شرطان للمجيء بالصبيان غير المميزين لبيوت الرحمن

 

المساجد بيوت الله عز وجل "فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ"1. أضافها الله إلى نفسه إضافة تعظيم وتشريف، وأمر بصيانتها، ونهى وحذر من تدنيسها، وأمر بتجنيبها من لا يحسن التعامل معها، وجعلها سوقاً للآخرة ومحلاً للتجارة الرابحة.

خرج مسلم في صحيحه عن بريدة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى قام رجل فقال: من دعا إلى الجمل الأحمر؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا وجدت إنما بنيت المساجد لما بنيت له".

قال القرطبي رحمه الله معلقاً على هذا الحديث: (وهذا يدل على أن الأصل ألا يعمل في المسجد غير الصلوات والأذكار وقراءة القرآن)2.

سمع عمر رضي الله عنه صوت رجل في المسجد، فقال: ما هذا! أتدري أين أنت؟! وكان خلف بن أيوب جالساً في مسجده، فأتاه غلامه يسأله عن شيء فقام وخرج من المسجد وأجابه، فقيل له في ذلك، فقال: ما تكلمت في المسجد بكلام الدنيا منذ كذا وكذا، فكرهت أن أتكلم اليوم. إذا كان هذا إجلاله لمسجد بيته فكيف يكون حاله في المسجد الجامع؟

وكان مالك لا يرفع صوته في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يجيز ذلك ولا في حلق العلم.

أما الآن فقد أمست المساجد روضات للصبيان، ومنتدى للشبان، ومحلاً للإعلانات عن المفقودات، والدعوة لولائم الأعراس، ومرتعاً للسُّـؤال المحتالين منهم والمحتاجين، حيث ترفع فيها الأصوات، ويشوش فيها على المصلي، والتالي، والدارس، والذاكر فلا يُمَكـَّن أحد فيها من الخشية والانصات، ولا يعان فيها أحد على حضور القلب والتدبر.

أما بعد...

فمن الأمور التي ينبغي أن تصان منها المساجد المجيء بالولدان غير المميزين، والفتيان العابثين وتركهم يصولون ويجولون، ويهرولون ويعبثون في المسجد، ويشوشون على المصلين ويحولون بينهم وبين الخشوع والطمأنينة ومتابعة الإمام والإنصات له.

لذلك اشترط أهل العلم في الصبي الذي يمكن أن يُؤتى به إلى المسجد أحد شرطين صيانة للمسجد من الإزعاج، وحماية للمصلين من التشويش والتشاغل والنسيان، والشرطان هما:

1.  أن لا يعبث في المسجد.

2. أو إن عبث إذا كف عن ذلك انتهى.

أما إذا كان ولي الأمر يعلم من صبيه أنه عابث، وأنه إذا عبث ونهي عن ذلك لا ينتهي ويكف عنه، لا يحل لوليه أن يأتي به إلى المسجد، وإلا يكون مأزوراً غير مأجور، ومتحملاً لكل ما يقوم به الصبي من إزعاج وعبث وتشويش.

قال خليل بن إسحاق المالكي رحمه الله في مختصره: (وإحضار صبي لا يعبث ويكف إذا نهي).3

قال الحطاب رحمه الله في شرح ما قال خليل: (قال ابن فرحون في شرح ابن الحاجب: إذا كان يعبث ولا يكف إذا نهي، فلا يجوز إحضاره لما في الحديث: "جنبوا مساجدكم مجانينكم وصبيانكم"4، فالشرط في جواز إحضاره أحد أمرين: إما عدم عبثه، أو كونه لا يكف إذا نهي عن العبث. وظاهر كلام المؤلف، أي ابن الحاجب، أنه يكف عن العبث إذا وقع في المسجد. وفي {حواشي التجيبي} قال: يعني يكف إذا نهي قبل دخول المسجد، يعني يكون شأنه استماع ما يؤمر به، وترك ما نهي عنه، لأن المقصود تنزيه المسجد عن لعب الصبيان، بل يمنعون من رفع الصوت ولو بالعلم انتهى. ونحوه لابن عبد السلام في {رسم خلف} من سماع ابن القاسم. ونص كلام ابن عبد السلام يشترط في جواز إحضار الصبي أحد أمرين: إما عدم عبثه، أو كونه يكف إذا نهي بتقدير أن يعبث لأن المقصود تنزيه المساجد عن لعب الصبيان وغيره لقوله: "فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ..." انتهى)5.

