قاعدتان جليلتان في الأمر والنهي هما:

1. مراعاة أخف الضررين والتمييز بين شر الشرين
2. مراعاة العواقب على الآمر الناهي ومن يليه

 

الفقه في الدين له شأن عظيم، والتغافل عنه وإهماله خطره جسيم ولهذا قصر رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوته لحبه، وابن عمه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فقال: "اللهم فقهه في الدين وعله التأويل"1 وكان هذا من جملة ما مدح به ابن مسعود رضي الله عنه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم "أبر هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً..."2 ولهذا يتعين على المشتغلين بالحسبة والمعنيين بذلك خاصة الحرص على التفقه في الدين، هذا بجانب:

1.  العلم بما يؤمر به وينهي عنه.

2.  الصدق والإخلاص.

3.  الرفق والتلطف بمن يؤمر وينهى.

4.  احتساب ما يلاقيه.

لأهمية وخطورة الأمر والنهي جعله الشارع واجباً مع القدرة فقال صلى الله عليه وسلم: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان"3 وذلك لأنه هو صمام الأمان لهذه الأمة بعد توفيق الله عز وجل. ضابط الأمر والنهي الأساس هو المصلحة والمفسدة. ولهذا رد الإمام العز بن عبد السلام رحمه الله في كتابه القيم (القواعد) القواعد كلها إلى قاعدة واحدة هي درء المفاسد وجلب المنافع قائلاً: (الشريعة كلها مصالح: إما تدرأ مفاسد أو تجلب مصالح.

وقال: واعلم أن تقديم الأصلح فالاصلح ودرء الأفسد فالافسد مركوز في طبائع العباد، نظراً لهم من رب الأرباب. إلى أن قال: واعلم أن المصالح الخاصة عزيزة الوجود)4.

وقال العلامة ابن القيم رحمه الله: (إن النبي صلى الله عليه وسلم شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحصل ـ بإنكاره ـ من المعروف ما يحبه الله ورسوله فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله فإنه لا يسوغ إنكاره، وإن كان الله يبغضه، ويمقت أهله، وهذا كالإنكار على الملوك والولاة والخروج عليهم، فإنه أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدهر، وقد استأذن الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتال الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، وقالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: "لا، ما أقاموا الصلاة"5 وقال: "من رأى من أميره ما يكره فليصبر، ولا ينزعن يداً من طاعته"6.

ومن تأمل ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار والصغار رآها من إضاعة هذا الأصل.

إلى أن قال: فإنكار المنكر أربع درجات: الأولى: أن يزول ويخلفه ضده. الثانية: أن يقل وإن لم يزل بجملته. الثالثة: أن يخلفه ما هو مثله. الرابعة: أن يخلفه ما هو شر منه. فالدرجتان الأوليان مشروعتان. والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة محرمة.

فإن رأيت أهل الفجور والفسوق يلعبون بالشطرنج كان إنكارك عليهم من عدم الفقه والبصيرة إلا إذا نقلتهم منه إلى ما هو أحب إلى الله ورسوله كرمي النشاب وسباق الخيل ونحو ذلك، وإذا رأيت الفساق قد اجتمعوا على لهو ولعب أو سماع مكاء وتصدية7، فإن نقلتهم عنه إلى طاعة الله فهو المراد، وإلا كان تركهم على ذلك خير من أن تفرقهم إلى ما هو أعظم من ذلك، فكان ما هم فيه شغلاً لهم عن ذلك؛ وكما إذا كان الرجل مشتغلاً بكتب المجون ونحوها وخفت من نقله عنها انتقاله إلى كتب البدع والضلال والسحر فدعه وكتبه الأولى، وهذا باب واسع.

وسمعت شيخ السلام ابن تيمية قدَّس الله روحه، ونوَّر ضريحه يقول: مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم من كان معي، فأنكرت عليه، وقلت له: إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية، وأخذ الأموال فدعهم)8.

وقال عمرو بن العاص لابنه وفلذة كبده عبد الله رضي الله عنهما: (يا بني احفظ عني ما أوصيك به، إمام عدل خير من مطر وبل، وأسد حطوم خير من إمام ظلوم، وإمام ظلوم غشوم خير من فتنة تدوم).

وقال عمرو بن العاص كذلك: ليس العاقل الذي يعرف الشر من الخير ولكن العاقل الذي يعرف شر الشرين، أو كما قال.

