لقد فجعت الأمة في حكامها، وأخشى أن تفجع في علمائها

 

من الآثار السلبية الفادحة لمأساة غزة خذلان حكام المسلمين القادرين لإخوانهم المنكوبين في غزة، وصمت الكبار من علماء الأمة صمتاً مريباً بينما حركت هذه الكارثة بعض الكفار والعلمانيين، فمنهم من قطع علاقاته الدبلوماسية مع الصهاينة، ومنهم من أقنعته المواقف البطولية الأسطورية للمجاهدين في غزة بفصائلهم المختلفة فأعلن بملئ فيه انه لا خروج من هذه الكوارث العظام، والطوام الجسام، إلا برفع راية الجهاد، والصمود أمام الغزاة المحتلين.

        بينما نجد بعض العلماء والدعاة يتوارون خجلاً من مجرد النطق بهذه الكلمة، ويتبرأون من المجاهدين أشد من تبرؤ إخوة يوسف مما اقترفوه في حق يوسف عليه السلام.

        وليت الأمر وقف عند هذا التبرؤ بل تعداه إلى التثبيط والتخذيل، وإثارة الشبه عن أولئك المجاهدين للغزاة من الكفار والمنافقين، دفاعاً عن دينهم وحريمهم وديارهم وأعراضهم وممتلكاتهم.

        ماذا دها هؤلاء العلماء، وما الذي أعمى أبصارهم عن رؤية الحق؟ وما الذي حال بينهم وبين جهاد نبي الملحمة وخلفائه الراشدين والأئمة المهديين؟ ما الذي جعلهم يخلطون بين جهاد الدفع وجهاد الطلب؟ اللهم إلا الشح المطاع، والهوى المتبع، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، والغفلة وحب الدنيا وتقديم المصالح الدنيوية الفانية على المنافع الأخروية الباقية؟ مواقف بعض العلماء والدعاة في هذا العصر تدعو والله إلى العجب، وتجعل الحليم حيراناً؟

        ما الذي أعمى أبصار القوم، وبَلـَّد احاسيسهم وشعورهم، وأغلظ قلوبهم وقساها؟

        لماذا لم يقتد هؤلاء بعلماء السلف الصالحين، والفقهاء الحكماء الربانيين أمثال أبي حنيفة، ومالك، وسفيان، والشافعي، وعبد الله بن المبارك، والفضيل والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق؟  ولا بالذين يلونهم من أمثال العز بن عبد السلام، والإمام النووي، وشيخ الإسلام ابن تيمية وتلاميذه؟ ولا حتى ببعض المعاصرين أمثال بعض مشايخ الأزهر كالشيخ حسن الطويل، وغيرهم كالشيخ أحمد محمد شاكر، والشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، والشيخ عبد العزيز بن باز، وغيرهم كثير؟ رحم الله الجميع بواسع رحمته.

        السبب الأساس لهذه الأدواء التي أخرت هؤلاء العلماء عن ركب سلفهم الصالح هو التعلق بالدنيا وزخارفها، والحرص عليها وتقديمها على الباقية، فذلوا وهانوا ورخصوا بإذلالهم لهذا العلم وإهانتهم له:

        ولله در الجرجاني عندما شخص هذه العلة العليلة:

ولو أن أهل العلـم صانوه صانهـم      ولو أنهم عظموه في النفوس لعظمـا

ولكــن أهـانــوه ودنـســوا      محيــاه بالأطماع حـتى تجهمـا

        فالدخول على الحكام، والتزلف إليهم، وتولي المناصب الدستورية هو الذي أهان العلم والعلماء وقسى قلوبهم حتى صارت أقسى من الصخرة الصماء.

        ورحم الله سليمان بن مهران الأعمش القائل:

        شر الأمراء أبعدهم من العلماء، وشر العلماء أقربهم من الأمراء1.

