القنوت
في النوازل
حكمه
وقته
الأدلة على مشروعية القنوت واستحبابه في سائر الصلوات عند
وقوع النازلة ما يأتي
أقوال
أهل العلم في مشروعية قنوت النوازل
أنواع النوازل، والبلايا، والفتن أعاذنا الله منها
مشروعية لعن المعين من الكفار، وتسميته، والدعاء عليه
بالهلاك، والثبور، وعظائم الأمور
مذاهب أهل العلم في الدعاء على المعين وتسميته إذا كان من
العصاة الظالمين
دعوى من زعم أن لعن الكفار، وتسميتهم، والدعاء عليهم منسوخ،
ودحضها
موضع القنوت من الصلاة في الصبح، والوتر، والنوازل
الجهر بالقنوت
رفع الأيدي في القنوت
أقوال أهل العلم في ذلك
التأمين في القنوت
خلف الإمام
إذا فرغ
من القنوت فهل يمسح وجهه بيديه؟
من لا
يحسن القنوت بالعربية أو لا يحفظه
الخلاصة
تنبيهات
حكمه
القنوت في النوازل واجب، وهو من أضعف الإيمان للمؤمنين
المنكوبين على إخوانهم المعافين، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فهو
آكد من القنوت في الفجر طول العام، ومن القنوت في الوتر طول العام أو في
النصف الأخير من رمضان من غير نازلة.
ã
وقته
ذهب أهل العلم في وقت قنوت النوازل مذاهب، هي:
1. في كل الصلوات، فرادى وجماعات، على الإمام والعامة، في
المكتوبة والمسنونات، وهذا هو القول الراجح لما سنذكره من الأدلة.
2. في صلاة الفجر فقط.
3. في صلاة الفجر والمغرب دون سواهما.
4. في الصلوات الجهرية: الفجر، والمغرب، والعشاء، دون
السرية: الظهر، والعصر.
5. يقنت الإمام بمن معه دون غيرهم من العامة.
6. لا يقنت للنازلة، وهذا أوهى الأقوال جميعاً.
ã
الأدلة على مشروعية القنوت واستحبابه في سائر الصلوات عند وقوع النازلة ما
يأتي
خرَّج الإمام مسلم في صحيح في: "كتاب المساجد ومواضع
الصلاة"، تحت باب: "استحباب القنوت في جميع الصلوات إذا نزلت بالمسلمين
نازلة والعياذ بالله"1
جملة من الأحاديث تدل على ذلك، وهي:
1. عن أبي هريرة يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة ويكبر ويرفع رأسه: "سمع الله لمن
حمده، ربنا ولك الحمد"، ثم يقول وهو قائم: "اللهم أنج الوليد بن الوليد،
وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد
وطأتك على مضر2،
واجعلها عليهم كسني يوسف، اللهم العن لِحْيان، ورعْلاً، وذَكْوان،
وعُصَيَّة عصت الله ورسوله"، ثم بلغنا أنه ترك ذلك3
لما أنزل: "ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أويعذبهم فإنهم ظالمون".
2. وعن أبي سلمة أن أبا هريرة حدثهم أن النبي صلى الله
عليه وسلم قنت بعد الركعة في صلاته شهراً، إذا قال: "سمع الله لمن حمده"،
يقول في قنوته: "اللهم أنج الوليد بن الوليد، اللهم نجِّ سلمة بن هشام،
الله نَجِّ عيَّاش بن أبي ربيعة، الله نَجِّ المستضعفين من المؤمنين، اللهم
اشدد وطأتك على مضرَ، الله اجعلها عليها سنين كسني يوسف"، قال أبو هريرة:
ثم رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الدعاءَ بعدُ، فقلت: أرى رسول
الله صلى الله عليه وسلم قد ترك الدعاء لهم، قال: فقيل: وما تراهم قد
قدموا؟!
3. وعن أبي سلمة أن أبا هريرة أخبره أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم بينما هو يصلي العشاء إذ قال: "سمع الله لمن حمده"، ثم قال قبل
أن يسجد: "اللهم نجِّ عياش بن أبي ربيعة".
4. وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سمع أبا هريرة يقول:
"واللهِ لأُقَرِّبَنَّ بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم"، فكان أبو
هريرة يقنت في الظهر، والعشاء الآخرة، وصلاة الصبح، ويدعو للمؤمنين ويلعن
الكفار.
