|
|
||
أخطر موانع تكفير المعين: الشبهة وكبر من يتولاها
الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى. أما بعد... فمن المسلمات في هذا الدين ما يأتي: 1. أن النطق بالشهادتين والدخول في الإسلام لا يعصمان من الخروج منه. 2. أن للإسلام نواقض منها: نفي ما أثبته الله ورسوله أو إثبات ما نفياه، أي إنكار ما هو معلوم من الدين ضرورة نحو: نبذ شرع الله عز وجل، وموالاة الكفار، الاشتغال بالسحر المتعلق بالكواكب والشياطين والإيمان به، الاستهزاء بأي أمر من أمور الدين، اتخاذ مع الله نداً يصرف إليه شيء من العبادة كالدعاء والاستغاثة وما شابههما. 3. أن الكفر قد يكون بالقول، أو الفعل، أو الاعتقاد. 4. الكفر والشرك والنفاق والفسق منه ما هو أكبر وهو المخرج من الملة ومنه ما هو أصغر ليس مخرجاً عن الملة ولكنه أكبر من الكبائر. 5. لا يكفر أحد بارتكاب كل ذنب اللهم إلا إذا استحل ذلك. 6. أن الإكفار ملك لله ورسول فلا يكفر إلا من أكفره الله ورسوله. 7. أن التكفير والتفسيق والتبديع والتضليل من الأمور الشائكة الخطرة فقد زلت فيها أقدام وانحرفت فيها أفهام فلا ينبغي أن يفتي في ذلك إلا أهل الاختصاص في هذا الشأن. 8. الكفر منه ما هو مطلق ومنه ما هو معين. 9. تكفير المعين يتولاه ولاة الأمر من العلماء والحكام. 10. تكفير المعين لا يتم إلا إذا توفرت فيه الشروط وهي: الإسلام، والعقل، والبلوغ، ولاختيار. وانتفت عنه الموانع وهي: الجهل، والإكراه، والشبهة، أو التأويل المستساغ. فهذا بحث عن أخطر موانع تكفير المعين وعن كبر متوليها وهم البطانة السيئة من: (1) المستشارين والوزراء الخونة. (2) علماء السوء. فإذا أراد الله بالحاكم خيراً جعل له بطانة صالحة ووزراء صدق من العلماء الحكماء وإذا أراد به سوى ذلك وكله لنفسه وإلى البطانة السيئة والوزراء والمستشارين الخونة وعلماء السوء المخذولين. عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما بعث الله من نبي، ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان؛ بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، والمعصوم من عصم الله"1. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أراد الله بالأمير خيراً، جعل له وزير صدق، إذا نسي ذكَّره، وإن ذكر أعانه، وإذا أراد به غير ذلك جعل له وزير سوء، إن نسي لم يذكره، وإن ذكر لم يعنه"2. أخطر الشبه التي تصد الحاكم عن الحق وتحول بينه وبين الرجوع إليه الشبه كثيرة ولكن نشير إلى أخطرها وهي: 1. مجرد دخول العلماء على غير أمثال عمر بن عبد العزيز ومن قاربه. لأن في دخول العلماء على من ليس حريصاً على العمل بشرع الله والرجوع إليه، خداع وتلبيس على الحاكم والرعية على حد سواء فالحاكم يقول: لولا أني على خير لما دخل عليَّ أمثال المشايخ فلان وعلان، والعامة كذلك تظن وتقول: لولا أن هذا الحاكم ملتزم بالشرع لما دخل عليه هؤلاء. وفي ذلك من الضرر ما الله به عليم على الراعي والرعية. 2. عدم التناصح وأساس هذا الدين النصيحة كما قال الشارع الحكيم: "الدين النصيحة" ثلاثاً. قلنا: لمن؟ قال: "لله ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم"3. ولهذا قال أبو بكر رضي الله عنه: (لا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نسمعها). وقال عمر رضي الله عنه: (رحم الله امرءاً أهدى إلي عيوبي) وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله لجلسائه كما روى عنه الأوزاعي رحمه الله: (من صحبني منكم فليصحبني بخمس خصال: يدلني من العدل إلى ما لا أهتدي له، ويكون لي على الخير عوناً، ويبلغني حاجة من لا يستطيع إبلاغها، ولا يغتاب عندي أحداً، ويؤدي الأمانة التي حملها بيني وبين الناس، فإن كان ذلك فحيهلا، وإلا فقد خرج عن صحبتي والدخول عليَّ). فالحاكم الذي لا يسمع النصح من العلماء ولا ينقاد لأمر الشرع، لا يجوز الدخول عليه. وكذلك العالم الذي لا يقوم بواجب النصيحة، ويرفع حاجة من لا يستطيع رفعها إلى الحاكم لا يحل له الدخول على الحكام. 3. ومن الشبه المضللة كذلك المبالغة في المدح للحاكم والثناء عليه والكذب فيه، ممن يدخلون عليه ويجتمعون به ولهذا كان عمر رضي الله عنه يقول: (المغرور من غررتم به). 4. ومن الشبه كذلك تضليل الحاكم بأنه مكره، وأن ليس في وسعه أن يعمل خيراً مما هو كائن، وإذا حدثته نفسه بذلك زين له هؤلاء المستشارون أن هذا سيكون سبباً لذهاب ملكه، وضياع سلطانه. 5. الأخذ ببعض الرخص والزلات التي يزينها له من حوله من علماء السوء وغيرهم. 6. ومن الشبة كذلك تهويل خطورة النصيحة على نظامه وسلطانه سيما إن لم تعد المناصحة سراً وجهر بذلك. 7. ومن الشبة كذلك تضخيم حقوقه على الرعية والتهوين من واجباته نحوها. مما يدل على خطورة الشبهة والتأويل غير المستساغ ما قام به الحجاج من سفكه لكثير من الدماء، وتدنيسه لكثير من المحرمات، وإذلاله للعلماء الأخيار بله وبعض الصحابة الأطهار، بحجة طاعة ولي الأمر وأن في بعض تصرفاتهم خروجاً على ولي الأمر مما حدى بالخليفة عبد الملك أن يوبخه ويثرب عليه وعلى صنوه في التجبر والطغيان ابن زياد ويتهددهما، ويشهد على ذلك قتله للإمام الشهيد الحسين بن علي رضي الله عنهما، وإدخال السلاح في حرم الله، وضرب الكعبة بالمنجنيق، واستباحة دماء أهل المدينة في وقفة الحَرَّة، والأخذ بالظنة، كل هذا بسبب هذه الشبهة التي حَمَّلـُوها أكثر مما تحتمل ـ طاعة ولي الأمر ـ وكان يمكن أن يتوصلوا إلى ذلك، ويحملوا الناس على الطاعة بأقل من ذلك بكثير، فلزوال الدنيا أهون على الله من إراقة دم حرام بغير حق، ومن إذلال عالم، فليستعد من يأمر ويتولى ذلك بحرب الله عز وجل كما صح الحديث القدسي: "من عادى لي ولياً آذنته بالحرب" والعلماء هم الأولياء كما قال الإمامان أبو حنيفة والشافعي ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "لا يزال المرء في فسحة من دينه ما لم يرق دماً حراماً" أو كما قال. لذات هذا السبب كان البعض يثرب على أنس بن مالك رضي الله عنه إعلام الحجاج بما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرنين الذين قتلوا الراعي ومثلوا به، لأنه اتخذه متكئاً لجبروته وطغيانه، وأنزل حكم الصادق المصدوق في غير محله. أيها الوزراء والمستشارون والداخلون من العلماء على الحكام والأمراء اتقوا الله في أنفسكم، وفي إسلامكم، وفي هؤلاء الحكام، واحذروا من تزيين الباطل لهم، أو تضليلهم بالمبالغة في مدحهم والكذب فيه، واعلموا أنكم عن كل ذلك مسؤولون، وعلى الصراط موقوفون فأعدوا لذلك الموقف عدته، ولذلك السؤال جوابه فإنه آتٍ وكل آت قريب. اللهم ردنا إليك جميعاً حكاماً ومحكومين، رداً جميلاً وصلى الله وسلم على خاتم رسله وعلى آله وصحبه والتابعين.
|
||