        لم تستبن لنا العلة والسبب الذي منع كثيراً من السلف من الدخول حتى على الأخيار المحكمين لشرع الله، المجلين المكرمين لأهل العلم بل وتحذير إخوانهم من ذلك، كما استبانت اليوم فسفيان الثوري رحمه الله كان من أكثر المتمنعين من الدخول على الحكام مع يقينه أن أكثر الداخلين في أول الأمر كانوا ناصحين للحكام، شافعين لأصحاب الحاجات، راغبين عن عطاياهم.

        قال الفريابي: سمعت سفيان الثوري يقول: (كان خيار الناس وأشرافهم، والمنظور إليهم في الدين يقومون إلى هؤلاء فيأمرونهم ـ يعني الأمراء ـ وكان آخرون يلزمون بيوتهم، ليس عندهم ذلك، وكان لا ينتفع بهم ولا يذكرون، ثم بقينا حتى صار الذين يأتونهم فيأمرونهم شرار الناس، والذين لزموا بيوتهم خيار الناس2).

        إذا كان هذا حكم سفيان على الداخلين إلى الحكام الناصحين لهم في وقته، فكيف الحال في عصرنا هذا؟!

        قال مُهَنَّا: (سألت أحمد عن إبراهيم بن موسى الهروي، فقال: رجل وسخ. فقلت: ما قولك إنه وسخ؟ قال:من تتبع القضاة والولاة فهو وسخ).

        قال ابن مفلح: وكان هذا رأي جماعة من السلف3.

        فهذا أحمد مع جلالة قدره، وفخامة إمامته، وورعه، وعفة لسانه، يصف إبراهيم بن موسى هذا لمجرد دخوله واتباعه للولاة والأمراء من غير تفصيل بانه: وسخ.

        وإن تعجب أخي مما قاله احمد فعجبك لن ينقضي إذا علمت أن الإمام أبا جعفر العقيلي رحمه الله: ذكر عبد الرحمن بن أبي ليلى في كتابه في الضعفاء، ولم يذكر فيه كما قال ابن مفلح، إلا قول إبراهيم النخعي: كان صاحب أمراء4.

        قال ابن الجوزي رحمه الله: (ومن صفات علماء الآخرة أن يكونوا منقبضين على السلاطين، محترزين عن مخالطتهم. قال حذيفة رضي الله عنه: إياكم ومواقف الفتن، قيل: وما هي؟ قال: أبواب الأمراء، يدخل أحدكم على الأمير فيصدقه بالكذب، ويقول ما ليس فيه.

وقال سعيد بن المسيب: إذا رأيتم العالم يغشى الأمراء فاحذروا منه فإنه لص.

وقال بعض السلف: إنك لن تصيب من دنياهم شيئاً إلا أصابوا من دينك أفضل منه)5.

العلماء هم القدوة، هم القادة، وهم ورثة الأنبياء فصلاحهم صلاح للراعي والرعية، وفسادهم فساد للراعي والرعية، فعليهم أن يسيروا بالسيرة المرضية، وأن يتجنبوا مواطن الريب والشبه، لأن خطيئتهم جسيمة، وصغيرتهم كبيرة ولهذا قال الإمام سفيان الثوري رحمه الله: (لو صلح القراء ـ العلماء ـ لصلح الناس)6.

ومن قبل قال عمر كما روى البيهقي عن نافع عن أسلم، لما رأى على طلحة بن عبيد الله ثوباً مصبوغاً قال: ما هذا؟ قال: إنما هو مدر7 فقال: إنكم أيها الرهط أئمة يقتدي بكم الناس، وإن جاهلاً لو رأى هذا لقال: على طلحة ثوب مصبوغ، فلا يلبس أحد منكم من هذه الثياب شيئاً.

