ملحمة(1)
غزة
– محرم 1430 هـ
تحقيق .... التنبؤات
الثوابت .... والمسلمات
العظات .... والعبر
أولاً: تحقيق بعض التنبؤات
أ. ثبات طائفة من المسلمين على قتال الغزاة المغتصبين
ب. لن تعدم هذه الأمة المرحومة الخير في أي عصر من عصورها
ج. الغثائية
ثانياً: المسلمات والثوابت
أ. لا يصلح آخر
هذه الأمة إلا بما صلح به أولها
ب. النصر من عند الله
ج. أن خاذل المسلم مخذول مكسور معنوياً في الدنيا، وحسياً ومعنوياً في
الآخرة
ثالثاً: هل من مدكر، هل من
معتبر؟
رسالة إلى المخدوعين بالدعايات الرافضية الشيعية
أما آن للدول الإسلامية أن تعتزل هذه المنظمات الكنسية: مجلس الأمن، والأمم
المتحدة، ومنظماتها المختلفة؟!
رسالة إلى المخدوعين
بالديمقراطية
لاشك أن ملحمة غزة من الملاحم العظيمة، والمعارك الحاسمة، تنضم إلى السجل
المشرق، والمعارك الضارية التي خاضها أبطال المسلمين في تاريخهم المجيد،
هذا مع التفاوت الكبير بين عتادهم وعتاد قوى الشر والطغيان.
لقد أبانت ملحمة غزة مع اليهود الغاصبين، وعبدة الصليب الحاقدين، وثلة من
المنافقين المتظاهرين بالإسلام، عن ضعف شديد جداً في عقيدة الولاء والبراء،
وعن عجز وخنوع مخزٍ عند عامة المسلمين، سيما الحاكمين منهم والمسؤولين.
هذا الضعف في هذه العقيدة بدت بوادره عندما تكالبت قوى الشر من يهود،
ونصارى، ومتمسلمين على الدولة العثمانية، فمزقتها شر ممزق، واستفحل إبان
أزمة الخليج عندما غزا الكفار ديار الإسلام واستحكم ووصل مداه في هذه
الأيام العصيبة، حيث لم يكتف حكام المسلمين بعدم موالاتهم لإخوانهم
المستضعفين المحاصرين المنكوبين، بل تعداه إلى موالاة الكافرين، والتنسيق
والتعاون معهم، لإزالة أي أثارة من خير في هذه الأمة.
يتمثل تخلي جل المسلمين عن عقيدة الولاء والبراء أصدق تمثيل، ويظهر جلياً
في أمور أهمها:
1. التفرق والاختلاف والتشرذم في صفوف أهل السنة، بدرجة لم تحدث في تاريخ
المسلمين، حيث ما فتئ أهل السنة يداً واحدة على من سواهم من أهل البدع إلا
في هذا العصر الذي كثرت فيه البلايا، وعظمت فيه الرزايا، واختلت فيه
الموازين، واضطربت فيه المفاهيم.
2. لم يقتصر الأمر على التفرق والاختلاف والتشرذم، بل تعداه إلى اتخاذ
مواقف نحو المعاداة والهجر والقطيعة لبعضهم البعض.
وليت الأمر اقتصر على الحكام والعامة، بل طال الخاصة من أهل العلم وطلابه
والدعاة، فتزعزعت الثقة، وحل الحقد والبغض والكراهية محل الألفة والود،
والهجر والخصام محل الصلة والوئام، وأصبح كل فريق ينال من الآخر، ويحذر
منه، ويصفه بأوصاف يندي لها الجبين، مما جعل العامة في حيرة من أمرهم، عن
أي قول يصدرون؟ وبأي طائفة يقتدون؟ الشيء الذي أحزن الأصدقاء وأشمت وأفرح
الأعداء.
يقول الشيخ الدكتور بكر أبو زيد طيب الله ثراه عن ظاهرة التفرق والانشقاق
والتشرذم هذه وسط أهل السنة: (وهذا الانشقاق في صف أهل السنة لأول مرة –
حسبما نعلم – يوجد في المنتسبين إليهم من يشاقهم، ويجد نفسه لمثافنتهم،
ويتوسد ذراع الهم لإطفاء جذوتهم، والوقوف في طريق دعوتهم، وإطلاق العنان
للسان يفري في أعراض الدعاة، ويلقي في طريقهم العوائق في عصبية طائشة).2
3. خذلان المستضعفين والمستغيثين والتخلي عنهم في أحلك
المواقف، وما تفرج الحكام العرب والمسلمين على المحرقة المجزرة في غزة عنا
ببعيد في هذه الأيام، فهو أصدق شاهد على ما نقول.
