أيها الحكام
احذروا التصرف في مال الله بغير حق
"رب متخوض1
في مال الله فيما شاءت نفسه له النار غداً"2
سلوك الرسول الكريم، والخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين،
في المال العام
1. سلوك الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم
2. أبو بكر
الصديق رضي الله عنه
3. عمر بن الخطاب
رضي الله عنه
4. علي ابن
أبن طالب رضي الله عنه
5. عمر بن عبد
العزيز رحمه الله
عزوف عمر رضي الله عنه عن شعراء المديح وحجبه لهم من الدخول
عليه
عطايا
الأمراء المسرفين للشعراء المداحين
هذا الدين يقوم على الحق والعدل، على مبدأ الحقوق والواجبات
بين الخالق والمخلوقين، فمن حق الخالق على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به
شيئاً، ومن حقهم عليه إذا فعلوا ذلك ألا يعذبهم بالنار.
وبين الراعي والرعية كذلك.
فمن حق الرعية على الراعي رعاية وحماية بيضة الدين، ورعاية
حقوق الأمة جمعاء ويتمثل ذلك في تطبيق شرع الله فيهم، والعدل في القضية،
والحكم بالسوية، وعدم التخوض في مال الله وإنفاقه في غير مصارفه الشرعية.
فإن هو فعل ذلك فمن حقه عليهم أن يطيعوه بالمعروف وينصروه
ويعينوه على القيام بمسؤولياته.
وهكذا الحال في جميع الأمور، فالعلاقة بين الزوجين وبين
الوالدين والأبناء وغيرهم تقوم على مبدأ الحقوق والواجبات وهو العدل الذي
قامت عليه الأرض والسماوات وبه صلاح الدنيا والآخرة.
وما من خلل يصيب هذا المبدأ إلا وينتج منه فساد كبير وضرر
عظيم.
من الأمور التي حدث فيها تجاوز كبير في هذا العصر تخوض
وتصرف كثير من الحكام ومن يليهم من الأعوان والقرابات في مال الله ـ المال
العام ـ فيما شاءت أنفسهم بغير حق على الرغم من الوعيد الشديد والتحذير
الأكيد من الشارع الحكيم عن هذا السلوك بلسان الحال والمقال، وسلوك خلفائه
الراشدين والحكام الصالحين من بعدهم، من ذلك:
1. قوله صلى الله عليه وسلم: "رب متخوض في مال الله فيما
شاءت نفسه له النار غداً"3.
2. وقوله كذلك: "ما من عبد يسترعيه الله رعية، يموت يوم
يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة"4.
3. وقوله كذلك: "إن المقسطين عند الله على منابر من نور:
الذين يعدلون في حكمهم، وأهليهم، وما ولوا"5.
4. وقوله كذلك: "لن تزول قدما ابن آدم عن الصراط حتى يسأل
عن أربع: منها وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه"6.
إذا كان هذا في مال المرء الخاص فكيف يكون الأمر بالنسبة
للمال العام؟؟ لا شك أن الأمر أدهى وأمر.
يظهر التخوض في المال العام في الآتي:
1. في الترف الذي يعيشه الحكام مقارنة بما عليه الرعية من
الضيق والضنك.
2. عدم ترشيد الإنفاق.
3. عدم محاسبة المفسدين في الأرض ممثلة في اختلاسات أرقام
فلكية وقروض خرافية من المصارف العامة مما شجع الكثيرين على التجرؤ على
المال العام.
4. دعم ورعاية أهل البدع والإنفاق عليهم سراً وعلناً.
5. رعاية الفسقة من الفنانين والممثلين واللاعبين7
ومن شاكلهم وإغداق الأموال الطائلة والجوائز السنية وفي المقابل إهمال
للعلماء الأخيار والفقراء والمرضى والمعوزين.
6. المشاركة والدعم في بناء القباب وهي من أخطر ذرائع الشرك
مع نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن البناء على القبور بل وتجصيصها ورفعها
عن الأرض، وكذلك دعم الحوليات والاحتفالات البدعية.
هذا بجانب القصور البين في جانب الصحة والتعليم والخدمات
العامة والمرافق الحيوية التي يحتاجها المسلمون وينتفع بها من هم في أمس
الحاجة إليها.