إذا كان العالم المجاهد البطل ابن المبارك رحمه الله قلا، وجفا، وهجر، إسماعيل بن عُلـَيـَّة رحمه الله لما ولي الصدقات للخليفة العباسي الرشيد، وكان من خير الخلفاء فأرسل معاتباً له بهذه الأبيات8:

يا جاعل العلـم لـه بازيــاً       يصطــاد أمـوال المساكيـن

احتلـت للـدنيـا ولذاتـهـا       بحيلــة تذهـب بـالـديـن

فصـرت مجنوناً بها بعدمـا      كنـــت دواءً للمـجانيــن

أيـن رواياتك فيمـا مضـى      عن ابن عـون وابن سيريـن؟

ودرســك العلــم بآثـاره      وتركـك أبـواب السلاطيـن

تقـول: أكرهتُ فماذا كــذا      زل حمار العلـم في الطيـن

لا تبـع الديـن بدنيـا كمـا      يفعــل ضـلال الرهابـين

قلت: إذا عاب ابن المبارك وهجر وقلا ابن عُلـَيـَّة على توليه للصدقات في ذلك العهد الزاهر، ولخليفة يجل العلماء والعلم، ويسعى لاستقطابهم فكيف بهذا العصر؟َ

صلاح هذا الدين يكون بصلاح العلماء والحكام ولهذا جاء في الأثر: "صنفان من أمتي إذا صلحا صلحت الأمة، وإذا فسدا فسدت الأمة السلطان، والعلماء"9.

ولهذا روي عن الفضيل بن عياض رحمه الله انه قال: (لو أن لي دعوة مستجابة ما صيرتها إلا في الإمام. فقيل له: وكيف  ذلك يا أبا علي؟ قال: متى صيرتها في نفسي لم تحزني، ومتى صيرتها في الإمام فصلاح الإمام صلاح العباد والبلاد. قيل: وكيف  ذلك يا أبا علي؟ فسر لنا هذا. قال: اما صلاح البلاد فإذا أمن الناس ظلم الإمام10 عمروا الخرابات ونزلوا الأرض11.

وأما العباد: فينظر إلى قوم من أهل الجهل، فيقول: قد شغلهم طلب المعيشة عن طلب ما ينفعهم من تعلم القرآن وغيره، فيجمعهم في دار خمسين، خمسين، أقل أو أكثر. يقول للرجل: لك ما يصلحك، وعَلـِّم هؤلاء أمر دينهم. وانظر ما أخرج الله عز وجل من فيهم من يزكي الأرض فرده عليهم. قال: فكان صلاح العباد والبلاد.فقبَّله ابن المبارك، وقال: يا معلم الخير، من يحسن هذا غيرك12).

أين هذا من الصوفية الذين أسس أمرهم على الكسل كما قال الإمام الشافعي رحمه الله ومع هذا يدعون نسبة الفضيل إليهم!!!

وبضدها تتميز الأشياء ففساد الدين، وخراب الدنيا يكون من هذين الصنفين إذا فسدوا بجانب العُبَّـاد الجهلة كما قال ابن المبارك رحمه الله في أبياته الشهيرة التي سارت بها الركبان، وخلدت على مر العصور في سائر البلدان:

رأيت الذنـوبَ تميت القلوبَ      ويورثـك الـذل إدمانُهـا

وتركُ الذنـوب حياة القلـوب      وخيرٌ لنفسـك عصيانهـا

وهل بدَّل الدين إلا الملـوك      وأحبار سوء ورهبانهـا؟!

فباعـوا النفوس فلم يربحـوا      ولم يغْلُ في البيع أثمانهـا

لقـد رتع القـوم في جيفـة      يبيـن لذي العقل انتانهـا

لقد صدق ابن المبارك ونصح لإخوانه العلماء إذا وعوا ما قال ورعوه:

فخراب الدين وتبديله وتحريفه، وفساد البر والبحر يأتي من هذه الأصناف الثلاثة التي سماها العالم الرباني، والفقيه المتفاني، والمجاهد المرابط:

1.   حُكَّـام جَوَرة.

2.   عُلـَماء سوء مرتزقة خونة.

3.   عباد مبتدعة حمقى جهلة.

يا ترى ما الذي نوَّر بصيرة ابن المبارك وإخوانه الكرام، وطمس واعمى بصائر الخلف السقام، سوى أمور تحلوا بها وتخلى عنها من سواهم، منها:

1.    الصدق والإخلاص والتجرد لله عز وجل وإيثاره للباقية على الفانية.

2.    اشتغاله بالجهاد والمرابطة والدعوة والتسويق لذلك.