وقال سلطان العلماء العز بن عبد السلام رحمه الله: (فإن علم الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن أمره ونهيه لا يجديان، ولا يفيدان شيئاً، أو غلب على ظنه، سقط الوجوب، لأنه وسيلة ويبقى الاستحباب، والوسائل تسقط بسقوط المقاصد وقد كان صلى الله عليه وسلم يدخل إلى المسجد الحرام وفيه الأنصاب والأوثان ولم يكن ينكر ذلك كلما رآه، وكذلك لم يكن كلما رأى المشركين ينكر عليهم. وكذلك كان السلف لا ينكرون على الفسقة والظلمة فسوقهم وظلمهم وفجورهم كلما رأوهم مع علمهم أنه لا يجدي إنكارهم.

قد يكون من الفسقة من إذا قيل له: اتق الله أخذته العزة بالإثم فيزداد فسوقاً إلى فسوقه، وفجوراً إلى فجوره)9.

الأدلة على ذلك

الأدلة على صحة ما ذكرناه من مراعاة أخف الضررين، والتمييز بين شر الشرين، والانتباه للعواقب من سيرة الحبيب المصطفى، والرسول المجتبى، وصحبه الكرام، والسلف العظام، كثيرة جداً نذكر منها ما يسره الله تعالى فنقول:

أولاً: عدم قتله لابن الصياد مع ادعائه أنه يوحى إليه

قال الإمام النووي في شرح الأحاديث التي أوردها مسلم في صحيحه عن ابن صياد معللاً عدم قتله على الرغم من ادعائه أنه يوحى إليه: (فإن قيل كيف لم يقتله النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه ادعى بحضرته النبوة فالجواب من وجهين ذكرهما البيهقي وغيره:

أحدهما: أنه كان غير بالغ واختار القاضي عياض هذا الجواب.

والثاني: أنه كان في أيام اليهود وحلفائهم، وجزم الخطابي في معالم السنن بهذا الجواب الثاني قال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعد قدومه المدينة كتب بينه وبين اليهود كتاب صلح على ألا يهاجوا ويتركوا على أمرهم، وكان ابن صياد منهم، أو دخيلاً فيهم10.

ثانياً: عدم قتله لرأس الكفر والنفاق عبد الله بن أبي بن سلول

لم يقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم إمام المنافقين ابن سلول معللاً ذلك: (خشية أن يتحدث الناس أن محمداً صلى الله عليه وسلم يقتل أصحابه) لأنه كان يتظاهر بالإسلام.

هذا بجانب أن له حلفاء من الأنصار خشي أن يفتنهم بقتله.

ثالثاً: عدم قتله لليهودية التي سمته بخيبر تريد قتله صلى الله عليه وسلم

خرج البخاري في صحيحه11 عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة فيها سم".

وعندما سألها عن سبب ذلك قالت: (أردت أن أتأكد من نبوتك وصدقك)، وفي رواية قالت: (قتلت أبي، وعمي، وزوجي، وأخي)12.

 فقد روى أنه صفح عنها قيل لأنه ما كان ينتقم لنفسه، وقيل خشي من إثارة يهود لأنه تركهم في خيبر يزرعونها مناصفة. وقيل إنه قتلها عندما مات بشر بن البراء من جراء هذا السم والله أعلم.

رابعاً: عدم هدمه للكعبة وبنائها على قواعد إبراهيم خشية

أن يتحدث البعض أن محمداً صلى الله عليه وسلم فعل ذلك لينال هذا الفضل ولهذا قال لعائشة رضي الله عنها: "لولا أن حداثة قومك بالكفر لنقضت البيت ثم لبنيته على أساس إبراهيم عليه السلام"13.

فقد ترك النبي صلى الله عليه وسلم هذا العمل الصالح خشية أن يرتاب البعض في ذلك فيقع في سخط الله عز وجل، بظنهم برسولهم هذا الظن السوء.

خامساً: النهي عن سب آلهة الكفار خشية أن يسب الواحد الأحد

قال تعالى: "وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّواْ اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ"14.

فآلهة الذين يدعون من غير الله مسبوبة بغير سب ومع ذلك نهانا الله عز وجل عن سب آلهتهم والنيل منها خشية أن يحدث نتيجة ذلك مفسدة عظمى بسبب سبهم للرب سبحانه وتعالى.

سادساً:

نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سب أموات الكفار إن كان فيه أذىً لذويهم من المسلمين.

فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا"15.

قال الحافظ بن حجر: (قال ابن رشيد ما محصله: إن السب ينقسم في حق الكفار، وفي حق المسلمين، أما الكافر فيمنع إذا تأذى به الحي المسلم)16.

