أيها المحسنون احذروا طبع الإمساكيات وتوزيعها في رمضان لمخالفتها للقرآن ولسنة ولد عدنان صلى الله عليه وسلم

الحسنة بين سيئتين

من شك في طلوع الفجر أكل وشرب حتى يتبين طلوعه

من شك في غروب الشمس أمسك

 

يحرص كثير من أصحاب الشركات والمؤسسات ـ بغرض الدعايةـ وبعض الأفراد على طبع الإمساكيات وتوزيعها على الصائمين في المساجد في رمضان وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، وما علموا أن طبع هذه الإمساكيات وتوزيعها على الصائمين فيه مخالفة واضحة ورد بين لقوله تعالى: "وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ"1، ولقوله صلى الله عليه وسلم:" لا يغرنكم آذان بلال2 ولا هذا العارض3 لعمود الصبح حتى يستطير"4، لأن الإمساكيات تأمر الصائمين بالإمساك عن الأكل والشرب قبل طلوع الفجر الصادق والله ورسوله يبيحان ويرغبان في الأكل والشرب إلى طلوع الفجر، ويرغبان في تأخير السحور.

قال أحمد رحمه الله: (يعجبني تأخير السحور، لما روى زيد بم ثابت، قال: "تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قمنا إلى الصلاة. قلت5: كم كان قدر ذلك؟ قال: خمسين آية"6).

ومعلوم أن قراءة الخمسين آية لا تستغرق أكثر من بضع دقائق.

فعلى المحسنين إذا أرادوا عمل شيء أن يسألوا أهل العلم عن ذلك الشيء هل هو مشروع أم لا فقد أمر الله العامة بسؤال الخاصة فقال: "فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ"7.

فلا يزال الناس بخير ما أطاعوا العلماء ولم يستنكفوا عن سؤالهم واتخذوهم رواداً وقواداً لهم. وحذروا من التقليد لما اعتادوه من غير تثبت من أن هذا المعتاد أمر شرعي.

 الحسنة بين سيئتين

الناس في السحور وسط وطرفا نقيض:

1. منهم من يمسك قبل الفجر، بقليل أو كثير من باب التحوط والحذر.

2. ومنهم من يستمر يأكل وبشرب حتى إقامة الصلاة أخذاً ببعض الترخصات التي صدرت من بعض سلف هذه الأمة.

وهذان هما طرفا النقيض.

3. والوسط وهم المتمسكون بقول العامة من أهل العلم حيث يمسكون بمجرد سماع كلمة (الله أكبر) من الآذان الثاني، اللهم إلا إن كان المرء يعلم أن هذا المؤذن يؤذن قبل طلوع الفجر الصادق.

الذين يحذرون ويحتاطون ويمسكون قبل طلوع الفجر بحين يرد عليهم بأنهم ليسوا أتقى وأحرص من صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام والسلف العظام الذين ما كان يحول بينهم وبين الأكل والشرب إلا طلوع الفجر المستطير في الأفق.

أما أولئك الذين يأكلون ويشربون بعد سماع الآذان الثاني وإلى أن تقام الصلاة فحجتهم فعل وترخص بعض السلف الصالح في ذلك نحو ما ورد عن8:

  • علي رضي الله عنه أنه قال حين صلى الفجر": (الآن حين تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود).

  • حذيفة رضي الله عنه حيث روي عنه أنه لما طلع الفجر تسحر ثم صلى.

  • ابن مسعود رضي الله عنه روي عنه كذلك أنه فعل هذا.

  • مسروق بن الأجدع التابعي رحمه الله روي عنه أنه قال: (لم يكونوا يعدون الفجر فجركم، إنما كانوا يعدون الفجر الذي يملأ البيوت والطرق).

  • إسحاق بن راهويه قال: (لا قضاء على من أكل في الوقت الذي قاله هؤلاء).

أما العامة من أهل العلم من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة المقتدى بهم وغيرهم، وهم الوسط، فقد ذهبوا إلى الإمساك عن جميع المفطرات بطلوع الفجر.

قال النووي رحمه الله: (هذا الذي ذكرناه من الدخول في الصوم بطلوع الفجر، وتحريم الطعام والشراب والجماع هو مذهبنا9 ومذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.

قال ابن المنذر: وبه قال عمر بن الخطاب وابن عباس، وعلماء الأمصار . قال: وبه نقول)10.

رد العامة من العلماء على المجوزين للأكل والشرب بعد طلوع الفجر الصادق بالأحاديث الصحيحة الصريحة المتظاهرة وهي11:

1. عن عدي بن حاتم رضي الله عنه المتفق عليه قال: (لما نزلت "وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ" قلت: يا رسول الله إني أجعل تحت وسادتي عقالين12، عقالاً أبيض، وعقالاً أسود، أعرف الليل من النهار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن وسادك لعريض، إنما هو سواد الليل وبياض النهار").

2. وعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: (أنزلت "وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ " ولم ينزل "مِنَ الْفَجْرِ" وكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود ولا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما. فأنزل الله تعالى "مِنَ الْفَجْرِ" فعلموا أنه يعني الليل من النهار)13.

3. وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"لا يغرنكم آذان بلال14 ولا هذا العارض لعمود الصبح حتى يستطير"15).

4. وعن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يمنعن أحدكم ـ أو أحداً منكم ـ أذان بلال من سحوره، فإنه يؤذن أو ينادي بليل ليرجع قائمكم، ولينبه نائمكم، وليس أن يقول؛ الفجر أو الصبح، وقال بأصابعه ورفعهما إلى فوق وطأطأ إلى أسفل حتى يقول هكذا، وقال بسبابتيه إحداهما فوق الأخرى ثم مدهما عن يمينه وشماله"16.

من شك في طلوع الفجر أكل وشرب حتى يتبين طلوعه

قولان لأهل العلم:

1. يأكل ويشرب سوى الجماع حتى يستيقن طلوعه، استصحاباً لبقاء الليل وهذا مذهب العامة من أهل العلم وقد استدلوا بالآتي:

  • بما صح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (كل ما شككتَ حتى يتبين لك)17.

  • وفي رواية قال رجل لابن عباس: إني أتسحر فإذا شككتُ أمسكتُ. فقال ابن عباس: (كل ما شككت حتى لا تشك).

  • أرسل ابن عباس رجلين ينظران الفجر، فقال أحدهما: أصبحتَ، وقال الآخر: لا. قال: (اختلفتما أرني شرابي)18.

قال النووي: (وروي هذا عن أبي بكر الصديق، وعمر، وابن عمر رضي الله عنهم. وقول ابن عباس: أرني شرابي جار على القاعدة أنه يحل له الشرب والأكل حتى يتبن الفجر والله أعلم.

وقد اتفق أصحابنا على جواز الأكل للشاك في طلوع الفجر، وصرحوا بذلك، فممن صرح به الماوردي، والدارمي، والبنذينجي، وخلائق لا يحصون)19.

2. وذهب مالك إلى تحريم الأكل والشرب على الشاك وأوجب عليه القضاء إن أكل أو شرب وهو شاك.

والراجح القول الأول.

قال النووي: (وأما قول الغزالي في "الوسيط": لا يجوز الأكل هجوماً في أول النهار، وقول المتولي في مسألة السحور: لا يجوز للشاك في طلوع الفجر أن يتسحر فلعلهما أرادا بقولهما لا يجوز، أنه ليس مباحاً مستوي الطرفين، بل الأولى تركه. فإن أرادا به تحريم الأكل على الشاك في طلوع الفجر، فهو غلط مخالف للقرآن ولابن عباس ولجميع الأصحاب، بل جماهير العلماء.

ولا نعرف أحدا من العلماء قال بتحريمه إلا مالك فإنه حرمه وأوجب القضاء على من أكل شاكاً في الفجر.

وذكر ابن المنذر في "الإشراف" باباً ي إباحة الأكل للشاك في الفجر فحكاه عن أبي بكر الصديق، وابن عمر، وابن عباس، وعطاء، والأوزاعي، وأصحاب الرأي20، وأحمد، وأبي ثور، واختاره. ولم ينقل المنع إلا عن مالك والله أعلم.

قال الماوردي وغيره: (والأفضل للشاك ألا يأكل ولا يفعل غيره من ممنوعات الصوم احتياطاً)21.

وقال ابن قدامة رحمه الله: (قال أبو داود: قال أبو عبد الله22: إذا شك في الفجر يأكل حتى يستيقن طلوعه. وهذا قول ابن عباس، وعطاء، والأوزاعي. قال أحمد: يقول الله تعالى: "وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ"23 وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال ولا الفجر المستطيل، ولكن الفجر المستطير في الأفق" قال الترمذي24: هذا حديث حسن)25.

من شك في غروب الشمس أمسك

من شك في غروب الشمس امسك لأن الأصل بقاء النهار حتى يستيقن غروبها إلا إذا غلب على ظنه غروبها بقرينة واضحة. وإن لم يغلب على ظنه فأفطر فعليه القضاء.

قال النووي رحمه الله: (وينبغي للصائم ألا يأكل حتى يتيقن غروب الشمس، فلو غلب على ظنه غروبها باجتهاد بورد أو غيرها جاز له الأكل على الصحيح الذي قطع به الأكثرون)26.

اللهم فقهنا في الدين وعلمنا التأويل.

واعلم أخي الحبيب أن الخير كل الخير في الاتباع والشر الذي ليس بعده شر في الابتداع في دين الله ما لم يأذن به سلطاناً.

والحمد لله أولاً وآخراً والصلاة والسلام التامين الكاملين على خير الورى وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان.

  ã