ã
سلوك الرسول الكريم، والخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين، في المال العام
سنعرض في هذه العجالة نماذج لسلوك بعض الخلفاء الراشدين
والأئمة المهديين في المال العام، ومكانة أهل الفسق والفجور عندهم مقارنة
بتخوض كثير من حكام المسلمين هدانا الله وإياهم سبل السلام في المال العام،
وإغداقه وإنفاقه على الفسقة والمرتزقة من الأنام لنعلم الفرق الشاسع والبون
الواسع بيننا وبين سلفنا الصالح في كل المجالات، وبضدها تتميز الأشياء ولعل
يكون في ذلك ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
ã
1. سلوك
الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم
وسنكتفي بأنموذج واحد وهو عندما جيء بسبي لرسول الله صلى
الله عليه وسلم بالمدينة جاءت فاطمة رضي الله عنها طالبة خادمة تعينها على
الخدمة فقد أثرت الرحا في يديها، وقد أشار إليها بذلك علي رضي الله عنه
ولكن الرسول الكريم لم يحابها فقال: "والله لا أعطيك وأترك أهل الصفة
يموتون جوعاً" أو كما قال. وأرشدهما هي وزوجها أن يقولا إذا أويا إلى
فراشهما: سبحان الله ثلاثاً وثلاثين، والحمد لله ثلاثاً وثلاثين، والله
أكبر مثل ذلك.
وكانت فاطمة وزوجها من فقراء المسلمين.
روى الإمام أحمد في مسنده8
بسنده عن عمران بن الحصين أن النبي صلى الله عليه وسلم عاد فاطمة وهي مريضة
فقال لها: كيف تجدينك يا بنية؟ قالت: إني لوجعة، وإنه ليزيدني أنه مالي
طعام آكله. قال: "يا بنية أما ترضين أنك سيدة نساء العالمين".
ã
2. أبو بكر الصديق رضي الله عنه
لما احتضر أبو بكر رضي الله عنه قال لعائشة رضي الله عنها:
(يا بنية إني أصبت من مال المسلمين هذه العباءة، وهذا الحلاب، وهذا العبد،
فأسرعي به إلى ابن الخطاب).
ومع ذلك كان يقول: (والله لوددت أني كنت شجرة تؤكل وتعضد)
وقال: (ليتني خضرة تأكلني الدواب).
ã
3.
عمر بن الخطاب رضي الله عنه
لقد حج عمر رضي الله عنه عشر حجات وكان منزله تحت ظل شجرة
وقال لغلامه مرة في موسم الحج: كم أنفقت في هذا الموسم؟ قال: ثمانية عشر
ديناراً. قال: ويحك، أجحفنا بيت مال المسلمين.
ولهذا عندما طلب أبو جعفر المنصور أن يقابل سفيان الثوري في
الموسم واجتهد في ذلك، قال له مباشرة: كم أنفقت في سفرك هذا؟ قال: لا أدري،
لي أمناء ووكلاء، قال سفيان: فما عذرك إذا وقفت بين يدي الله تعالى، فسألك
عن ذلك.
ثم ذكره بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رب متخوض في
مال الله ومال رسول الله فيما شاءت نفسه له النار غداً".
فقال أبو عبيد الكاتب: أمير المؤمنين يستقبل بمثل هذا؟ فقال
له سفيان: اسكت أنت، إنما أهلك فرعونَ هامانُ، وهامانَ فرعونُ.
ã
4. علي ابن أبن طالب رضي الله
عنه
عندما كان أميراً للمسلمين قدم عليه أخوه عقيل بالكوفة
طالباً سداد دين كان عليه فقال له: ليس لك في بيت المسلمين حق ولكن عندي
مائتي درهم أقاسمك إياها.
ã
5. عمر بن عبد العزيز رحمه الله
نماذج من حرص عمر بن عبد
العزيز على أموال المسلمين وعدم إنفاقها إلا على وجوه الشرع
اهتمام عمر بن عبد العزيز
بالمساكين وإيثاره لهم على غيرهم
-
قال رياح بن عبيدة الباهلي: (كنت عند عمر بن عبد العزيز
فجاء أعرابي فقال: يا أمير المؤمنين، جاءت بي إليك الحاجة، وانتهت بي
الفاقة ـ أو قال الغاية ـ والله سائلك عني يوم القيامة. فقال: ويحك، أعد
عليَّ، فأعاد عليه، فنكَّس عمر رأسه وأرسل دموعه حتى ابتلت الأرض، ثم رفع
رأسه وقال: ويحكم كم أنتم؟ قال: أنا وثمان بنات، ففرض له على ثلاثمائة،
وفرض للبنات على مائة، وأعطاه مائة درهم وقال: هذه المائة أعطيتك من مالي
وليس من مال المسلمين، اذهب فاستنفقها حتى تخرج أعطيات المسلمين فتأخذ
معهم)9.