5. وعن أنس قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على
الذين قتلوا أصحاب بئر معونة ثلاثين صباحاً، يدعو على رعْلٍ، وذَكوانَ،
ولحيان، وعُصَيَّة عصت اللهَ ورسولَه".
6. وعن البراء بن عازب قال: "قنت رسول الله صلى الله عليه
وسلم في الفجر والمغرب".
7. وقال خُفَاف بن أيْمَاء الغفاري: "ركع رسول الله صلى
الله عليه وسلم، ثم رفع رأسه فقال: غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله،
وعُصَيَّة عصت الله ورسوله، اللهم العن بني لِحْيَانَ، والعن رعْلاً
وذَكْوَانَ؛ ثم وقع ساجداً، قال خُفافُ: فجُعِلت لعنة الكفار من أجل ذلك".
8. وخرج أبو داود4
بسنده عن عكرمة عن ابن عباس قال:" قنتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم شهراً
متتابعاً في الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، وصلاة الصبح، في دبر كل صلاة
إذا قال سمع الله لمن حمده من الركعة الآخرة، يدعو على أحياء من بني سُليم،
على رعْل، وذَكْوان، وعُصَيَّة، ويؤمِّن من خلفه".
9. وعن البراء بن عازب رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله
عليه وسلم كان لا يصلي صلاة مكتوبة إلا قنت فيها".5
10. وقنت عمر.
11. وقنت عليّ رضي الله عنه بصفين.
ã
أقوال أهل العلم في
مشروعية قنوت النوازل
قال الإمام النووي رحمه الله: (فرع في القنوت في غير الصبح
إذا نزلت نازلة: قدمنا أن الصحيح في مذهبنا أنها إذا نزلت نازلة قنِت في
جميع الصلوات، وقال الطحاوي: ولم يقل أحد من العلماء بالقنوت في غير الصبح
من المكتوبات غير الشافعي؛ قال الشيخ أبو حامد: هذا غلط منه، بل قد قنت
عليّ رضي الله عنه بصفين).6
وقال ابن القيم رحمه الله: (وكان هديه صلى الله عليه وسلم
القنوت في النوازل خاصة، وتركه عند عدمها، ولم يكن يخصه بالفجر، بل كان
أكثر قنوته فيها لأجل ما شرع فيها من التطويل ولاتصالها بصلاة الليل،
وقربها من السَّحر، وساعة الإجابة، وللتنزل الإلهي، ولأنها الصلاة
المشهودة، التي يشهدها الله وملائكته.
إلى أن قال: صحَّ عن أبي هريرة أنه قال: والله لأنا أقربكم
صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فكان أبو هريرة يقنت في الركعة
الأخيرة من صلاة الصبح بعدما يقول: سمع الله لمن حمده؛ فيدعو للمؤمنين
ويلعن الكافرين7؛
ولا ريب أن الرسول صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، ثم تركه، فأحب أبو هريرة أن
يعلمهم أن مثل هذا القنوت سنة، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعله،
وهذا رد على أهل الكوفة الذين يكرهون القنوت في الفجر مطلقاً عند النوازل
وغيرها، ويقولون هو منسوخ وفعله بدعة، فأهل الحديث متوسطون بين هؤلاء وبين
من استحبه عند النوازل وغيرها، وهم أسعد من الطائفتين، فإنهم يقنتون حيث
قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتركونه حيث تركه، فيقتدون به في فعله
وتركه، ويقولون فعله سنة، وتركه سنة، ومع هذا فلا ينكرون على من داوم عليه،
ولا يكرهون فعله، ولا يرونه بدعة، ولا فاعله مخالفاً للسنة، كما لا ينكرون
على من أنكره عند النوازل، ولا يرون تركه بدعة، ولا تاركه مخالفاً للسنة،
بل من قنت فقد أحسن، ومن تركه فقد أحسن، وركن الاعتدال محل الدعاء
والثناء).8
الحافظ العراقي رحمه الله: (فقال الرافعي: إن الأصح عند
المعظم أنه إذا نزلت بالمسلمين نازلة قنتوا وإلا فلا؛ وقيل: لايقنت فيها،
وقيل: يتخير في غير النازلة؛ وقيل: يقنت مطلقاً؛ وقيل: يقنت في الجهرية دون
