ذلك المنكر الفاحش، القيام بتغييره، وإخماد نار الفتنة، فإن البدع في الدين هلاك، وهي في الدين أعظم من السُّم في الأبدان، والله الواقي بفضله. والسلام على من يقف على هذا من كاتبه: إبراهيم الشاطبي}15.

 ã

4. فتوى الحفار المالكي في هذه النازلة السابقة

قال الونشريسي:{وأجاب عن السؤال الفقيه الصالح أبو عبد الله الحفار بما نصه: الحمد لله والصلاة على محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. الجواب مستعيناً بالله: أن هذه الطائفة المنتمية إلى التصوف في هذا الزمان، وفي هذه الأقطار، قد عظم الضرر بهم في الدين، وفشت مفسدتهم في بلاد المسلمين، لا سيما في الحصون والقرى البعيدة عن الحضرة، هنالك يظهرون ما انطوى عليه باطلهم من الضلال، من تحليل ما حرم الله، والافتراء عليه وعلى رسوله.

وبالجملة فهم قوم استخلفهم الشيطان على حل عرى الإسلام وإبطاله، وهدم قواعده، ولسنا لبيان حال هؤلاء، فهم أعظم ضرراً على الإسلام من الكفار، وإنما يقع الجواب على حال من ذكر في السؤال على تقدير سلامة عقيدته16، وعدم تعرضه لما دخل فيه غيره ممن ننبه عليه، بل تقتصر على ما ذكر من الغنا وسماعه فحال هذه الطائفة المسؤول عنها أخف بالنسبة إلى الطائفة الأولى وأحسن وما فيهم حسـن، لكنهم قوم جهلة17، ليس لديهم شيء من المعارف، ولا يحسن واحد منهم أن يستنجي، ولا يتوضأ، دع ما سوى ذلك، لا يعرف ما فرض الله عليه.

بهيمة من البهائم في دينه، ويجهل ما أوجب عليه في يومه وليلته، ليس عنده من الدين إلا الغنا والشطح، واكل أموال الناس بالباطل، واعتقاد أنه على شيء. وهذا كله ضلال من وجوه:

أعظمها أنهم يوهمون على عوام المسلمين، ومن لا عقل له من النساء، ومن يشبههن في قلة العقل من الرجال أن هذه الطريقة التي يرتكبونها هي طريقة أولياء الله، وهي من أعظم ما يتقرب به إلى الله فيَضلون ويُضلون، وفي ذلك افتراء على الله، وعلى شريعته وأولياءه18.

قال عمر رضي الله عنه على منبر الرسول صلى الله عليه وسلم بحضرة الصحابة رضي الله عنهم: أيها الناس، قد سنت لكم سنن، وفرضت لكم فرائض، وتركتم على الجادة، إلا أن تميلوا بالناس يميناً وشمالاً، فليس في دين الله، ولا فيما شرع أن يتقرب إليه بغناء ولا شطح، والذكر الذي أمر به، وحث عليه، ومدح الذاكرين له به، هو على الوجه الذي كان يفعله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن على تلك الطريقة19، من الجمع ورفع الصوت على لسان واحد.

إلى أن قال: فسول لهم الشيطان، وزين لهم هذه الطريقة، التي هي لهو ولعب وَلَـبَّسُوا فيها على الجهال بالذكر الذي يفتتحون به مجالسهم، وَلَـبِسُوا المرقعات، ونصبوها شبكة، إذ كانت لباس الخيار من أهل هذه الطريقة20، قبل أن تدخلها البدع والضلالات21، وقالوا لهم:

هذه طريقة الأولياء، وهي أقرب الطرق إلى الله، وإلى نيل رضاه، والكون في جواره في الآخرة. فتهافت الجهال عليها، وأوصلوها إلى ما شاءوا من نيل شهواتهم إلى أقصى الغايات، فالإنسان إذا قيل له: كل وشرب، واشطح وتلذذ بالغنا، واله والعب، طول عمرك، ولا تتعب في عبادة ولا غيرها، ثم مصيرك في الآخرة إلى أعلى الدرجات، مع الأولياء والصالحين، فيرى أن هذه الجنة معجلة، قبل الموعود بها، وأنه قد حصل على ما لا غاية بعده في السعادة، فأي مصيبة أعظم من هذه في إضلال عباد الله؟

فالواجب على من قدر على هؤلاء الذين هم كالأكلة في جنب الدين، أن يمنعهم ويحول بينهم وبين ما هم بسببه، وأن يجليهم عن موضعهم، فهو في ذلك مجاهد مأجور، فمفاسدهم متعددة ديناً ودنيا.

إلى أن قال: وأما حضور الفقهاء معهم، وقولهم: لو كنا على غير طريقة مرضية، لما حضرها الفقهاء معنا؟ فيقال: إن حضور الفقهاء معهم ليس بدليلٍ على الجواز، ولا عدمه دليل على المنع، ولا يعرف الحق بالرجال، بل الرجال الذين يعرفون بالحق، فالفقيه إذا حضر معهم. ووافق واستحسن فعلهم فهو مثلهم، بل هو شر منهم وهو باسم الفسق أولى منه باسم الفقه.