-
وروى يعقوب عن أبيه قال: (دخل على عمر بن عبد العزيز من
أهل الشام شيخ جليل، فقال: يا أمير المؤمنين، إني دخلت مصر مع مروان،
وغزوت دير الجماجم، وغزوت كذا وغزوت كذا فتأمر لي بشيء. فقال: اجلس أيها
الشيخ، ويثور غلام من الأنصار، فقال: يا أمير المؤمنين أنا فلان بن فلان،
أبي ممن شهد العقبة وشهد بدراً وأحداً ـ حتى ذكر مغازي. فقال عمر: أين
الشيخ الذي ذكر ما ذكر؟ قال: فجثى الشيخ على ركبتيه ـ أو قام ـ فقال: ها
هو ذا أنا يا أمير المؤمنين. فقال: هذه المكارم لا ما تعده أيها الشيخ
منذ اليوم:
تلك المكارم لا قعيان من لبن شيباً بماء فصـارا بعد
أبوالا
خذوا حاجة الفتى)10.
هذا والله هو الفقه الحق أن لا يقدم عمل مهما كان على سد
رمق الفقراء والمساكين، فهم أولى الخلق بهذه الأموال لأنهم هم أهلها و أحق
بها.
أما أن يحرم هؤلاء وينفق المال العام في مجالات الترف
واللعب واللهو ما هذا والله بالنصف.
تموت الأسد في الغابات جوعا ولحـم الضان
تأكلـه الكلاب
حرام على بلابلـــة الدوح حلال على
الطير من كل جنس؟!
ã
عزوف عمر رضي الله عنه عن شعراء المديح وحجبه لهم من الدخول عليه
الشعراء في ذلك الوقت عبارة عن وكالات الأنباء والفضائيات
وكبرى الصحف والمجلات اليوم.
ولهذا كان إذا ولي خليفة جديد أتوه واجتمعوا به واحتفى هو
بهم لأنهم إن أعطوا رضوا ومدحوا بحق وباطل، وإن لم يعطوا سخطوا وهجوا بحق
وباطل. ولهذا كان الخلفاء وعمالهم يهابونهم ويتقون شرهم بالإغداق عليهم.
لكن هيهات أن يجدوا ذلك من عمر بن عبد العزيز فهو غني عن
مدحهم بمآثره، ولا يخشى من ذمهم وهجائهم، فالمادح والقادح فيه عنده سواء
لثقته بنفسه واطمئنانه من منهجه وسلوكه.
كان عمر مستعيضاً عن هؤلاء الشعراء "المرتزقة" بالفقهاء
الأخيار، والعلماء الكبار فكان يستدعيهم ويطلب نصحهم بل كان وزيره الأول
رجاء بن حيوة من خيرة أهل العلم والفضل فما عساه أن يخشـى بعد ذلك من جرير،
والفرزدق، وعمر بن أبي ربيعة، ونصيب دعك عن الأخطل النصراني؟
روى ابن الجوزي بسنده عن عمارة بن عقيل قال: (لما قام عمر
بن عبد العزيز13
نهضت إليه الشعـراء من الحجاز، والعراق، فكان فيمن حضر نصيب، وجرير،
والفرزدق، والأحوص، وكثير ـ عزة ـ والحجاج القطاعي، والأخطل ـ النصراني ـ
فمكثوا شهراً لم يؤذن لهم، ولم يكن لعمر فيهم رأي ولا ارب، وإنما كان رأيه
وبطانته وأهل إربه القراء والفقهاء14
ومن وسم عنده بورع، يبعث إليهم حيث كانوا من بلدانهم، فوافق جرير قدوم عون
بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، وكان ورعاً فقيهاً مفوهاً في المنطق
نظير الحسن ابن أبي الحسن البصري في منطقه، فرآه جرير على باب عمر مشمر
الثياب، معتماً على كمة لاصقة برأسه، قد ألقى ضيقتيها بين كتفيه فقال:
يا أيها القاري المرخي عمامتـه هـذا زمانك إني قد مضى
زمني
أبلــغ خليفتنـا أن كنت لاقيـه أني لدى الباب كالمصفود
في قرن
فقال له عون: من أنت15؟
فقال: جرير. قال: إنه لا يحل لك عرضي. قال: فاذكرني للخليفة. قال: إن رأيت
موضعاً فعلت. ثم قال ـ للخليفة ـ: هذا جرير بالباب فاحرز لي عرضي منه. فأذن
لجرير، فدخل عليه، فقال: يا أمير المؤمنين إني علمت أنك تحب أن توعظ ولا
تطرى، فأذن لي في الكلام، فأذن له.