السرية).9
وقال ابن وهب: قال لي مالك: لا بأس بأن يدعي الله في الصلاة
على الظالم ويدعو للآخرين، وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لأناس،
ودعا على آخرين؛ قال ابن وهب عن معاوية بن صالح عن عبد القاهر عن خالد بن
أبي عمران، قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على مضر إذ جاءه
جبريل فأومأ إليه أن اسكت، فسكت، فقال: يا محمد، إن الله لم يبعثك سباباً
ولا لعاناً، وإنما بعثك رحمة، ولم يبعثك عذاباً، ليس لك من الأمر شيء
أويتوب عليهم أويعذبهم فإنهم ظالمون؛ قال: ثم علمه هذا القنوت: اللهم إنا
نستعينك.. إلخ).10
وقال ابن قدامة: (فإن نزل بالمسلمين نازلة، فللإمام أن يقنت
في صلاة الصبح، نص عليه أحمد، قال الأثرم: سمعتُ أبا عبد الله سئل عن
القنوت في الفجر؟ فقال: إذا نزل بالمسلمين أمر قنت الإمام وأمن من خلفه؛ ثم
قال: مثل ما نزل بالمسلمين من هذا الكافر، يعني بابك11؛
قال أبو داود: سمعتُ أحمد يسأل عن القنوت في الفجر؟ فقال: لو قنتَ أياماً
معلومة، ثم يترك كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، لو قنت على الخُرَّمية،
لو قنت على الروم؛ و"الخُرَّمية" هم أتباع بابك، وبهذا قال أبو حنيفة،
والثوري... وأن علياً قنتَ، وقال: إنما استنصرنا على عدونا هذا؛ ولا يقنت
آحاد الناس.
إلى أن قال: ولا يقنت في غير الصبح من الفرائض، قال عبد
الله عن أبيه: كل شيء يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في القنوت إنما هو
في الفجر، ولا يقنت في صلاة إلا في الوتر والغداة إذا كان مستنصراً، يدعو
للمسلمين؛ وقال أبو الخطاب: يقنت في الفجر والمغرب لأنهما صلاتا جهر في
طرفي النهر؛ وقيل: يقنت في صلاة الجهر كلها، قياساً على الفجر، ولا يصح
هذا، لأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه
القنوت في غير الفجر والوتر).12
قلت: لقد صح عن ابن عباس والبراء رضي الله عنهم أن القنوت
في النوازل يكون في سائر الصلوات، والحمد لله.
ã
والخلاصة
أولاً: أن القنوت في النوازل مشروع، بل آكد من قنوت الصبح
والوتر.
ثانياً: في النوازل يقنت في سائر الصلوات، ولا يقتصر على
الفجر والوتر، ولا على الصلوات الجهرية دون السرية، ولا على الجماعة دون
الأفراد، بل لو قنت المرء سراً في النوافل لكان حسناً.
روى ابن القاسم عن مالك عن عروة بن الزبير قال: بلغني عنه
أنه قال: إني لأدعو الله في حوائجي كلها في الصلاة حتى في الملح13؛
وعن أبي رافع يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم: "سلوا حوائجكم البتة في
صلاة الصبح14؛
فكيف بالدعاء على الكفرة والمعاندين، وبالتفريج على إخوان العقيدة ورفقاء
الدرب، ولرفع البلاء والمصائب؟ فهذا من باب أولى وبالأحرى، إذ النفع متعدٍ.
ã
أنواع
النوازل، والبلايا، والفتن أعاذنا الله منها
النوازل، والبلايا، والمصائب، والفتن التي يُقنت لها كثيرة
جداً، نسأل الله أن يعافينا وجميع إخواننا المسلمين من الفتن، ما ظهر منها
وما بطن، فقد تكون النازلة:
1. نتيجة عدو تسلط على المسلمين، كما هو الحال اليوم من
تسلط الاتحاد اليهودي النصراني على المسلمين، وشروعه في حرب صليبة ذات
مراحل متعددة، وأغراض مختلفة، وأسباب مختلفة؛ كالحرب التي شنت على دولة
الطالبان, وعلى العراق، واستهدفت القضاء على قوته ومقدراته، وتبديد ثرواته،
وتأمين النبتة الشيطانية والدولة اليهودية النصرانية في فلسطين.
2. أو بسبب قحط وجفاف.
3. أو بسبب وباء.
4. أو بسبب كوارث طبيعية.
