سمات الإسلام البديل: لا طعم له ولا
رائحة ولا لون
الكفار يعلمون أن
المسلم، وإن كان منافقاً متظاهراً بالإسلام، من العسير عليه أن يتخلى عن
إسلامه بالكلية من أول وهلة، ولذلك يقبلون منه أن يؤمن ببعض الكتاب ويكفر
ببعض، ولن يتم رضاهم عنه إلا أن يتبع دينهم كما حكم الله عز وجل بذلك: "وَلَن
تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ"[1].
فأعداء الإسلام واقعيون
في عدائهم ومحاربتهم للإسلام، ولذلك لم يزالوا يبحثون عن إسلام بديل
للإسلام الذي تركنا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم لتحقيق مآربهم،
والوصول إلى أغراضهم بأقل خسائر ممكنة. يعينهم على ذلك عملاؤهم من
المنافقين المنتسبين إلى الإسلام، بجانب ما يقوم به الباحثون والمفكرون
منهم المتخصصون في دراسة الإسلام وفرقه المختلفة المستقيمة والمنحرفة منها،
القديمة والجديدة، مع استصحابهم للتاريخ وأحداثـه المتشابهة فالتاريخ يعيد
نفسه، وأحداثه متكررة ومتشابهة وإن بعد الزمان واختلفت الأشخاص إلا أن
الأدوار واحدة.
الإسلام الذي يريده
الكفار والموالون لهم سماه البعض من قبل بـ"الإسلام الأمريكي" ونسميه اليوم
بـ"الإسلام البديل"، فلا مشاحة في المصطلحات إذا كان المدلول واحداً.
الإسلام البديل هذا
توصل إليه أعداء الإسلام بعد دراسة متأنية، واستقراء دقيق كامل للفرق
والجماعات القديمة والحديثة، وللأفكار والعقائد والسلوك لقادة وقواعد تلك
الجماعات، والسمات والخصائص المميزة لكل منها.
قبل الخوض في توضيح وبيان أهم
السمات المميزة للإسلام البديل نود أن نذكر أن الذين تبنوا هذا المشروع
الخطير، وهذا الدين المبدل المهجن الجديد، ليسوا سواء، بل هم متفاوتون
تفاوتاً كبيراً:
·
فمنهم السابق ومنهم
اللاحق، لأن هذا المشروع قديم حديث فأول من تبناه وسعى في تطبيقه ثلة من
العلمانيين المتزين بالإسلام.
·
ومنهم المقتنع بهذا
التبديل الراضي به، ومنهم المستغفل المستغل.
·
ومنهم من تبناه ليساير
الواقع ويمشي مع التيار.
·
وومنهم من تبناه
للمحافظة على ما تبقي من أثارة من خير خوف القضاء على الإسلام بالكلية.
·
ومنهم من يعتقد أنه
يمكن أن تتاح له فرص أكبر لبيان الحق والدعوة إليه، أو هكذا يظنون.
نذكر من يريد أن يقطف
العنب من الشوك بما قاله مالك رحمه الله:
{ما
لم يكن في ذاك اليوم ديناً فلن يكون اليوم ديناً}
و{لا
يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها}.
ã
الإسلام الذي يسوِّق له
الكفار الآن، ويتبناه كثير من الحكام إن لم نقل كلهم، ويراد له أن يكون
البديل لإسلام الوجه واليد واللسان، يتبناه قطاع مقدر وشريحة لا بأس بها من
المسلمين من قبل، البعض تحت مسمى معين والبعض الآخر من غير انتساب لموافقته
لأهوائهم.
وسنشير في هذه العجالة
إلى أهم تلك السمات، وأوضح تلك العلامات لهذا البديل فنقول وبالله التوفيق:
ã
يقوم على أنقاض الإسلام
الذي بعث به محمد صلى الله عليه وسلم الذي كان عليه هو وأصحابه والتابعون
لهم إلى يوم القيامة كما جاء في حديث افتراق هذه الأمة عن معاوية رضي الله
عنه قال: ألا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فينا فقال: "ألا إن من
قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق
على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة وهي الجماعة"[2].
وفي رواية عند أصحاب
السنن عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: قيل: ما الواحدة؟ قال:
"ما أنا عليه وأصحابي اليوم".
ã
يستبدل فيه الذي هو
أدنى بالذي هو خير نتيجة للتنازلات والمساومات والتشبه والتقليد للكفار
ã
لا حظ فيه للاهتمام
بأمر العقيدة وتصحيحها التي هي أس هذا الدين وأصل الأصول فيه، إذ يعتبر أمر
العقيدة عند هؤلاء من المسائل الشخصية، بل لا يتكلم عنها لأن الكلام عن
تصحيح العقيدة وسلامتها من الممارسات الشركية مفرق كما يزعمون، وهم يريدون
لَمَّ الصف والجمع و"اللملمة"، إذ لا فضل في هذا الإسلام البديل بين سلفي
العقيدة، وأشعريها وصوفيها، وعلماني المشرب والمخبر، فالكل سواء، بل وفي
أحيان يقدمون من أخره الله ورسوله ويؤخرون من قدمه الله ورسوله.
ã
هذا البديل حلت فيه
الديموقراطية اللا دينية محل الشورى الإسلامية.
ã
لهذا البديل التلفيق
بين الإسلام وما أفرزته الحضارة المادية الكافرة، أو ما يعبرون عنه بالجمع
بين الأصل والعصر حيث لا جامع بينهما البتة.