وفي المقابل - وبضدها تتميز الأشياء – الموالاة متمثلة في التخطيط والتنسيق
والتعاون مع الكفار، واتخاذهم أصدقاء يلجأون إليهم في السراء والضراء.
ولهذا استعان بوش في أزمته الاقتصادية الحالية ببعض أصدقائه من حكام
المسلمين، فقاموا – غير مشكورين ولا مأجورين، بل مأزورين مذمومين، وموعودين
بغضب رب العالمين بتحمل جل خسائر الأعداء.
وما أقدمت إسرائيل على هذه المجزرة والمحرقة في قطاع غزة إلا بمشورة وتفاهم
مع بعض حكام العرب، بل وتشجيع للقضاء على هذه الجذوة – المقاومين للمغتصبين
لأرض فلسطين، والمدنسين لأولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين – اليهود
لعنهم الله.
أما بعد..
فإن العظات والعبر والدروس المستفادة من هذه الملحمة العظيمة، والمجزرة
والمحرقة اللئيمة، التي تولى كبرها النظام العالمي الجديد، متمثلاً في قوى
الشر والعدوان والإرهاب – أمريكا – مسخراً ربيبته غير الشرعية
إسرائيل بموافقة من بعض حكام المسلمين، كثيرة جداً، منها المفرح والمحزن،
والمبشر والمنذر.
سنشير في هذه العجالة إلى طرف منها، في رؤوس بعض المواضيع الآتية، فنقول:
بداية الصفحة
أولى العظات والعبر، وأهم النتائج لهذه الملحمة، تحقق بعض ما تنبأ به نبي
الملحمة والمرحمة محمد صلى الله عليه وسلم، مما يزيد المؤمن إيماناً بصدق
نبوته، وليرتاب الكافرون والمنافقون والذين في قلوبهم مرض ارتياباً على
ارتيابهم، من ذلك:
بداية الصفحة
1. عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تزال
طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم
كذلك".3
2. وعن جابر بن سَمُرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"لن يبرح هذا الدين قائماً، يقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم
الساعة".4
3. وعن معاوية رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
"لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم، ولا خالفهم،
حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس".5
بداية الصفحة
اختلف أهل العلم في المراد بهذه الطائفة على أقوال متقاربة.
قال البخاري رحمه الله: هم أهل العلم.
وقال أحمد بن حنبل رحمه الله: إن لم يكونوا أهل الحديث، فلا أدري من هم؟
قال القاضي عياض رحمه الله: إنما أراد أحمد أهل السنة والجماعة، ومن يعتقد
مذهب أهل الحديث.
وقال الإمام النووي رحمه الله: يحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع
المؤمنين، فمنهم: شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدثون، ومنهم زهاد،
وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير، ولا
يلزم أن يكونوا مجتمعين، بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض.
قلت: الصفة الجامعة لهذه الطائفة أن يكونوا على ما كان عليه رسول الله صلى
الله عليه وسلم في العقيدة، والمنهج، والعبادة، والسلوك، ولا شك أن من أهم
سمات أهل السنة رفعهم لراية الجهاد لإعلاء كلمة الله، ولصد ودحر الغزاة
الغاصبين، وللدفاع عن الدين وحريم المسلمين، ونحسب أن الحركات الجهادية
القائمة في كل من غزة، والعراق، وأفغانستان، والشيشان، وكشمير، والصومال،
وغيرها، تؤكد صدق هذه النبوءة، لقيامهم بجهاد الدفع مع قلة عددهم وعتادهم،
وخذلان المسلمين لهم، وتثبيطهم عن هذا الدور، ووصفهم بأوصاف جائرة تقليداً
للكفار الحاقدين.
لم يثنهم ذلك كله عن القيام بهذا الواجب، مع أنهم رفعوا شيئاً من الحرج عن
الأمة جمعاء، فما أطيب أثر المجاهدين على القاعدين، وما أخبث دور القاعدين
والمثبطين على المجاهدين؟!
بداية الصفحة
الخير كامن في هذه الأمة إلى يوم القيامة، لا يزول، ولكنه قد يضعف ثم يعود
فيقوى ويصول ويجول.