وقال المواق في {التاج والإكليل لمختصر خليل}: (ابن عرفة: يُجَنب الصبي المسجد إذا كان يعبث ولا يكف إذا نهي انتهى)6.

قال البراذعي رحمه الله في {تهذيب المدونة}: (وإذا كان الصبي يعبث فلا يُؤتى به إلى المسجد، وإذا كان يعبث ويكف إذا نهي فجائز، وإن أتى أباه في مكتوبة نحاه عن نفسه، ولا بأس بتركه في النافلة)7.

وقال الإمام النووي رحمه الله: (قال المتولي وغيره: يكره إدخال البهائم، والمجانين، والصبيان الذين لا يميزون المسجد، لأنهم لا يؤمن تلويثهم إياه، ولا يحرم ذلك لأنه ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى حاملاً أمامة بنت زينب رضي الله عنهما، وطاف على بعيره ولا ينفي هذا الكراهة لأنه صلى الله عليه وسلم فعله لبيان الجواز فيكون حينئذ أفضل في حقه فإن البيان واجب)8.

قلت: العلة في النهي عن مجيء الصبيان إلى المسجد ليس خشية تلويثه بالنجاسة فحسب، بل خشية العبث واللعب، وحمله صلى الله عليه وسلم لأمامة فيه تأمين من أن تعبث أو تتحرك.

اشتهر على ألسنة الناس حديث في تجنيب الصبيان غير المميزين المساجد وهو: "جنبوا مساجدكم صبيانكم".

قال العجلوني: (قال البزار لا أصل له، وتعقبه في {المقاصد} بأن ابن ماجة رواه مطولاً عن واثلة رفعه بلفظ "جنبوا مساجدكم صبيانكم، ومجانينكم، وشراءكم، وبيعكم، وخصوماتكم، ورفع أصواتكم، وإقامة حدودكم، وسل سيوفكم، واتخذوا على أبوابها المطاهر، وجمروها في الجمع"9  وسنده ضعيف، لكن له شاهد عند الطبراني في الكبير10 ، والعقيلي، وابن عدي بسند فيه العلاء بن كثير وهو ضعيف أيضاً عن أبي أمامة وأبي الدرداء وواثلة قالوا: سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكره بلفظ مساجدكم، لكن بدون وشراءكم وبيعكم، لابن عدي عن أبي هريرة رفعه: "جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم" وفي سنده عبد العزيز بن محرَّر ـ ضعيف. وفي الباب يستأنس به لتقويته أحاديث: منها: "من رأيتموه يبيع ويبتاع في المسجد، أو ينشد ضالة" الحديث، رواه الطبراني. وعند الطبراني وابن السني، وابن مندة عن أبي هريرة رضي الله عنه: "من رأيتموه ينشد شعراً في المسجد، فقولوا: فضَّ الله فاك ثلاثاً، ومن رأيتموه ينشد ضالة في المسجد، فقولوا: لا وجدتها ثلاثاً، ومن رأيتموه يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا ربَّح الله تجارتك"11.

كان عمر رضي الله عنه: إذا رأى صبياناً يلعبون في المسجد ضربهم بالدرَّة، وكان يفتش المسجد بعد العشاء فلا يترك فيه أحداً12.

ينبغي للجان المساجد، والمسؤولين عنها، من الأئمة والمؤذنين والقائمين بأمرها الإشراف عليها أن يعتنوا بصيانة المساجد عن كل ما لا يليق بها ويناسبها من صغير وكبير، وعليهم هم أن يكونوا أول المحافظين على ذلك.

تعظيم المساجد وصيانتها من باب تعظيم شعائر الله، ومن باب إكرام محارم الله عز وجل.

اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وصلى الله وسلم على أخشى وأتقى خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحابته والتابعين لهم بإحسان وعنا معهم بفضلك ورحمتك آمين.

 ã