مسح
العينين ومشطهما
عند قول المؤذن: (أشهد أن محمداً رسول الله) بدعة لا أصل لها
حرص كثير من الناس على البدع والمخالفات الشرعية، لا يدانيه
أبداً حرصهم على التمسك بالسنن والآداب المرعية، وتقليد البعض للرؤوس
الجهال والوعاظ والعوام، لا يدانيه اقتداؤهم بالعلماء والفقهاء الحكماء،
وتشبث البعض بالأحاديث الضعيفة والمختلقة الموضوعة، يفوق تمسكهم بالآثار
المسندة الصحيحة.
يتولى كبر ذلك في الغالب الصوفية حيث لا يميز كثير منهم بين
الصحيح والحسن من ناحية وبين السقيم والضعيف والمختلق الموضوع من ناحية
أخرى، ولا بين الرؤى المنامية، والهواتف الشيطانية، والذوق والتجارب من
ناحية، وما دل عليه الكتاب ونطقت به السنة، وأجمع عليه سلف الأمة من ناحية
أخرى.
لا فرق في ذلك بين الشيوخ والمريدين، ولا بين التابعين
والمتبوعين في كثير من الأحيان بل ربما فاق دور المتبوعين دور التابعين في
هذا المضمار. فويل لمن قلد دينه الرجال، وويل ثم ويل ثم ويل لمن سوده قومه
على بدعة وجهل، ولهذا لا يحل لأحد أن يعمل بحديث إلا إذا تأكد من صحته
بسؤال أهل العلم والفقه وإلا يكون ناقضاً للجزء الثاني من الشهادة (أشهد أن
محمداً رسول الله).
أما بعد...
فمن البدع التي يحرص عليها بعض المتصوفة ومن قلدهم الدعوى
بأن من مسح عينيه بإبهاميه وسبابتيه حين يسمع المؤذن يقول: (أشهد أن محمداً
رسول الله) لا يرمد ولا يعمى أبداً!!
عمدتهم ومستندهم في هذا
الادعاء أمران هما:
1. أحاديث مكذوبة مختلقة موضوعة.
2. حكايات وتجارب عن بعض من داوم على ذلك فلم يرمد ولم
يعم!!
أولاً: الأحاديث المختلقة
الموضوعة:
روى العجلوني1
رحمه الله تحت عنوان: (مسح العينين بباطن أنملتي السبابتين بعد تقبيلهما
عند سماع قول المؤذن أشهد أن محمداً عبده ورسوله، رضيت بالله رباً،
وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً) عدداً من الآثار بألفاظ
مختلفة ومعنى واحد هي:
1. روى الديلمي2
عن أبي بكر، (لما سمع قول المؤذن: أشهد أن محمداً رسول الله، قاله، قبل
باطن الأنملتين السبابتين، ومسح عينيه، وقال، من فعل فعل خليلي، فقد حلت له
شفاعتي). قال في المقاصد: لا يصح.
2. وكذا لا يصح ما رواه أبو العباس عن أبي بكر الردَّاد،
اليماني المتصوف، في كتابه (موجبات الرحمة وعزائم المغفرة) بسند فيه مجاهيل
مع انقطاعه عن الخضر عليه الصلاة والسلام أنه قال: (من قال حين يسمع المؤذن
يقول: أشهد أن محمداً رسول الله؛ مرحباً بحبيبي، وقرة عيني محمد بن عبد
الله صلى الله عليه وسلم ثم يقبل إبهاميه ويجعلهما على عينيه، لم يعم، ولم
يرمد أبداً). وهذا الأثر على الرغم من عدم صحته فهو غني عن التعليق لأنه
مروي عن ميت سوى صاحب الشرع.
3. وحكى الشمس محمد بن صالح المدني إمامها وخطيبها في
تاريخه عن المجد أحد القدماء من المصريين: أنه سمعه يقول: (من صلى على
النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمع ذكره في الأذان، وجمع إصبعيه المسبحة
والإبهام وقبلهما، ومسح بهما عينيه لم يرمد أبداً).
4. ثم قال ابن الصالح المذكور: وسمعت ذلك أيضاً من الفقيه
محمد بن الزرندي عن بعض شيوخ العراق أو العجم، أنه يقول عندما يسمع المؤذن
يقول: (أشهد أن محمداً رسول الله) وبعد أن يمسح عينيه: صلى الله عليك يا
سيدي يا رسول الله، يا حبيب قلبي، ويا نور بصري، ويا قرة عيني، وقال لي
منهما: منذ فعلته لم ترمد عيني.
5. قال: (وروى عن الفقيه أبي الحسن علي بن محمد من قال حين
يسمع المؤذن يقول: أشهد أن محمداً رسول الله؛ مرحباً بحبيبي، وقرة عيني
محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ويقبل إبهاميه ويجعلهما على عينيه، لم
يعم ولم يرمد).
6. ونقل عن الأوسي أنه سمع من محمد بن أبي نصر البخاري
حديثاً: (من قبل عند سماعه من المؤذن كلمة الشهادة، ظفري إبهاميه ومسحهما
على عينيه، وقال عند المسح: اللهم احفظ حدقتيَّ ونورهما ببركة حدقتي محمد
صلى الله عليه وسلم. لم يعم) ثم عقب على كل هذه الآثار بقوله: (ولم يصح في
المرفوع من كل هذا شيء).