ã
هذا البديل الجديد
تتساوى فيه الأديان؛ الحق والباطل منها، الناسخ والمنسوخ، المحفوظ والمبدل،
تحت ما يزعمون "الأديان الإبراهيمية" وإبراهيم عليه السلام ما كان يهودياً
ولا نصرانياً ولكنه كان حنيفاً مسلماً ولهذا عمت البلوى بالدعوات الكفرية
نحو توحيد الأديان، تقارب الأديان، التعايش السلمي بين أصحاب الأديان
السماوية ونحو ذلك من الشعارات الجوفاء، والدعوات الخاسرة.
ã
هذا البديل الجديد
الغلبة فيه للجانب السياسي، على الجوانب الأخرى، ليس السياسة الشرعية التي
جاء بها سيد البرية، ولكنها السياسة القذرة التي يمارسها البطلة والسحرة
السياسيون.
ã
التنازل عن كثير من
الثوابت والمسلمات إذ ليس عند بعض أصحاب هذا الدين مُسَلـَّم سواء الشعائر
التعبدية، أما غير ذلك فكله قابل للأخذ والرد والتبديل كما يزعمون.
ã
لا مكانة في هذا الدين
البديل لعقيدة الولاء والبراء، حيث أضحى البعض يوالون الكفار موالاة كفرية
ويعادون المسلمين معاداة أشد من معاداة الكفار للمسلمين.
من ذلك التجسس على
المسلمين لصالح الكافرين، والقتال تحت رايتهم، وتسليم إخوة العقيدة لهم،
والحكم نيابة عنهم، واتخاذهم بطانة خاصة مع تحذير الله ورسوله للأمة: "لاَ
يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ"3].
ã
لا مكان في هذا الدين
المبدل للجهاد، لا جهاد الدفع دعك من جهاد الطلب حيث اعتبر الجهاد المشروع
إرهاباً.
ã
لا مكان في هذا الدين
الجديد لفريضة الأمر والنهي والنصيحة حيث خلط البعض بين النصيحة المأمور
بها، وإن كانت جهراً، وبين الخروج المسلح المنهي عنه شرعا.
ووسموا النصيحة الجهرية
وإن لم تغن المناصحة سراً
ولو في الممارسات الشركية والمخالفات العقدية، بأنه خروج بالكلام مما جعل
أصحاب الأهواء يستغلون هذه الشبهة ويضربون حولها الطبول.
ã
منافقة المجتمع
ومجاراته فيما يهواه ويتمثل ذلك في الإصرار على إباحة الملاهي: من غناء
وموسيقى وتمثيل وما شابه ذلك (فتاوى وكتابات د. يوسف القرضاوي أنموذجاً)
حيث لم يقنع بكتابه "الحلال والحرام" حتى أراد أن يشهد أكبر عدد من
المسلمين على خرقه إجماع الأمة في تحليل ما حرم الله عز وجل.
ã
القيادة في هذا الدين
البديل والريادة للمفكرين الإسلاميين والمستنيرين وليست للفقهاء الحكماء
الربانيين.
ã
من سمات هذا النظام
العالمي الجديد، أو الدين البديل أن رضا الكفار، والحكام، والمجتمع مقدم
فيه على رضا الرب سبحانه وتعالى.
ã
حلت فيه وتحل القوانين
الوضعية محل الأحكام الشرعية.
ã
المميز لهذا الدين
البديل تتبع الرخص والزلات والهفوات والأقوال الشاذة على ما أجمع عليه أهل
الإسلام مع تحذير أهل العلم عن هذا السلوك المشين:
{من
تتبع رخص العلماء وزلا تهم تزندق أو كاد وتجمع فيه الشر كله}
كما قال الإمام سليمان التميمي رحمه الله.
ã
لا فرق في هذا البديل
بين السنة والبدعة، بل ربما فضل أهل البدع والأهواء على أهل السنة الحنفاء.
ã
السمة الجامعة المانعة
لهذا البديل والإسلام الجديد: أنه لا طعم له، ولا رائحة، ولا لون فهو دين
فضفاض يسع جميع أهل الأديان السماوية المحرفة بل والأرضية.
ã
يكتفى فيه من الإسلام
الحق بالنكهة والمزاج، التي يسمونها ظلماً وعدواناً بمقاصد الشريعة، بعد أن
ضيعوا أصل الشريعة.
ã
الهدف من هذا البديل
نقض عرى الإسلام عروة عروة كما أخبر الصادق المصدوق بدءً بالحكم وانتهاء
بالصلاة، شعر المنخدعون بذلك والمستغفلون أم لم يشعروا، حتى يصبح المسلمون
مثل النصارى مصداقاً لقوله تعالى: "وَلاَ
يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ
اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ
كَافِرٌ"[4].
وأخيراً أرجو من إخواني
المنتسبين للعلم الذين خدعوا بهذا البديل أن يراجعوا أنفسهم وأن يحاسبوها،
وأحذر نفسي وإياهم من الاستنكاف من قبول النصيحة ولو جاءتهم ممن هو دونهم،
وأن يحذروا من الاعتداد بالآراء فإنه من المهلكات، وأن ينتبهوا لأحد أصنام
هذا العصر مصلحة الدعوة التي يخشى أن تكون ستاراً لمصالحنا الذائبة
الفانية.
اللهم ردنا إليك جميعاً
رداً جميلاً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه والباطل باطلاً وارزقنا
اجتنابه، ونعوذ بك من الحور بعد الكور، ومن الضلال بعد الهدى وصلى الله
وسلم على نبينا محمد وعل آله وصحبه والتابعين لهم إلى يوم الدين.
(2)
صحيح سنن أبي داود للألباني رقم [4597].
ã
|