وإن حضر ليرى تلك الطريقة وما تنطوي عليه حتى يحكم بما يشاهد من أحوال أهلها، ثم بعد ذلك يحكم عليها بما يقتضيه علم الفقه، فحضوره حسن. وإن حضر على جهة تفريج النفس، كما يحضر الإنسان مجالس اللهو واللعب، فإن تكرر ذلك منه على هذا الوجه، فذلك مسقط لعدالته}22.

 ã

5.فتوى القاضي أبي عمران بن منظور في إمامة المتصوف الذي يضرب الكف ويرقص.

قال الونشريسي: {وسئل القاضي أبو عمران بن منظور عن إمام قرية، يؤم الناس، وهو يحب طريقة الفقراء، وفي القرية زاوية يجتمع فيها بعض أصحاب القرية ليلة الجمعة، وليلة الاثنين، والإمام المذكور معهم، يستفتحون بـِعُشْر من القرآن، ويبدأون بالذكر الموصوف لهم، فإذا فرغوا منه  يستفتح المداح وأصحابه دائرون عليه، يضربون ويقولون معه، والإمام المذكور يمدح مع المداحين، ويضرب الكف معهم، ويرقص مع الذي يرقص منهم....

فأجاب: تأملت السؤال بمحوله، وقد سئل عن مثله العلماء الفقهاء الذين يقتدى بهم، ويعمل على قولهم، والكل منعوا تلك الطريقة، وقالوا بتبديع مرتكبها، والسنة بخلاف ذلك، والرقص لا يجوز، وهو تلاعب بالدين، وليس من أفعال عباد الله المهتدين. وإمامة من يرى هذا المذهب ويسلك طريقهم لا تجوز.

  إلى أن قال: وأما محبة الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة فيتوصل إليها بغير هذا وهي ساكنة في القلب}23.

 ã

6. فتوى الشيخ أبي الحسن العامري في السماع الصوفي

قال الونشريسي: {وأجاب الشيخ أبو الحسن العامري:

الاجتماع على الذكر إذا كان يذكر كل واحد وحده، وأما على صوت واحد فكرهه مالك. وأما القيام والشطح فمن ظن أنه عبادة فهو جاهل تجب عليه التوبة من ذلك، فإن ناظر على ذلك، وقال: إنه عبادة، فقد خالف الإجماع، ومخالفة الإجماع كفر، فيستتاب، فإن تاب وإلَّا قتل. وكيف يعتقد أن يعبد الله بشطح وهو لهو ولعب؟!}24.

 ã

7. فتوى الشيخ أبي عبد الله السرقسطي عن هذا السماع المشؤوم

قال الونشريسي: {وأجاب أبو عبد الله السرقسطي:

جواب السؤال بمحوله أن طريقة الفقراء في الذكر الجهري على صوت واحد، والرقص والغناء بدعة محدثة، لم تكن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار}25.

 ã

8. فتوى ابن لب في فعل هذا الرقص في المساجد

قال الونشريسي: {سئل ـ ابن لب ـ عن رقص الفقراء في المسجد.

فأجاب:

أما رقص الفقراء في المسجد فإن ذلك مما يجب أن تنزه المساجد عنه، لأنها بيوت الله في أرضه، أسست على التقوى ليتقرب إلى الله فيها بالطاعات ووظائف العبادات قال الله تعالى: "فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ"26.

وما جاء في الحديث من لعب الحبشة في المسجد بالحراب، فقد قال العلماء في ذلك: فقد أبيح لما فيه من المثاقفة، وتدريب الجوارح على معاني الحروب، وهو من باب الإرماء والأخذ في الاستعداد، مع ما كان في ذلك استئلافهم، وتأنيسهم وترك تنفيرهم}27.

هذا قليل من كثير، وغيض من فيض، من فتاوى العلماء المالكيين وغيرهم في بدعية السماع الصوفي، وأنه ليس من الإسلام في شيء، فالكيس الفطن القليل يكفيه، والمعاند المكابر لا شيء ينفع فيه.

الدافع لنا لبيان ذلك النصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم فالدين النصيحة.

فنحن والله بهذا البيان أنصح لكم إخوتي الممارسين لذلك السماع من مشايخكم ومن الذين يجاملونكم من المنتسبين إلى العلم أو ينافقونكم.

ما كان لهـذه البدعة أن تفشو وتنتشـر لولا سكوت العلماء عن ذلك إن رغباً أو رهباً ومشاركة بعض المنتسبين إلى العلم لفاعليها، فالساكت عن بيان الحق شيطان أخرس.