7. قال أبو الحسن بن عَراق الكناني3
(907 ـ 963ﻫ): (قال الحافظ بن حجر في لسان الميزان: وقد وقفت على الجزء
الذي ألفه الذهبي بخطه ـ في ذكر جماعة من الكذابين الذين ادعوا لقاء النبي
صلى الله عليه وسلم بعد موته يقظة ورووا عنه ـ فقال بعد البسملة: سبحانك
هذا بهتان عظيم ـ عن رتن الهندي4
قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة الخريف فقال: من مشط
حاجبيه كل ليلة وصلى عليَّ لم ترمد عيناه أبداً).
8. وهذا الحديث الموضوع (من مشط حاجبيه.......) الخ رواه
مؤلف5
(موسوعة الأحاديث والآثار الضعيفة والموضوعة) وعزاه لـ(تذكرة الموضوعات رقم
[160]).
ثانياً: الحكايات والتجارب
معلوم من دين الله ضرورة أن التجارب، وإجابة الدعاء،
والحكايات ليست من مصادر التشريع قال تعالى: "أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ
إِذَا دَعَاهُ"6
فالله يجيب دعوة المضطرين ولو كانوا كفاراً، هذا بجانب أن إجابة الدعاء
ليست دائماً دليلاً على صلاح الداعي، فقد يكون هذا من باب الاستدراج ونحوه.
إذا كان هذا حال ما استدل به هؤلاء من الأحاديث التي لا
زمام لها ولا حطام فمن باب أولى تلك التجارب والحكايات وما ذكرنا لها هنا
إلا من باب التنبيه عليها حتى لا يغتر بها مغتر.
بعض الحكايات والتجارب
1. حكى أبو العباس بن أبي بكر الردَّاد اليماني الصوفي ـ
قال العجلوني: في سند فيه من لم أعرفه عن الفقيه محمد بن السبايا فيما حكى
عن نفسه: أنه هبت ريح فوقعت منه حصاة في عينه وأعياه خروجها وآلمته أشد
الألم، وأنه لما سمع المؤذن يقول: أشهد أن محمداً رسول الله قال ذلك فخرجت
الحصاة من فوره. قال الردَّاد: هذا يسير في جنب فضائل7
رسول الله صلى الله عليه وسلم.
2. قال الحطاب في (مواهب الجليل لشرح مختصر خليل)8:
(قال في المسائل الملقوطة: حدثنا الفقيه الفقيه عثمان بن علي الفاسي قال:
لقيت نور الدين الخرساني بمدينة شيراز وكنت عنده في وقت الأذان، فلما سمع
المؤذن يقول: أشهد أن محمداً رسول الله قبَّل الشيخ نور الدين إبهامي يديه
اليمنى واليسرى، ومسح بالظفرين أجفان عينيه عند كل تشهد مرة، بدأ بالموق من
ناحية الأنف وختم باللحاظ من ناحية الصدغ، قال: فسألته عن ذلك؟ فقال: إني
كنت أفعله من غير رواية حديث ثم تركته، فمرضت عيناي، فرأيت الرسول صلى الله
عليه وسلم في المنام، فقال لي: (لمَ تركت مسح عينيك عند ذكري في الأذان؟ إن
أردت أن تبرأ عينك فعد إلى المسح) أو كما قال. فاستيقظت ومسحت فبرأت عيناي،
ولم يعاودني مرضهما إلى الآن).
هذه هي أدلة القوم كما ترى ـ أخي المسلم ـ أحاديث مكذوبة،
وحكايات وأخبار وتجارب لا سند لها، ولا عدالة لرواتها، مع جهالة بعضهم، في
هذا الصنيع الذي يحرصون عليه كلما سمعوا المؤذن يقول: أشهد أن محمداً رسول
الله!!!
فالخير كل الخير في الاتباع والشر الذي ليس بعده شر في
الابتداع في دين الله ما لم يأذن به سلطاناً، ولهذا كان مالك الإمام رحمه
الله كثيراً ما ينشد:
وخير أمور الدين ما كان سنة وشر الأمور المحدثات
البدائع
مما يساعد على نشر البدع، ووفور أهلها، صمت أهل العلم
وطلابه عن النهي عنها، وبيان مخالفتها إن رغباً أو رهباً، وكان الواجب
عليهم بيان مخالفة هذه البدع وتوضيح خطرها على الإسلام والمسلمين، لأنه ما
من بدعة إلا وتقوم على أنقاض سنة، ولهذا عدَّ الرسول صلى الله عليه وسلم من
علامات الساعة المؤذنة بخراب الدين والدنيا فشوا الجهل وقلة العلم، والمراد
بالجهل البدع، وبالعلم السنة مع العلم أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت
الحاجة لأن تأخير البيان يزيد من تمسك أهل البدع ببدعهم ويغرر بالعوام
ويخدعهم.
هذا بجانب ما فيه من التثبيط والتشكيك في نصح الناصحين، حيث
يرفع البعض شبهة، لو كانت هذه الأمور بدعية لمَ سكت عنها كثير من العلماء
والمشايخ السابقين بل منهم من له فيها حظ ونصيب؟!
اللهم اشرح صدورنا للإسلام، وعلمنا الحكمة وفقهنا في
القرآن، يا كريم يا منان، وصلى الله وسلم على الناصح الأمين القائل: "من
أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"9
وفي رواية: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" وعلى آله وصحبه والتابعين
لهم من الأولين والآخرين إلى اكتمال العدنان.
ã
|