5. أو بسبب عطش.
ونحو ذلك من المصائب التي تحل بالدين أو المصالح الدنيوية.
ã
مشروعية لعن المعين من الكفار، وتسميته، والدعاء عليه بالهلاك، والثبور،
وعظائم الأمور
الدعاء على الكفار من أهل الكتاب وغيرهم عامين ومعينين قربى
من القربات، سواء تسلطوا على الإسلام والمسلمين أم لا؟ فكيف إذا تسلطوا على
ديارنا، وغصبوا أرضينا، وقتلوا أبناءنا ونساءنا، ودمروا أخلاقنا بشتى
الوسائل، وأفسدوا معاشنا ومآلنا؟ بل لقد أجاز الله لعن اليهود والنصارى
ونهى عن لعن الكلاب والخنازير والدواب، بل لعنهم رسولان كريمان ونبيان
عظيمان، هما داود وعيسى ابن مريم عليهما السلام: "لعن الذين كفروا من بني
إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا
يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون"15،
ودعا موسى وهارون على الطاغية فرعون وملئه عدداً من السنين، فقالا: "ربنا
إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيل
ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلبوهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب
الأليم"16؛
وقال نوح عليه السلام: "رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً إنك إن
تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً"17؛
وقد دعا الغفور الرحيم على قريش صلى الله عليه وسلم، فقال: "اللهم اشدد
وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف" الحديث؛ وقد لعن رسول
الله صلى الله عليه وسلم لِحيان، ورعْلاً، وذَكوان، وعُصَيَّة، كما سبق في
الأحاديث الكثيرة.
وروي عن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول في القنوت: "اللهم
اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، وألف بين قلوبهم، وأصلح ذات
بينهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم، اللهم العن كفرة أهل الكتاب، الذين يكذبون
رسلك، ويقاتلون أولياءك، اللهم خالف بين قلوبهم، وزلزل أقدامهم، وأنزل بهم
بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين".18
ã
أقوال أهل العلم في ذلك
قال الحافظ أبو العباس القرطبي رحمه الله معلقاً على حديث
أبي هريرة: "اللهم اشدد وطأتك على مضر..": (وفي هذا الحديث من الفقه جواز
الدعاء على المعين وله، وجواز الدعاء بغير ألفاظ القرآن في الصلاة، وهو حجة
على أبي حنيفة في منعه ذلك كله فيها، ولا خلاف في جواز لعن الكفرة والدعاء
عليهم).19
وقال الحافظ العراقي رحمه الله معلقاً على نفس الحديث
السابق: (فيه حجة على أبي حنيفة في منعه أن يُدْعَى لمعين أو على معين في
الصلاة، وخالفه الجمهور فجوَّزوا ذلك لهذا الحديث وغيره من الأحاديث
الصحيحة، وفيه حجة على أبي حنيفة أيضاً في منعه ما ليس بلفظ القرآن من
الدعاء في الصلاة وخالفه غيره في ذلك، وفيه جواز الدعاء على الكفرة
ولعنهم).20
وقال حافظ المغرب ابن عبد البر رحمه الله في شرح حديث
الأعرج: "ما أدركتُ الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان": (فيه إباحة لعن
الكفرة، كانت لهم ذمة أولم تكن، وليس ذلك بواجب ولكنه مباح21
لمن فعله غضباً لله في جحدهم الحق وعداوتهم للدين وأهله... وروى ابن نافع
عن مالك أنه سئل عن لعن الكفرة في رمضان، في أول الشهر أم في آخره؟ فقال
مالك: كانوا يلعنون الكفرة في رمضان في النصف منه حتى ينسلخ رمضان).22
ã
مذاهب أهل العلم في الدعاء على المعين وتسميته إذا كان من العصاة الظالمين
بعد أن أجمعوا على جواز لعن العصاة والفسقة في الجملة
اختلفوا في لعن المعين والدعاء عليه على اقوال، هي:
1. يجوز لعن المعين من العصاة الظالمين.
2. لا يجوز لعنه وإنما يستحب الدعاء له بالتوبة والهداية.
3. يدعى عليهم في حال انتهاكهم للحرمات، أما بعدها فلا.