فعليك أخي الحبيب قراءة هذه الفتاوى بتمعن وتجرد، وأن تعمل بمقتضاها من قبل أن يأتي يوم ينقطع فيه العمل، ولا يقبل فيه عذر لمعتذر، واحذر أن تكون ممن قال الله فيهم: "وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا"28  و قال: "وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا* لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولا"29.

واحذر أخي أن تقلد دينك الرجال وعليك أن تدور مع الحق والدليل أنى دار، وأن لا تكون من المقلدين الأشرار، ومن الإمعات الفجار.

قال ابن مسعود رضي الله عنه: {لا يكن أحدكم إمعة يقول: إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساءوا أسأت، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا أن تتجنبوا إساءتهم، فإنه لا أسوة في الشر} أو كما قال.

واعلم أن الحق لا يعرف بالرجال وإنما بالدليل من صاحب الشريعة وبسؤال العلماء ولهذا قال ابن عباس: {لعالم واحد أشد على الشيطان من ألف عابد}.

واعلم كذلك أن الطاعة لا تكون إلا في المعروف وما وافق الشرع.

اللهم هل بلغت؟! اللهم فاشهد.

والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله الذي من أطاعه واتبعه نجا وفاز، ومن خالف أمره خاب وخسر، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان.

 ã

 


(1) التغبير الذي حذر منه الشافعي عبارة عن قصائد زهدية تنشد خالية من الغلو والشركيات ولم يكن مصحوباً بآلات موسيقية كسماع اليوم الذي جله غلو وشركيات، ومصحوب بالآلات الموسيقية ومن أمثلة تغبير السابقين: عبادك المغبرة رش علينا المغفرة.
(2) الصوفي
(3) ويعرفون عندنا في السودان بالصواع، مفردها صائع.
(4) قارن بين قول مالك وأصحابه في غناء الفنانين وبين إباحة القرضاوي ومن شاكله لتعلم الفرق بين فقه السلف وتفلت الخلف
(5) القاضي عياض صاحب كتاب الشفا وغيره
(6) المعيار المعرب، والجامع المغرب عن فتاوى علماء أفريقيا والأندلس والمغرب لأحمد بن يحيى الونشريسي المتوفى في 914 ﻫ جـ11/41
(7) سورة طه: 88
(8) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي جـ12/ 237 ـ 238.
(9) صاحب كتابي الموافقات والاعتصام
(10) تاريخ هذه الفتوى كما جاء في ختامها 786 ﻫ أي قبل وفاته بأربع سنوات
(11) السماع الصوفي
(12) الفتنة في حضور هؤلاء الفقهاء إن كانوا حقاً فقهاء
(13) الحق لا يعرف بالرجال، ولكن يعرف الرجال بدورانهم مع الحق حيث دار
(14) وكذلك من يحضر الحوليات والموالد والاحتفالات البدعية
(15) المعيار المعرب لأحمد بن يحيى الونشريسي جـ11/ 38 ـ 42.
(16) وأنى تسلم عقيدة صوفي يتوسل بالأموات والأحياء ويذبح وينذر ويحلف بهم، ويعتقد أن المشايخ ينفعون ويضرون؟!
(17) لعذر بالجهل لمن إذا عُلِّم وتنبه انتبه وترك ما عليه، أما الذي يجادل عن الباطل ويصنف من ينصحه بالضلال والكفر وعدم محبة الرسول صلى الله عليه وسلم هذا لا يعذر بجهل أبداً
(18) أولياء الله هم العلماء الشرعيون كما قال الإمامان الكبيران والوليان الكاملان أبو حنيفة والشافعي رحمهما الله: إن لم يكن العلماء هم الأولياء فليس لله ولي، ذكر ذلك عنهما ابن الحاج المالكي في كتابه "المدخل" وغير ابن الحاج، لأن من أهم شروط الولاية العلم فالإيمان والتقوى الموصوف بهما الأولياء "أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ" لا يتحققان إلا بالعلم، فأنى لجاهل أن يكون ولياً؟!
(19) طريقة الصوفية المتمثلة في الغناء والسماع الصوفي والذكر بالاسم المفرد والرقص والتواجد، فكل عبادة لم يفعلها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم  فهي ليست بعبادة إذ لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها كما قال مالك الإمام
(20) خير لباس هو لباس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وما كانوا يتعمدون لبس المرقع إلا إذا اضطروا لذلك بل لباس المرقع مكروه كراهية تحريم لأنه لباس شهرة.
(21) طريقـة الصوفية طريقة مبتدعة في الدين ظهرت في أوائل القرن الثاني وقيل في أوائل الثالث كما قال العلماء المحققون لكن بدعة الأوائل تعتبر من أفضل حسنات الأواخر
(22) المعيار المعرب جـ11/42 ـ 45.
(23) المعيار المعرب جـ1/160 ـ 161
(24) المصدر السابق
(25) المصدر السابق.
(26) سورة النور: 36
(27) المعيار المعرب جـ3/252.
(28) سورة الأحزاب: 67 ـ 68.
(29) سورة الفرقان: 27 ـ 29.

 

 ã