3.    السخاء النادر، والكرم الفائق على العلماء وطلاب العلم ولهذا قال: (لولا السفيانان والفضيل و... و... ما أتجرت).

4.    النصح للحكام والأصدقاء والإخوان (نصحه للفضيل بن عياض في أبياته التي أولها:

يا عابد الحرمين لو أبصرتنا     لعلمت أنك بالعبادة تلعب

على الرغم من قسوة هذه النصيحة قبلها الفضيل وقال: لقد صدق ونصح، ولم يستنكف ويستكبر كما يحدث الآن من البعض، فقد أضحى بعض العلماء أشد استنكافاً في قبول النصيحة من بعض الحكام، وأصبح إسداء النصيحة في عصرنا للبعض حكاماً وعلماء وعامة، سبباً رئيساً لهجر الناصح وعزله وجفائه.

وقد سبق نصحه لإسماعيل بن عُلـَيـَّة الذي استجاب لنصيحته في الحال وطلب من الرشيد أن يقيله فأقاله.

كل ذلك عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم: "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً" فقال رجل: يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوماً، أرأيت إن كان ظالماً كيف أنصره؟ قال: "تحجزه ـ أو تمنعه ـ من الظلم، فإن ذلك نصره"13.

أما بعد....

فكيف تثق الرعية في حاكمٍ:

1.    لا يعدل في القضية، ولا يحكم بالسوية، ولا يخرج في السرية.

2.    ينبذ كتاب الله عز وجل وسنته وراءه ظهرياً، ويستعيض عن ذلك بالقوانين الوضعية.

3.    يتخوض في مال الله فيما شاءت له نفسه، ولا يسعى لرفع المعاناة عن الرعية.

4.    يهتم ويرعى سفاسف الأمور (الرياضة ـ الفن ـ التمثيل ـ اللهو) مع غض الطرف عن معاليها (الفساد العقدي والأخلاقي).

5.    يكرم ويقرب السفلة والمنافقين وأعداء الملة والدين، ويباعد بينه وبين العلماء الحكماء الربانيين وعباد الله المتقين.

6.    يأخذ بالظنة، ويراقب ذوي الهيئات ومستوري الحال من العلماء والخطباء وطلاب العلم والدعاة، ويفسح المجال للمبتدعة والمفسدين الفجار ـ حيث تكتظ السجون والمعتقلات في بعض البلاد بعشرات الآف، من غير تهمة جلية، ولا محاكمة سرية ولا علنية. ففي الشرع المتهم بريء حتى تثبت إدانته، وفي شرع كثير من حكامنا العلماء وطلاب العلم الشرعي متهمون إلا المتزلفين. ورحم الله الخليفتين الراشدين عمر وعلي ورضي عنهما، حيث لم يأخذا بفراستهما الصادقة دعك من الظن الكاذب إلى أن استشهدا. فكم خسر المسلمون بفقدهما، ولكن كم وكم ربح المسلمون بالبقاء على هذا المبدأ العظيم عدم الأخذ بالظنة فقد فدياه بأرواحهما الزكية النقية.

7.    يوالي الكفار والمنافقين وجل وزرائه ومستشاريه من أعداء الملة والدين الذين لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمةً، ويبرأ من إخوانه في الدين.

8.    الذي يستنكف ويستكبر عن سماع النصيحة دعك من قبولها، ويضيق صدره من ذلك، جُهِرَ بها أم سُرَّ. وقد أعانه على ذلك محاماة ودفاع البعض عنه إذا جُهِر بالنصيحة له حيث لم يَجْدِ الإسرار بها. فلا للحكام نصحوا، ولا للدين نصروا بل خذلوا.

9.    ليس له غيرة على الدين ولا على محارم المسلمين.

10.  همه الأول والأخير حماية والدفاع عن نفسه والذود عن كرسيه ونظامه، وتوريث ولده وعقبه، ليبوء بوزره وأوزار من يخلفه.

11.  لا يغيث مستغيثاً، ولا يجير مستجيراً، ولا يعطف على أرملة، وعلى بائس فقير.