روى ابن عساكر عن عمرو بن عثمان بن عفان مرسلاً: "أمتي أمة مباركة، لا يدرى
أولها خير أوآخرها".7
وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مثل أمتي
مثل المطر، لا يدرى أوله خير أم آخره".8
قال المناوي في تأويل ذلك: (لتقارب أوصافهم، وتشابه أفعالهم، كالعلم،
والجهاد، والذب عن بيضة الإسلام، وقرب نعوت بعضهم من بعض في ظواهرهم، فلا
يكاد يميز الناظر بينهم وإن تفاوتوا في الفضل في نفس الأمر، فيحكم بالخير
لأولهم وآخرهم، ولذا قيل: هم كالحلقة المفرغة، لا يدرى أين طرفاها، ثم إن
هذا لا يناقضه خبر: "خير الناس قرني"، لأنهم كانوا خيراً لأنهم نصروه،
وآووه، وجاهدوا معه، وقد توجد نحو هذه الأفعال آخر الزمان حين يكثر الهَرْج9،
وحتى لا يقال في الأرض: الله).
10
يظهر هذا جلياً في تلاحم جماهير الأمة الإسلامية مع إخوانهم المنكوبين في
غزة بما في وسعهم من التضرع إلى الله بالدعاء لهم بالنصر، والتبرع بالمال،
وتسيير التظاهرات، ونحو ذلك، مع صمت حكامهم الذي فاق صمت أصحاب القبور،
فإنا لله وإنا إليه راجعون، كأن الأمر لا يعنيهم من قريب ولا من بعيد،
لتخليهم عن الأخوة الإيمانية، وعريهم من النخوة العربية، بله والحمية
الجاهلية، بسبب تعلقهم بالدنيا الفانية، وغفلتهم عن الآخرة الباقية
الخالدة.
بداية الصفحة
تحققت في الأمة الغثائية التي تنبأ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل
واستحكمت، ممثلة في:
1. الرعب والخوف من الكفار وقد نُصر رسولنا صلى الله عليه وسلم بالرعب
مسيرة شهر، وفي رواية شهرين.
2. نزع المهابة من قلوب الكفار من المسلمين.
3. حب الدنيا، وطول الأمر، والغفلة، وكراهية الموت.
وقد تجلى ذلك كله وغيره في مواقف حكام المسلمين من المجزرة والمحرقة
والتدمير الذي يمارسه اليهود ضد إخواننا العزل في غزة.
فعن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يوشك
الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة على قصعتها"، فقال قائل: ومن قلة
نحن يومئذ؟ قال: "بل أنتم يومئذ كثير11،
ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم،
وليقذفن الله في قلوبكم الوَهْن"، فقال قائل: يا رسول الله، وما
الوَهْن؟ قال: "حب الدنيا وكراهية الموت".12
بداية الصفحة
من العظات والعبر والدروس الهامة التي ينبغي للمسلمين أن يعوها من هذه
الملحمة أنه لا صلاح ولا فلاح لآخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وكان
صلاح أولها بالجهاد والغزو في سبيل الله، حتى لقب نبي هذه الأمة بأنه نبي
الملحمة، حيث غزا من بعد هجرته إلى المدينة إلى أن توفاه الله – في عشر
سنوات – تسع عشرة غزوة، وأرسل خمساً وثلاثين سرية، وقد سار خلفاؤه الراشدون
على طريقه، وسلكت الدولتان الأموية والعباسية ومن تلاهما من الدول التي كان
آخرها الدولة العثمانية نفس الطريق، ولهذا فقد فتحوا البلاد، وأمنوا
العباد، فدخل الناس في دين الله أفواجاً.
فالجهاد هو ذروة سنام الإسلام ورهبانيته، والركون إلى الدنيا وترك الجهاد
هو الهلاك المبين والخسران في الدارين.
عن ابن عمر رضي الله عنهما يرفعه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم: "إذا ضن
الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعِينَة13،
واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله أنزل الله بهم بلاء فلم
يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم".14
ولهذا قامت الدنيا ولم تقعد على حماس، وشُنت هذه الحرب الهمجية على غزة،
لتمسكها بهذه الفريضة الغائبة – الجهاد – لتحرير الأرض وإقامة الدين.
بداية الصفحة
لم ينتصر المسلمون في غزواتهم وفتوحاتهم كلها بكثرة عدد ولا عتاد، بل كان
عدد الكفار وعتادهم دائماً أضعاف أضعاف عدد المسلمين، في بدر، وأحد،
والأحزاب، ومؤتة، وغيرها.