قال أبو العباس القرطبي: (واختلفوا في جواز الدعاء على أهل
المعاصي، فأجازه قوم، ومنعه آخرون، وقالوا: يُدْعَى لهم بالتوبة لاعليهم؛
وقيل: إنما يُدعى على أهل الانتهاك في حين فعلهم ذلك، وأما في إدبارهم
فيدعى لهم بالتوبة).23
قال الحافظ زين الدين العراقي رحمه الله: (أما الدعاء على
أهل المعاصي ولعنهم من غير تعيين فلا خلاف في جوازه لقوله صلى الله عليه
وسلم: "لعن الله السارق يسرق البيضة"24،
"لعن الله من غيَّر منار الأرض"25،
ونحو ذلك؛ وأما مع التعيين فوقع كثيراً في الأحاديث، كقوله صلى الله عليه
وسلم: "اللهم لا تغفر لمحلم بن جثامة"26؛
ولهذا قال النووي في الأذكار: إن ظواهر الأحاديث تدل على جواز لعن أهل
المعاصي مع التعيين.
وقد يقال: هذا من خواصه صلى الله عليه وسلم: "اللهم إني
أتخذت عندك عهداً أيما مسلم سببته أولعنته وليس لها بأهل فاجعلها له صلاة"
الحديث27،
وهذا ليس لغيره، فلهذا كان المنقـول: أنه لا يجـوز لعن العاصي المعين، وأما
لعن الكافـر المعين فـلا شك أنه صلى الله عليه وسلم كان يفعله، ولكن هل لنا
أن نتعاطى ذلك؟ فمنع منه أبو حامد الغزالي إلا أن يقيد ذلك بأن يموت على
كفره، والله أعلم).28
وقال أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله: (قد لعن رسول الله
صلى الله عليه وسلم "آكل الربا، ومؤكله، وكاتبه، وشاهديه"29،
ولعن "من انتمى إلى غير أبيه وادعى غير مواليه"30،
ولعن "المخنثين من الرجال والمذكرات من النساء"31،
و"لعن الله من غيَّر تخوم الأرض"32،
و"لعن المكذب بقدر الله والمتسلط بالجبروت ليذل أولياء الله"33،
و"لعن الواصلة والمستوصلة"34،
ولعن جماعة يطول ذكرهم.
إلى أن قال: وروي عن عليّ أنه كان يقنت أيام صفين وبعد
انصرافه منها، يدعو على قوم ويلعنهم كرهتُ ذكرهم، ومن فعل الصحابة وجلة
التابعين بالمدينة في لعن الكفرة في القنوت أخذ العلماء لعن الكفرة في
الخطبة الثانية من الخطبة والدعاء عليهم).35
ã
والخلاصة
من الأدلة السابقة نخلص إلى الآتي:
أولاً: يجوز لعن الكفرة والمبتدعة أصحاب البدع الكفرية،
المعاندين والمحاربين للإسلام والمسلمين، وتعيينهم وتسميتهم؛ فقد لعن الحسن
البصري رحمه الله المعتزلي عمرو بن عبيد؛ ولعن أبو داود رحمه الله من لعن
مالكاً؛ وقال الشافعي رحمه الله لحفص المنفرد: لا حفظك الله ولا رعاك؛ ودعا
الحسن على رجل انتقص علياً؛ وقنت أبو عبد الرحمن السلمي في الفجر يدعو على
قطري بن الفجاءة من أئمة الخوارج.
ثانياً: أما عصاة المسلمين فالأولى عدم لعنهم والدعاء
عليهم، ويستحب الدعاء لهم بالتوبة والإنابة، ولكن يجوز أن ندعو الله أن
يحفظ المسلمين من شرورهم، وأن لا يبلغهم آمالهم فيما يبغون من البغي
والعدوان والظلم على المسلمين، فقد دعا عليّ على أهل العراق من رافضة
وخوارج.
ã
دعوى من زعم أن لعن الكفار، وتسميتهم، والدعاء عليهم منسوخ، ودحضها
يعترض البعض على القنوت في النوازل وعلى لعن الكفار
المعاندين المحاربين وتسميتهم بدعوى أن ذلك قد نسخ، بل منهم من يزعم أن
تعيين الكفار وتسميتهم ولعنهم داخل الصلاة من مبطلات الصلاة!
وهذه دعوى لا أساس لها ولا دليل عليها.
وعمدتهم في ذلك أمران، هما:
1. ما جاء في حديث أبي هريرة الصحيح: ثم بلغنا أنه ترك ذلك
لما أنزل "ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أويعذبهم" الحديث.