فقال:
زرت الخليفة في أرض علـى قدر كـما أتـى ربَّه موسى على
قـدر
إنـا لنرجو إذا ما الغيث أخلفنــا من الخليفــة لا
نرجو من المطـر
أأذكر الضـر والبلوى التي نزلـت أم أكتفــي بالذي
أنبئت من خبري
كـم بالمواسم من شعثاء أرملــة ومن يتيم ضعيف الصوت
والنظـر
أذهبت خلتـه حتى دعا ودعــت يا رب بارك لطر الناس في
عمـر
هذي الأرامل قد قصيت حاجتهــا فمـن لحاجـة هذا الأرمل
الذكـر؟
فترقرقت عينا عمر، وقال: إنك لتصف جهدك. قال: ما غاب عني
وعنك أشد.
قال: فجهز للحجاز عيراً يحمل الطعام والكسي والعطاء يبث في
فقرائهم.
ثم قال: أخبرني أمن المهاجرين أنت يا جرير؟ قال: لا. قال:
فبينك وبين الأنصار رحم، أو قرابة، أو صهر؟ قال: لا. قال: فممن يقاتل على
الفيء أنت ويجلب على عدو المسلمين؟ قال: لا. قال: فلا أرى لك في شيء من هذا
الفيء حقاً. قال: بلى والله قد فرض الله لي فيه حقاً إن لم تدفعني عنه.
قال: ويحك وما حقك؟ قال: ابن سبيل، أتاك من شقة بعيدة، فهو منقطع به على
بابك. فقال: إذاً أعطيك. فدعا بعشرين ديناراً فضلت من عطائه، فقال: هذه
فضلت من عطائي وإنما يعطى ابن السبيل من مال الرجل، ولو فضل أكثر من هذا
أعطيتك، فخذها فإن شئت فاحمد، وإن شئت فذم، قال: بل أحمد يا أمير المؤمنين،
فخرج فجهشت إليه الشعراء وقالوا: ما وراءك يا أبا حرزة؟ قال: ليلحق الرجل
منكم بمطيته، فإني خرجت من عند رجل يعطي الفقراء ولا يعطي الشعراء.
قال:
وجدت رقى الشيطان لا تستفـزه وقد كان شيطاني من الجن
راقيـا)16
وفي رواية قال: (لما استخلف عمر بن عبد العزيز وفد الشعراء
إيه فأقاموا ببابه أياماً لا يؤذن لهم، فبينما هم كذلك يوماً وقد أزمعوا
على الرحيل إذ مر بهم رجاء بن حيوة ـ وكان من خطباء أهل الشام ـ فلما رآه
جرير داخلاً على عمر بن عبد العزيز أنشأ يقول:
يا أيـها الرجل المرخي عمامتـه هـذا زمانك فاستـأذن
لنا عمـراً
قال: فدخل ولم يذكر من أمرهم شيئاً، ثم مر بهم عدي بن أرطأة
فقال جرير:
يا أيها الراكب المزحي عمامتـه هــذا زمانك إني قد مضى
زمني
أبلــغ خليفتنـا أن كنت لاقيـه أني لدى الباب
كالمصفـود في قرن
لا تنس حاجتنـا لقيت مغفــرة قد طال مكثي عن أهلي وعن
وطني
قال: فدخل عدي على عمر، فقال: يا أمير المؤمنين الشعراء
ببابك، وسهامهم مسمومة، وأقوالهم نافذة، قال: ويحك يا عدي مالي وللشعراء؟
قال: أعز الله أمير المؤمنين إن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قد امتدح وأعطى ولك في رسول الله أسوة. قال: كيف؟ قال: امتدحه العباس
بن مرداس السلمي فأعطاه حلة قطع بها لسانه، وقال: وتروي من قوله شيئاً؟
قلت: نعم، فأنشدته:
رأيتـك يا خـير البرية كلهــا نشرت كتابـاً جاء بالحق
معلنـاً
شرعت لنا دين الهدى بعد حورنا عن الحق لما أصبح الحق
مظلماً)17
ã
عطايا
الأمراء المسرفين للشعراء المداحين
ما ذكرنا سابقاً كان سلوك الخلفاء الراشدين والأئمة
المهديين من إكرام الفقهاء والمساكين وعدم الالتفات للشعراء المداحين.
لكن خلف من بعدهم خلف خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً حيث
أغدقوا العطاء للشعراء قطعاً لألسنتهم وطمعاً في مدحهم فتخوضوا في مال الله
بغير حق.