والغزوة الوحيدة التي كان عدد المسلمين فيها أكثر من عدد الكفار هي حُنَين،
وكانت هذه الكثرة سبباً لهزيمتهم لإعدابهم واغترارهم بها: "ويوم حنين إذ
أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً"15،
"وما النصر إلا من عند الله"16،
"كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله".17
لذلك لا غرو من ثبات حماس أمام أقوى جيش في المنطقة، مع قلة عتادهم،
ومحاصرتهم، والتضييق عليهم، بل لقد رأينا وسمعنا كيف تصنع صواريخهم
المتواضعة بالعدو الإسرائيلي، وليس معنى هذا عدم الأخذ بالأسباب، بل لابد
من الأخذ بالأسباب المتاحة، والإعداد للقاء الأعداد: "وأعدوا لهم ما
استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم".
18
بداية الصفحة
من حق المسلم على إخوانه المسلمين أن ينصروه إن ألمت به آفة، أو تكالبت
عليه الأعداء، أما التباطؤ والتشاغل عن نصرة المستطيع للمستغيث فمن كبائر
الذنوب، كيف إذا اقترن ذلك بأي نوع من أنواع الولاء للكفار؟
لقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: "المسلم أخو المسلم لا
يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره".19
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المسلم أخو
المسلم لا يخذله، ولا يخونه، ولا ينساه في مصيبة نزلت به، وإن تلف".20
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: "ما من امرئ مسلم يخذل امرءاً
مسلماً في موضع ينتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله تعالى في
موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئ مسلم ينصر مسلماً في موضع ينتقص فيه من
عرضه، وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه أن ينصره".21
الواجب على المسلمين حكاماً ومحكومين أن ينصروا ويغيثوا إخوانهم المستضعفين
في غزة وفي غيرها، وما أكثر المستضعفين في هذا الزمان، وما أقل المغيثين مع
استطاعتهم لذلك، لكن حال دونهم ودون نصر إخوانهم الخوف، والخور، والوهم،
والحرص على مناصبهم وأنظمتهم.
أين موقف حكامنا هؤلاء من موقف الصحابي الجليل سعيد بن عامر رضي الله عنه،
وما كان يغشاه عند تذكره لعدم إغاثته لخُبَيْب الأنصاري، وكان سعيد مشركاً
وقتذاك حمية؟! فبضدها تتميز الأشياء.
روى ابن الجوزي عن خالد بن معدان قال: (استعمل عمر بن الخطاب رضي الله عنه
بحمص سعيد بن عامر، فلما قدم عمر حمص قال: يا أهل حمص، كيف وجدتهم عاملكم22؟
فشكوه إليه، وكان يقال لأهل حمص الكويفة23
الصغرى، لشكايتهم العمال، قالوا: نشكو أربعاً: لا يخرج إلينا حتى يتعالى
النهار. قال عمر: أعظم بها. قال: وماذا؟ قالوا: ولا يجيب أحداً بليل. قال:
وعظيمة. قال: وماذا؟ قالوا: له يوم في الشهر لا يخرج فيه إلينا. قال:
عظيمة. قال: وماذا؟ قالوا: يغنط الغنطة بين الأيام، أي تأخذه موتة24.
قال: فجمع عمر بينهم وبينه، وقال: اللهم لا تفيِّل25
رأيي فيه اليوم. ما تشكون منه؟ قالوا: لا يخرج حتى يتعالى النهار. قال:
والله إنْ كنت لأكره ذكره، إنه ليس لأهلي خادم، فأعجن عجينهم، ثم أجلس حتى
يختمر، ثم أخبز خبزي، ثم أتوضأ، ثم أخرج إليهم. فقال: ما تشكون منه؟ قالوا:
لا يجيب أحداً بليل. قال: إن كنت لأكره ذكره، إني جعلت النهار لهم، وجعلت
الليل لله عز وجل. قال: وما تشكون منه؟ قالوا: إن له يوماً في الشهر لا
يخرج إلينا فيه. قال: ليس لي خادم يغسل ثيابي، ولا لي ثياب أبدلها، فأجلس
حتى تجف، ثم أدلكها، ثم أخرج إليهم آخر النهار. قال: ما تشكون منه؟ قالوا:
يغنط الغنطة بين الأيام. قال: ما يقولون؟ قال: شهدت مصرع خُبَيب الأنصاري
بمكة وقد بضعت قريش لحمه، ثم حملوه على جذع، فقالوا: أتحب أن محمداً مكانك؟
فقال: والله ما أحب أني في أهلي وولدي وأن محمداً شيك بشوكة؛ فما ذكرت ذلك
اليوم وتركي نصرته في تلك الحال وأنا مشرك، لا أومن بالله العظيم، إلا ظننت
أن الله عز وجل لا يغفر لي بذلك أبداً، فتصيبني تلك الغنطة. فقال
عمر: الحمد لله الذي لم يفيِّل فراستي).