2. قول أبي هريرة: "ثم رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم
ترك الدعاء بعد" الحديث.
الذي تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم لمَّا أنزل "ليس لك
من الأمر شيء" الآية، هو اللعن، وهذا خاص به صلى الله عليه وسلم، حيث لم
يكن فاحشاً، ولا متفحشاً، ولا بذيئاً، ولا لعاناً، وليس عاماً للأمة؛ بدليل
فعل عمر، وعلي، وغيرهما من الصحابة، والسلف الصالح من بعدهم، فهم أعلم
الخلق بالناسخ والمنسوخ.
أما تركه للدعاء كما في الحديث الثاني، فالمراد به الدعاء
للمستضعفين، لأنهم قدموا من مكة إلى المدينة، كما جاء أن عمر بن الخطاب
قال: يا رسول الله مالك لم تدع للنفر؟ قال: أما علمتَ أنهم قد قدموا؟".36
والأدلة على عدم النسخ بجانب ما سبق كثيرة جداً، منها:
1. حديث أبي هريرة السابق: "لأقرِّبَنَّ بكم صلاة رسول
الله صلى الله عليه وسلم؛ فكان أبو هريرة يقنت في الظهر، والعشاء الآخرة،
وصلاة الصبح، يدعو للمؤمنين ويلعن الكافرين" الحديث، وهو راوي الحديثين
السابقين.
2. قول خُفَاف الغفاري: "فجُعِلت لعنة الكفار من أجل ذلك".
3. ما رواه مالك عن الأعرج: "ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون
الكفرة في رمضان".37
4. ما جاء في قنوت عمر رضي الله عنه: "اللهم عذب كفرة أهل
الكتاب الذين يصدون عن سبيلك".38
5. هذا بجانب مداومة المسلمين سلفاً وخلفاً على ذلك.
ã
موضع القنوت
من الصلاة في الصبح، والوتر، والنوازل
ذهب أهل العلم في محل القنوت من الصلاة بعد أن أجمعوا على
أنه يكون بعد الفراغ من القراءة في الركعة الأخيرة إلى ثلاثة مذاهب، هي:
1. قبل الركوع.
2. بعد الركوع.
3. المصلي بالخيار، قبل أو بعد الركوع.
ã
الأدلة
عن أبي هريرة رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم
قنت بعد الركوع".
وعن أنس رضي الله عنه: "قنت رسول الله قبل الركوع"، وكلاهما
صحيح.
ã
أقوال أهل العلم في ذلك
قال ابن القاسم: (قال مالك في الرجل يقنت في الصبح قبل
الركوع: ولا يكبر للقنوت؛ وقال: قال مالك في القنوت في الصبح: كل ذلك واسع
قبل الركوع وبعد الركوع، والذي آخذ به في خاصة نفسي قبل الركوع).39
وقال النووي رحمه الله عن مذاهب العلماء في ذلك: (قد ذكرنا
أن مذهبنا أن محله بعد رفع الرأس من الركوع؛ وبهذا قال أبو بكر الصديق،
وعمر بن الخطاب، وعليّ رضي الله تعالى عنهم؛ وحكاه ابن المنذر عنهم؛ ورواه
البيهقي عنهم وعن أنس؛ قال ابن المنذر: وروينا عن عمر، وعليّ، وابن مسعود،
وابن عباس، وأبي موسى الأشعري، والبراء، وأنس، وعمر بن عبد العزيز، وعبيدة
السلماني، وحميد الطويل، وعبد الرحمن بن أبي ليلى عنهم، وبهذا قال مالك
وإسحاق؛ وحكى ابن المنذر التخيير قبل الركوع وبعده عن أنس، وأيوب السختياني،
وأحمد؛ وقد جاءت الأحاديث بالأمرين).40
وقال الحافظ العراقي في شرح حديث أنس: "قنت شهراً بعد
الركوع": (فيه حجة لمن ذهب أن محل القنوت بعد الركوع؛ وهو قول الشافعي،
وأحمد، وإسحاق، ورواية عن مالك... وذهب مالك في المشهور عنه إلى أن محله
قبل الركوع.
