هل تعلم أخي الصائم أن الغيبة وأخواتها مذهبات بأجر صيامك بل مبطلات له؟!

المذهب الأول: عليه القضاء

المذهب الثاني: لا تبطل الصوم وتوجب القضاء وإن ذهبت بأجره وثوابه

 

الحمد لله العلي الأعلى، وصلى الله وسلم على النبي المصطفى، والرسول المجتبى وعلى آله وصحبه الكرام البررة وعلى من سار على دربهم واقتفى أثرهم إلى يوم المنتهى.

مفسدات الصوم ومفطراته نوعان:

1. حسية: كالأكل، والشرب، والجماع.

2. معنوية: كالغيبة، والنميمة، والكذب وشهادة الزور...الخ.

المفطرات والمفسدات المعنوية أشد خطراً، وأعظم ضرراً على الصائم لصعوبة الاحتراز منها وتهاون الكثيرين بها، ومن العجيب الغريب أن يحترز الصائم من المفطرات الحسية التي هي حلال عليه في كل العام وفي ليالي رمضان ولا يحذر من المفطرات المعنوية التي هي محرمة عليه في رمضان وفي غير رمضان.

أما بعد...

فهذا بحث موجز عن مذاهب العلماء في إفساد الصوم وإبطاله والأمر بقضائه بالغيبة والنميمة وأخواتها فأقول وبالله التوفيق.

بعد أن أجمع أهل العلم واتفقوا على أن الغيبة ذاهبة بأجر الصوم وثوابه، اختلفوا في إفساده وإبطاله بحيث هل يجب على المغتاب في يوم من أيام رمضان قضاء أم تبرأ ذمته بذلك الصيام مع خلوه من الأجر والثواب على قولين هما:

  بداية الصفحة 

المذهب الأول: عليه القضاء

ومن ذهب إلى ذلك من الصحابة أنس بن مالك، ومن التابعين ومن بعدهم: مجاهد، وحفصة بنت سيرين، وميمون بن مهران، وعَبيدة السلماني، وأبو العالية، والأوزاعي، وابن حزم الظاهري رحم الله الجميع.

أدلة هذا الفريق

استدل هذا الفريق على بطلان صوم المغتاب وعلى فطره بالآتي:

 (1) السنة منها

1. بحديث أبي هريرة رضي الله عنه يرفعه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم: "مَنْ لَم يَدَع قولَ الزور والعملَ به، فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه"1.

2. وعن أبي هريرة رضي الله عنه كذلك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر"2.

3. وعنه كذلك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس الصيام من الأكل والشرب فقط، الصيام من اللغو والرفث"3.

هذا بجانب حديث مردود باطل كما قال النووي في المجموع4 "خمس يفطرن الصائم: الغيبة، والنميمة والكذب، والقـُيْـلة، واليمين الغموس".

(2) الآثار

كذلك استدل المبطلون لصوم المغتاب وفطره بعدد من الآثار منها5:

1. عن أنس رضي الله عنه قال: (إذا اغتاب الصائم افطر)6.

2. وعن مجاهد رحمه الله قال: (ما أصاب الصائم شوىً7 إلا الغيبة والكذب).

3. وعن حفصة بنت سيرين رحمها الله قالت: (الصيام جُنَّة، ما لم يخرقها صاحبها، وخرقها الغيبة)8.

4. وعن ميمون بن مهران رحمه الله: (إن أهون الصيام ترك الطعام والشراب)9.

5. وعن عَبيدة السلماني رحمه الله قال: (اتقوا المُفْطِرَين: الغيبة والكذب)10.

6. وعن أبي العالية رحمه الله قال: (الصائم في عبادة ما لم يغتب، وإن كان نائماً على فراشه)11.

7. وعن إبراهيم النخعي رحمه الله قال: كانوا يقولون: (الكذب يفطر الصائم)12.