26
بداية الصفحة
ملحمة غزة فضحت كل حكام المسلمين، الصامتين منهم من المنتسبين على السنة،
والمهرجين المتبجحين من الشيعة الرافضة، على الرغم من أن المصائب والشدائد
يجمعن المصابين في الدفع والذب عن حياضهم، إلا أن المصائب في عصرنا هذا
جمعت المصابين على الخذلان والتخلي عن نصرة المستضعفين العزل، ورحم الله
القائل:
جزى الله
الشدائد كل خير
عرفت بها عدوي من صديقي
ومن قبل رضي الله عن أبي بكر الصديق القائل لرعيته: "أنتم إلى أمير فعَّال
أحوج منكم إلى أمير قوَّال"، والقائل: "البلاء موكل بالمنطق".
ونحن نقول: العار والشنار موكل بالدعايات الفارغة والكسب الرخيص.
من المحزن المؤسف انخداع كثير من أهل السنة بالشعارات والخطب الرنانة التي
يطلقها أصحاب العمائم السوداء من حين لآخر متبجحين فيها ومعلنين عداءهم
لليهود والنصارى – سيما دول الاستكبار أمريكا وإسرائيل وأذيالهما –
ومتوعدين الدولة الغاصبة بالانقضاض عليها، وواعدين لحماس بالنصر، على الرغم
من أن التاريخ والواقع الحديث يكذبان ذلك، حيث لم تُغز أفغانستان إلا
بتعاون الدولة الرافضية إيران مع قوى الطغيان، ولم يغتصب عراق العروبة
والإسلام إلا بتعاون آثم، وتحالف فاجر بين الدولة الرافضية إيران والفلول
الشيعية في العراق، على أن تستولي أمريكا على النفط وتفتح المجال للرافضة
أن يعيثوا في العراق الفساد، وينشروا الرعب بالتقتيل والعذاب لأهل السنة،
حيث كان الاغتيال بالهوية لكل من اسمه أبوبكر، وعمر، وعثمان، وعائشة،
وحفصة، هذا بجانب النصائح المتكررة والتحذير المستمر من علماء أهل السنة.
ومما يؤسف له أن الذي تولى عملية تطبيع العلاقة مع مكفري كبار الصحابة،
وكسر الحاجز النفسي بينهم وبين أهل السنة البسطاء هم قادة الحركة الإسلامية
من الإخوان المسلمين وغيرهم، ولا يزالون ينخدعون ويخدعون ويسعون إلى
التقارب مع القوم، وإن انتبه بعضهم
27 أخيراً ولكن بعد فوات الأوان، وتحمل الوزر والآثار،
وتضليل وخداع العوام.
بداية الصفحة
من المحزن المخزي المضحك – إذ شر البلية ما يضحك – فزع الأنظمة الإسلامية
واللجوء إلى تلك المنظمات كلما حلت بها كارثة، وغزا الكفار داراً من ديار
الإسلام، وهم يعلمون علم اليقين أن المهيمنين على تلك المنظمات قاموا بتلك
المؤامرات ونفذوها، إما بواسطتهم مباشرة أو عن طريق عملائهم، إن كانوا
يعلمون ومع ذلك يلجأون ويصرون على التحاكم إلى الشرعية الدولية كما يزعمون
فتلك مصيبة، وإن كانوا لا يعلمون أويتعامون أو يخدعون ويضللون السذج من
الجماهير فالمصيبة أعظم.
هذه المنظمات أنشئت خصيصاً بغرض هيمنة دول الاستكبار وحماية الكفر والكفار،
وثنيين كانوا أوصليبيين أومشركين، ولا أدل على ذلك من استصدار أمريكا
قراراً من مجلس الأمن لغزو أفغانستان لأن حكومة الطالبان أرادت أن تتحاكم
إلى شرع خالقها، وسعت لتكسير صنم "بوذا"، وحرضت أذيالها من البريطانيين
والأوربيين على غزو تلك البلاد، وأثارت فيها الفوضى والعذاب بعد أن كانت
آمنة مطمئنة.