ثم نقل كلام البيهقي: رواة القنوت بعد الركوع أكثر وأحفظ،
فهو أولى، وعلى هذا درج الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم في أشهر الروايات
عنهم وأكثرها والله أعلم، وقد ذهب جماعة إلى التخيير بين القنوت قبله أو
بعده).41
وقال ابن الهمام الحنفي: (وقنت في ثالثة ـ أي من الوتر ـ
قبل الركوع أبداً).42
ã
الخلاصة
أولاً: أن القنوت قبل أوبعد الركوع فيه سعة.
ثانياً: القنوت بعد الركوع كما قال البيهقي رواته أكثر
وأحفظ، وهو عمل الخلفاء الراشدين، فهو أولى بالاتباع.
ثالثاً: القنوت قبل الركوع يمكن المتأخرين من إدراك الركعة،
والله أعلم.
ã
الجهر بالقنوت
قولان لأهل العلم:
1. الجهر به هو المستحب، لتأمين المأمومين في الصلوات
الجهرية والسرية، ولفعله ولفعل أصحابه من بعده، وذلك لقول أنس: "قنت شهراً
بعد الركوع يدعو على أحياء...".
2. يسر به في كل الصلوات الجهرية والسرية.
قال الحافظ العراقي معلقاً على حديث أنس السابق: (فيه
استحباب الجهر بالقنوت للإمام، لأن الظاهر أنه صلى الله عليه وسلم جهر به،
وإلا لما سمعوه، وقال البخاري في رواية له: "يجهر بذلك"، فصرح بالظاهر،
وعند أبي داود من حديث ابن عباس المتقدم في القنوت في الصلوات الخمس:
"ويؤمن مَنْ خلفه"، وهذا يدل على الجهر أيضاً، وأخرجه الحاكم وصححه، وما دل
عليه الحديث من جهر الإمام بالقنوت هو الصحيح عند أصحاب الشافعي، وفي وجه
يسرُّ كسائر الأذكار؛ وأما المنفرد فجزم القاضي حسين، والبغوي، والماوردي
من أصحابنا أنه يُسِرُّ بالقنوت؛ وقال النووي في التحقيق: إنه لا خلاف
فيه).43
قال سحنون: قلت لابن القاسم: فهل يجهر بالدعاء في القنوت
إماماً كان أم غير إمام؟ قال: لا يجهر؛ قلت: وهو قول مالك؟ قال: هو رأيي).44
ã
رفع الأيدي في القنوت
لأهل العلم في ذلك قولان، هما:
1. ترفع الأيدي، وهذا هو الأرجح.
2. لا ترفع الأيدي.
ã
أقوال أهل العلم في ذلك
قال النووي رحمه الله: (الصحيح في مذهبنا عند الأكثرين
استحبابه، وهو المختار، قال ابن المنذر: وروينا عن عمر بن الخطاب، وابن
مسعود، وابن عباس رضي الله عنهم؛ قال: وبه قال أحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي؛
قال: وكان يزيد بن أبي مريم، ومالك، والأوزاعي لا يرون ذلك).45
وقال ابن قدامة رحمه الله: (فيرفع يديه في حال القنوت، قال
الأثرم: كان أبو عبد الله يرفع يديه في القنوت إلى صدره؛ واحتج بأن ابن
مسعود رفع يديه في القنوت إلى صدره، وروي ذلك عن عمر وابن عباس، وبه قال
إسحاق وأصحاب الرأي؛ وأنكره مالك، والأوزاعي، ويزيد بن أبي مريم.
ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا دعوت الله فادع
ببطون كفيك، ولا تدعو بظهورهما، فإذا فرغت فامسح بهما وجهك"46).47
ã
التأمين في القنوت خلف الإمام
السنة أن يؤمن المأمومون على دعاء الإمام في القنوت.
قال ابن قدامة رحمه الله: (إذا أخذ الإمام في القنوت آمن من
خلفه، لا نعلم فيه خلافاً، وقاله إسحاق، وقال القاضي: وإن دعوا معه فلا
بأس؛ وقيل لأحمد: إذا لم أسمع قنوت الإمام أدعو؟ قال: نعم).48
ã
إذا فرغ من القنوت فهل
يمسح وجهه بيديه؟
قولان لأهل العلم:
1. يمسح.
2. لا يمسح.
وردت أحاديث في مسح الوجه باليدين إثر الدعاء عموماً،
والقنوت خصوصاً، ولكن فيها مقال، وهي:
1. "فإذا فرغت فامسح بهما وجهك" الحديث السابق.