(3) الغيبة شر من الحدث والخبث

بل من أهل العلم من أمر بإعادة الوضوء من الغيبة وعدها من مبطلاته بل هي عند بعضهم أشد من الحدث والخبث، منهم:

1. عن عائشة رضي الله عنها قالت: (يتوضأ أحدكم من الطعام الطيب، ولا يتوضأ من الكلمة الخبيثة)13.

2. وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (لأن أتوضأ من كلمة خبيثة أحب إليَّ من أن أتوضأ من طعام طيب)14.

3. وعن ابن عباس وعائشة رضي الله عنهما قالا: (الحدث حدثان: حدث من فيك، وحدث من نومك، وحدث الفم أشد: الكذب والغيبة)15.

4. وعن محمد بن سيرين رحمه الله قال: قلت لعَبيدة: مما يعاد الوضوء؟ قال: (من الحدث وأذى المسلم)16.

5. وعن أيوب بن سيرين رحمه الله أن شيخاً من الأنصار كان يمر بمجلس لهم، فيقول: (أعيدوا الوضوء، فإن بعض ما تقولون شر من الحدث)17.

6. وعن الحارث قال: كنت آخذاً بيد إبراهيم، فذكرت رجلاً فاغتبته، قال: فقال: (ارجع فتوضأ، كانوا يعدون هذا هجراً)18.

7. وعن موسى ابن أبي الفرات قال: سأل رجلان عطاء، فقالا: مر بنا رجل فقلنا: (المخنث) قال: (قلتما له قبل أن تصليا، أو بعد ما صليتما؟ قالا: بعد ما صلينا. فقال: توضآ، وأعيدا الصلاة، فإنه لم يكن لكما صلاة)19.

8. وعن رجاء بن أبي سلمة قال: قلت لمجاهد: (يا أبا الحجاج، الغيبة تنقض الوضوء؟ قال: نعم، وتفطر الصائم)20.

قلت: إذا كانت  الغيبة تبطل الوضوء وتوجب الإعادة فمن باب أولى وبالأحرى أن تبطل الصوم والله أعلم.

  بداية الصفحة 

 المذهب الثاني: لا تبطل الصوم وتوجب القضاء وإن ذهبت بأجره وثوابه

وإلى هذا القول ذهب الأئمة الأربعة: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد ومن وافقهم.

وأوَلـُوا الأحاديث السابقة بأنها تبطل ثواب الصائم لا نفس الصوم وهذا التأويل فيه نظر.

قال أحمد رحمه الله: (لو كانت الغيبة تبطل الصوم ما كان لأحد صوم).

أقوال العلماء في ذلك

1. قال الشيرازي الشافعي في "المهذب": (وينبغي للصائم أن ينزه صومه عن الغيبة والشتم، فإن شوتم قال: إني صائم لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: "إذا كان أحدكم صائماً فلا يرفث21، ولا يجهلن فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم22"23).

2. وقال النووي رحمه الله في شرح ما قال الشيرازي: (قول المصنف ينبغي للصائم أن يتنزه عن الغيبة والشتم معناه: يتأكد التنزه عن ذلك في حق الصائم أكثر من غيره للحديث، وإلا فغير الصائم ينبغي له ذلك أيضاً، ويؤمر به في كل حال، والتنزه التباعد، ولو اغتاب في صومه عصى، ولم يبطل صومه عندنا24 وبه قال: مالك، وأبو حنيفة وأحمد، والعلماء كافة25 إلا الأوزاعي، فقال: يبطل الصوم بالغيبة ويجب قضاؤه، واحتج بحديث أبي هريرة...

إلى أن قال: وأجاب أصحابنا عن هذه الأحاديث...بأن المراد أن كمال الصوم وفضيلته المطلوبة، إنما يكون بصيانته عن اللغو والكلام الرديء، لا أن الصوم يبطل به.

 إلى أن قال: وأجاب عنه الماوردي والمتولي وغيرهما بأن المراد بطلان الثواب لا نفس الصوم)26.

3. من الذين نصروا المذهب الأول ابن حزم الظاهري رحمه الله.