ولكن عندما قدم بعض القادة العرب قراراً لمجلس الأمن لإيقاف المجزرة
والمحرقة في غزة أسقطت أمريكا هذا القرار بحقها الجائر، حق النقض!!
يالله، أهذه هي الديمقراطية التي يتبجح بها هؤلاء الكفار، وينخدع بها
الجهلة والغوغاء، مع دعواهم أنهم هم المستنيرون؟ أهذه هي العدالة، أن تتحكم
دولة واحدة في مصير العالم، وأن تفعل ما تريد وترفض ما لا تريد، رغم أنف كل
الأعضاء في مجلس الأمن أو في الأمم المتحدة؟؟!
ولهذا فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يشترك في هذه المنظمات
الكنسية ولا يترافع إليها مهما حل به، العالم كله الآن تحكمه شريعة الغاب،
وربما يكون ملك الغاب وإخوانه أكثر عدلاً من أولئك القوم الذين قال الله
فيهم: "أولئك كالأنعام بل هم أضل".
بداية الصفحة
من العظات والعبر التي تستفاد من الحصار والتضييق المضروب على حماس في قطاع
غزة، والذي ختم بهذه المجزرة البشعة على ذلك الشعب الأعزل، إلا من العزيمة
والقليل من العتاد، الذي يمارسه العدو الصهيوني بتوجيه ومباركة ودعم من قوى
الاستكبار، وبتنسيق مع السلطة الفلسطينية وبعض دول الجوار، فيه دليل قاطع
على أن النظام الديمقراطي الذي يتبجح به الغرب ويُسَوِّق له، الذي انخدع به
كثير من العلمانيين والسذج ممن يعرفون بالإسلاميين والعامة على أنه نظام –
بجانب أنه لا ديني بل لا يقوم إلا على أنقاض الإسلام – مفصل على الكفار،
يشهد على ذلك أن الذين ارتضوه وانخدعوا به ومارسوه ممارسة صحيحة من
المسلمين انقض عليهم الكفار وأزالوهم عن السلطة بالقوة، كما حدث في الجزائر
وتركيا، وأخيراً عندما حصلت حماس على الأغلبية كان فوزها هذا وبالاً عليها،
أثار وحرض عليها المنتسبين إلى الإسلام من بني جلدتها وقوميتها، قبل أن
يثور عليها العدو الصهيوني وقوى البغي والعدوان، ولهذا صمموا على القضاء
عليها، خاب فألهم، وتبددت آمالهم.
أيها المسلمون، العاقل من اتعظ بغيره، عودوا إلى رشدكم، وتمسكوا بشرع
نبيكم، واحذروا استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير، النظام الديمقراطي
اللاديني بشرع الله المصفى، واعلموا أن الدعوة إلى النظام الديمقراطي
والسعي لتطبيقه من نواقض الإسلام: "من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم
الكافرون"28،
"فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم
حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً"29،
"أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون"30،
فلا يحل لمسلم أن يرضى بغير الإسلام بديلاً، ولو رضي فليعلم أن الكفار لا
يرضون منه ذلك إلا إذا انسلخ من دينه بالكلية: "ولن ترضى عنك اليهود ولا
النصارى حتى تتبع ملتهم".31
هذا حكم الله فماذا بعد الحق إلا الضلال؟!
اللهم إنا نعوذ بك من الخذلان، ومن تبلد الأحاسيس، وميتة الشعور والوجدان.
اللهم انصر دينك، وكتابك، وسنة نبيك، وعبادك المؤمنين المجاهدين.
يا رب المستضعفين عليك بالمستكبرين، اللهم عليك باليهود والنصارى
والمنافقين وأعوانهم، اللهم امكر لإخواننا في غزة ولا تمكر عليهم، اللهم لا
تكلهم إلى أنفسهم، ولا إلى غيرك طرفة عين ولا أقل من ذلك، يا غيَّاث
المستغيثين ويا مجيب دعوة المضطرين، اللهم ارفع علم الجهاد واقمع أهل الكفر
والفسق والعناد، وانشر رحمتك على العباد واجعلها بلاغاً للحاضر والباد.
وصلى الله وسلم على إمام المجاهدين وقائد الغر المحجلين، نبي الملحمة
والمرحمة، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم إلى يوم الدين.
بداية الصفحة
|