فالكافر إذا مات على الكفر جاز لعنه إلا إذا خشي أن يؤذي بعض المسلمين فيكف عن سبه لقوله صلى الله عليه وسلم: " لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء"17.

سابعاً: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفضل على أحد من الأنبياء

خشية أن يثير ذلك أتباعهم فينالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا شك أنه هو سيدهم فقد قال صلى الله عليه وسلم: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر"18.

ثامناً: تأخير إقامة الحد في الغزو إلى أن يرجعوا

قال ابن القيم رحمه الله: (إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى "أن تقطع الأيدي في الغزو" رواه أبو داود. فهذا حد من حدود الله تعالى، وقد نهى عن إقامته في الغزو خشية أن يترتب عليه ما هو أبغض إلى الله من تعطيله، أو تأخيره ـ من لحوق صاحبه بالمشركين، حمية وغضباً كما قال عمر وأبو الدرداء، وحذيفة وغيرهم ـ وقد نص أحمد، وإسحاق بن راهويه، والأوزاعي، وغيرهم من علماء الإسلام على أن الحدود لا تقام في أرض العدو، وذكرها أبو القاسم الخرقي في مختصره، فقال: لا يقام الحد على مسلم في أرض العدو، وقد أتى بشر بن أرطأة برجل من الغزاة قد سرق مجنة فقال: لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تقطع الأيدي في الغزو" لقطعت يدك. رواه أبو داود19.

وقال أبو محمد المقدسي: وهو إجماع الصحابة روى سعيد بن منصور في سننه بإسناده عن الأحوص بن حكيم أن عمر كتب إلى الناس: أن لا يجلدن أمير جيش، ولا سرية، ولا رجل من المسلمين حداً وهو غاز حتى يقطع الدرب غافلاً لئلا تلحقه حمية الشيطان فيلحق بالكفار وعن أبي الدرداء مثل ذلك.

وقال علقمة: كنا في جيش في أرض الروم، ومعنا حذيفة بن اليمان، وعلينا الوليد بن عقبة، فشرب الخمر، فأردنا أن نحده، فقال حذيفة: أتحدون أميركم وقد دنوتم من عدوكم فيطمعوا فيكم؟!)20.

تاسعاً: ما قاله ابن عمر رضي الله عنهما

 وقد كان محتبياً ففك حبوته ليرد على مروان بن الحكم في المسجد وهو يهيء لبيعة يزيد بن معاوية قائلاً: ليس هنالك من هو أولى منه بالخلافة. فقال ابن عمر: فأردت أن أقول له: (من قاتلك وأباك على الإسلام) فتذكرت الفتنة فسكت.

نكتفي بهذا القدر ولو كان المجال يتسع لجئنا بأضعاف ما ذكرنا.

لهذا ينبغي على المسلمين خاصة والمعنيين بأمر الحسبة بصفة عامة أن يضعوا هاتين القاعدتين وغيرهما نصب أعينهم ولا ينبغي لأحد أن يقدم على أمر أو نهي إلا إذا غلب على ظنه زوال المنكر بالكلية أو نقصانه. أما إذا غلب على ظنه بقاء المنكر أو إزدياده، أو الإتيان ما هو شر وأفسد منه، أو أن إنكاره هذا لا يغير من الواقع شيئاً فعليه أن يتريث ويصبر حتى تواتيه الفرص التي تعين على ذلك.

هذا بجانب الحرص والتدقيق في معرفة شر الشرين وأسوأ المنكرين.

فلو كان هناك حكمان كلاهما لا يحكم شرع الله، ويوالي الكفار الموالاة الكفرية، ويتعاطى غير ذلك من النواقض، لكن أحدهما يمنع من إقام الصلاة، والدعوة إلى الله، ولا ينهى أحداً يريد أن يلتزم بالشرع، والآخر يحاد الله ورسوله، ولا يسمح بشيء من ذلك قط كما هو حادث في بعض البلاد، لا شك أن الفقه في الدين يقضي بأن لا يواجه الأول بما يواجه به الثاني، وأن يكون موقفنا من الأول مغاير لموقفنا من الثاني علماً بأن كليهما متعاطي لما يبغضه الله ورسوله من النواقض الكفرية وغيره ولكن بعض الشر أهون من بعض.

وكذلك إذا كان الإنكار يولد ما هو أنكر منه وأشد، ويذهب ببعض ما عليه الناس من النعم وإن كانت محدودة فالأولى عدم تعاطيه، فما لا يدرك كله لا يترك جله، أو بعضه.

والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وعليه العرض والحساب، والصلاة والسلام على أفضل من أمر ونهى من العباد وعلى آله وصحبه والأتباع.

 ã