12.  يُسَلـِّم أخاه المسلم إلى الكفار ويخذله، ولا يخشى من غضب الجبار، ولا يستحي من السُّبة والعار.

بل كيف تثق الرعية في عَالِمٍ:

1. وظيفته الأساسية إصدار الفتاوى الديوانية السلطانية والتبرير لكل ما يصدر من الحكام من مخالفات شرعية.

2. الدفاع والمحاماة وإيجاد الأعذار عن حكام نبذوا كتاب الله وسنة رسوله وراءهم ظهرياً، واستبدلوها بزبالات البشر الرديئة، فشجعوا الحكام وجرأوهم على حدود الله فخدعوهم وغشوهم بانه لا يكفر أحد أبداً وإن سن القوانين الوضعية، وحكم بها، ورد حكم الله ورسوله إلا إذا اعتقد ذلك بقلبه، أو نسب هذا الضلال إلى الله رداً لقوله تعالى: "فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا"14. و "وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ"15. فبدلوا شرع الله عز وجل وتواطئوا وتواصو بالباطل.

3.  غرضه حماية المصالح الشخصية مع التظاهر والإدعاء بأن الغرض هو حماية المصالح الدعوية.

4.  الذي يلوذ بالصمت إذا تـُعُدِّى على مصالح الأمة المصيرية، ويملأ الأرض ضجيجاً في وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية، بإثارة الشبه والتسويق للزلات والهفوات والرخص غير الشرعية.

5.  همه وغرضه التلفيق بين بعض ما جاء به الإسلام وبين ما أفرزته الحضارة المادية الكافرة ثم الزعم والادعاء بأن هذه هي الوسطية التي بُعث بها خير البرية "كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلا كَذِبًا"16.

6.  الذي يجمع بين السوأتين منافقة الحكام وغيرهم من الرعية بإباحة ما حرم الله (الغناء ـ المعازف ـ التمثيل ـ الاختلاط...إلخ).

7.  يعيش عيشة الأغنياء والمترفين ويدعو للتأسي بسيرة خير الخلق أجمعين وصحابته والتابعين.

8.  يدعو الناس إلى الإسلام بأقواله وأفعاله تنفر مما يدعو إليه.

9.  يستنكف ويستكبر عن قبول النصيحة ويعتد ويعجب بما عليه، ولا يتهم نفسه ولا يراجع منهجه.

هذا غيض من فيض، وقليل من كثير من السلوك المشين، والفعل القبيح، الذي درج عليه كثير من حكامنا وعلمائنا الأمر الذي زهد قطاع كبير فيهم ورغبهم عما عندهم قبل كارثة غزة، ولا أخال أحداً كان عنده بصيص أمل في ولاة امر المسلمين من الحكام والعلماء المسؤولين إلا وقد تبدد أمله، وتزعزعت ثقته، أما أهل البصائر فازدادوا يقيناً على يقينهم أن ما لم يكن في ذلك اليوم ديناً فلن يكون اليوم ديناً، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وأنه لا يمكن أن يجنى من الشوك العنب.

هذه والله مصيبة تهون دونها كل المصائب أن تفجع الأمة في ولاة أمرها ليس الحكام فقط بل في كبار علمائهم، والمتصدرين للفتوى المتسنمون للوظائف الدستورية، الموالين للحكام، الداخلين عليهم بكرة وعشية، المتحملين لأوزارهم، المدافعين المبررين لأخطائهم.

لا يزال الأمل معقود بعد الله عز وجل أن يعود أولئك العلماء إلى رشدهم، ويراجعوا مواقفهم قبل أن تبلغ الروح الحلقوم، ويحال بينهم وبين ما يشتهون، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم: "وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا"17.

اللهم هل بلغت اللهم فاشهد.

اللهم ردنا إليك حكاماً وعلماء وعامة رداً جميلاً، اللهم اهد حكامنا، وأصلح علماءنا، وتولى عامتنا إنك ولي ذلك والقادر عليه.

والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، وصلى الله وسلم على الذي ترك أمته على المحجة البيضاء والحنيفية السمحة وعلى آله وصحبه ومن والاه.

  بداية الصفحة