قال:

(مسألة: ويُبطل الصوم أيضاً تعمد أي معصية ـ أي معصية كانت لا تحاش شيئاً ـ إذا فعلها عامداً ذاكراً لصومه، كمباشرة من لا يحل له من أنثى أو ذكر، أو تقبيل غير امرأته وأمته المباحتين له، من أنثى أو ذكر، أو إتيان في دبر امرأته أو أمته أو غيرهما، أو كذب، أو غيبة، أو نميمة، أو تعمد ترك صلاة، أو ظلم، أو غير ذلك من كل ما حرم على المرء فعله.

ثم قال بعد أن ذكر الأحاديث والآثار التي مرت: فنهى عليه السلام عن الرفث والجهل في الصوم، فكان من فعل شيئاً من ذلك ـ عامداً ذاكراً لصومه ـ لم يصم كما أمر، ومن لم يصم كما أمر فلم يصم، لأنه لم يأت بالصيام الذي أمره الله تعالى به، وهو السالم من الرفث والجهل، وهما اسمان يعمان كل معصية، وأخبر عليه السلام أن من لم يدع القول الباطل ـ وهو الزور ـ ولم يدع العمل به فلا حاجة لله تعالى في ترك طعامه وشرابه، فصح أن الله تعالى، لا يرضى صومه ذلك، ولا يتقبله، وإذا لم يرضه ولا قبله فهو باطل ساقط، وأخبر عليه السلام أن المغتابة مفطرة27، وهذا لا يسع أحداً خلافه.

وقد كابر بعضهم فقال: إنما يبطل أجره لا صومه! قال: فكان هذا في غاية السخافة28، وبالضرورة يدري كل ذي حس أن كل عمل أحبط الله تعالى أجر عامله فإنه تعالى لم يحتسب له بذلك ولا قـَبله، وهذا هو البطلان بعينه. وبهذا يقول السلف الطيب)29.

أخي المسلم، هداني الله وإياك، صن صيامك من الرفث وقول الزور والعمل به، واحفظ جوارحك كلها في كل وقت وحين سيما في يوم صومك وعلى وجه الخصوص جوارح: الفَرْج، واللسان والبصر والسمع، "فالعين تزني وزناها البصر" كما أخبر رسولنا الكريم.

وليكن حذرك أشد وخوفك أكبر من الغيبة والنميمة والكذب وشهادة الزور وما شاكلها من الكبائر المحرمات فأمر اختلف أهل العلم فيه، هل يبطل الصيام ويوجب القضاء أم لا، بعد إجماعهم على أنه ذاهب بكل أجر الصيام فحري بنا أن نخافه ونحذره ولهذا كان بعض السلف إن كان صائماً يدخل المسجد أو البيت ولا يخرج منه إلا للصلاة صوناً لصومهم وحذراً من آفات اللسان وغيره وإليك نماذج من ذلك:

1. عن أبي المتوكل الناجي قال: (كان أبو هريرة وأصحابه إذا صاموا جلسوا في المسجد، قالوا نطهر صيامنا)30.

2. وعن طليق بن قيس قال: قال أبو ذر رضي الله عنه: (إذا صمت فتحفظ ما استطعت) فكان طليق إذا كان يوم صيامه دخل، فلم يخرج إلا إلى الصلاة.

ورحم الله القائل:

إذا لـم يكن في السمـع مني تصـون    وفي بصري غض وفي منطقي صمت

فحظي إذا من صومي الجوع والظمـأ    وإن قلـت إني صمت يوماً فما صمت

اللهم بارك لنا فيما تبقى من شعبان، وبلغنا رمضان هذا وغيره من الرمضانات، وأعنا على الصيام والقيام، وعلى حفظ جوارحنا من الرفث وقول الزور والغيبة والبهتان، واجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

اللهم اختم لنا بخير واجعل عاقبة أمورنا كلها إلى خير وصلى الله على الهادي البشير أفضل من صلى وتصدق وصام وحج وقام وعلى آله وصحبه والتابعين وعنا معهم بعفوك وكرمك يا جواد يا كريم والحمد لله الذي به تتم الصالحات وتفرج الكربات وتغفر الذنوب والزلات.

  بداية الصفحة