وإليك هذه النماذج18:
رأيــتك أمس خير بني معـدٍّ وأنـت اليوم خيـر منك أمـس
ونبتـك في المنابت خيـر نبت وغرسك في المغارس خير غرس
وأنـت غداً تزيد الضعف ضعفاً كذاك تزيد سـادة عبد
شمــس
فأمر له بثلاثين ألف درهم.
إذا قيـل من للمجد والجود والندى فنادي بأعلى الصوت
يحيى بن معبد
إذا نوبــة نابت صديقك فاغتنم مرمتهـا فالدهر في الناس
قـلب
فأحسـن ثوبيك الذي هو لابـس وأفـره مهريك الذي هو
يركـب
وبـادر بمعروف إذا كنت قادراً زوال اقتدار أو غنىً عنك
يذهـب
فقال له رجل: ألا أنشدك أحسن من هذا لابن هرمة؟ قال: هات.
فأنشأ يقول:
وللنفـس تارات تحل بها العُــرا وتسخو من المال النفوس
الشحائح
إذا المـرء لم ينفعـك حيـاً فنفعه أقل إذا ضمت عليـه
الصفائــح
لأيـة حال يمنـع المـرء ما لـه غداً، فغـداً والمـال
عدا ورائـح
فقال له معن: أحسنت والله، وإن كان الشعر لغيرك، يا غلام
أعطه أربعة آلاف، فقال الغلام: أجعلها دنانير أو دراهم؟ فقال معن: والله لا
تكون همتك أرفع من همتي، يا غلام صفِّرها له.
لزمتَ "نعم" حتى كأنك لم تكن سمعت من الأشياء شيئاً
سوى نعم
وأنكرت "لا" حتى كأنك لم تكن سمعت بها في سائر الدهر
والأمم0
تعرضت لي بالجود حتى نعشتنـي وأعطيتنـي حتى ظننتك
تلعــب
فأنت الندى، وابن الندى وأخو الندى حليف الندى ماللندى
عنك مذهـب
فقال: سل حاجتك، فقال: فقال: عليَّ من الدين خمسون ألفاً،
فقال: قد أمرت لك بها، وشفعتها بمثلها، فأمر له بمائة ألف.
قال ابن مفلح: وهذا العطاء وشبهه من الملوك إن كان على وجه
الشرع، وإلا فصاحبه ممدوحاً عرفاً.
وقد قال أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي رحمه الله تعالى:
(من الأغلاط والأوهام القبيحة المدح بما يوجب الذم، فإنهم إذا سمعوا عن
السلاطين والولاة بالعطاء المسرف من أموال المسلمين مدحوهم بالكرم. ثم ذكر
أن هشام ابن عبد الملك أعطى حماد الراوية لانشاد بيت: جاريتين وعشر بدر19.
وقال: لو كان ما أعطاه من مال نفسه كان تبذيراً وتفريطاً،
فكيف وليس من ماله؟ فالعجب ممن يروي هذا عن الملوك فيخرجه مخرج الجود
والكرم، وهو معدود في التبذير والإسراف، وقد قال تعالى: "وَتَثْبِيتًا
مِّنْ أَنفُسِهِمْ"20
أي ينظرون أين يضعون الأموال؟ وأين الفقراء عنها؟ وإذا تأملت الحال وجدت
الأموال أخذت على غير وجهها، وصرفت في غير حقها، وخرجت عن نيات فاسدة).
وبعد...
أيها الحكام اسلكوا سبيل الصالحين واحذروا سبل المسرفين
المفرطين المتخوضين في مال الله بغير حق؟
واعلموا أنكم ستحاسبون على كل فـَلـْس من أين أخذتموه وفيم
أنفقتموه. فأعدوا لذلك اليوم عدته ولهذا السؤال جوابه فإنه آت وكل آت قريب.
وليكن لكم في رسول الله وخلفائه الراشدين الأسوة الحسنة
والقدوة الصالحة فتشبهوا بالحكام الأخيار وجانبوا سيرة الجبابرة والفجار.
انتبهوا قبل أن تبلغ الروح الحلقوم ويحال بينكم وبين ما
تشتهون.
واختاروا من ترافقون يوم القيامة الحكام الأخيار والوزراء
الأبرار أم فرعون وهامان وقارون "الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ *
فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ
عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ"21
فالمرء مع من والى وأحب.
اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر
والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين وصلى الله وسلم وبارك على محمد خير
الأنام وعلى آله وصحبه الكرام ومن تبعهم بإحسان.
ã
|