2. روى السائب بن يزيد: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
كان إذا دعا رفع يديه ومسح وجهه بيديه".49
قال ابن قدامة: (فيه روايتان: إحداهما لا يفعل، لأنه روي عن
أحمد أنه قال: لم أسمع فيه بشيء؛ ولأنه دعاء في الصلاة فلم يستحب مسح وجهه
فيه كسائر دعائها، والثانية: يستحب للخبر).50
ã
من لا يحسن القنوت
بالعربية أو لا يحفظه
إن كان مع الإمام أمَّن، وإن كان منفرداً أولا يسمع الإمام
دعا بما شاء من خيري الدنيا والآخرة بلسانه، وإن كان القنوت لنازلة دعا
الله لكشف النازلة.
ã
صيغ
القنوت
ذهب أهل العلم في ذلك مذاهب ثلاثة، هي:
1. استحب بعض أهل العلم أن يقال في القنـوت في الوتر،
والصبح، والنوازل، ما رُويَ عن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: "علمني
رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في الوتر: اللهم اهدني فيمن
هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر
ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت،
تباركت ربنا وتعاليت".51
وهذا ما ذهب إليه الشافعي ومن وافقه من أهل العلم.
2. واستحب مالك ومن وافقه قنوت عمر رضي الله عنه، وهو ما
كتبه أبي في مصحفه: "اللهم إنا نستعينك، ونستهديك، ونستغفرك، ونؤمن بك،
ونتوكل عليك، ونثني عليك الخير كله، ونشكرك ولا نكفرك، اللهم إياك نعبد،
ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفِد52،
ونرجو رحمتك، ونخشى عذابك، إن عذابك الجد بالكافرين مُلْحِق".53
3. وقالت طائفة: لا يتعين في القنوت دعاء مؤقت، وإنما يدعو
بما يشاء من خيري الدنيا والآخرة، وبما يناسب النازلة.
ã
الخلاصة
أن الأمر فيه سعة، فلك أن تدعو بأي من هذين الدعائين أوبما
تشاء، والله أعلم.
ã
تنبيهات
1. من صلّى خلف من يقنت وهو لا يرى القنوت إما أن يتابع
إمامه وهذا هو الأفضل، وإما أن يسكت، أويدعو بما شاء.
2. إذا صلّى من يرى القنوت خلف من لا يراه لا يجوز له فعله
والتأخر عن إمامه.
3. لا حرج على من قنت حيناً وهو لا يرى القنوت، ولا على من
تركه وهو يراه، مداراة لدفع مفسدة أو جلب مصلحة أكبر.
ورحم الله أبا العباس الدغولي حين ترك القنوت في غير بلده
في الصبح وهو يراه، وعندما قيل له: لِمَ لمْ تقنت في صلاة الفجر؟ قال:
لراحة الجسد، وسنة أهل البلد، ومداراة للأهل والولد54.
4. السنة في القنوت الدعاء بالأدعية النبوية المأثورة
الجامعة.
5. السنة تجنب السجع في الدعاء، في القنوت وغيره، والإطالة
في القنوت.
6. السنة عدم الدخول في أمور تفصيلية في القنوت.
7. ليس من السنة المداومة على الدعاء لولاة الأمر في
القنوت، فقد عدَّ بعض أهل العلم الترضي عن الخلفاء الراشدين في خطبة الجمعة
الثانية دائماً من البدع، فكيف بالمداومة على ذلك لمن هم دونهم؟
8. لا يجوز لأحد أن يثرِّب أو يعنِّف على أحد في فعل
القنوت أو تركه، سواء كان في الصبح، أوالوتر، أوحتى النوازل.
9. من نسي القنوت إلى أن ركع وهو يرى القنوت قبل الركوع له
أن يقنت بعد الركوع، وهذا الأولى؛ أما من نسيه حتى هوى إلى السجود فلا يرجع
إليه، فإن رجع إليه فقد بطلت صلاته، والله أعلم.
10. يستمر القنوت في النازلة حتى ترفع، ولا يتقيد ذلك بشهر
ولا غيره، بل برفعها.
11. عند الثناء على الله في القنوت يقول المأمومون:
"سبحانه"، أو"سبحانك"؛ وإن سكتوا فلا حرج عليهم.
12. المسبوق يقنت بعد فراغه من صلاته إذا كان يعتقد أن ما
أدركه مع الإمام هو أول صلاته.
ã
|